القلم السياسي

 

ديمومة الثورة

محمد علي صابوني




ديمومة الثورة


محمد علي صابوني


في كل سنة تمرّ على ذكرى /ثورة 23 تموز/ يحضرني قول الزعيم الخالد جمال
عبد الناصر:
<<إن قوة الإرادة الثورية لدى الشعب تظهر في أبعادها الحقيقية الهائلة إذا ما ذكرنا أن هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم ثوري سياسي يواجه مشاكل المعركة، كذلك فإن هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرية كاملة للتغيير الثوري. إن إرادة الثورة في تلك الظروف الحافلة لم تكن تملك من دليل للعمل غير المبادئ الستة المشهورة>>. هذا القول الذي ورد في الباب الأول من <<الميثاق الوطني>> الذي قدمه جمال عبد الناصر للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية في أيار 1962 يضع الإطار الصحيح لكيفية رؤية /ثورة 23 يوليو/ وإنجازاتها ولتطور مسارها في مصر وعلى المستوى العربي عموماً. فحينما تقوم ثورة بعظمة /ثورة تموز/ عام 1952، وتحدث تغييرات جذرية في المجتمع المصري ونظامه السياسي والاقتصادي والعلاقات الاجتماعية بين أبنائه، وتكون أيضا ثورة استقلال وطني ضد احتلال أجنبي مهيمن لعقود طويلة (الاحتلال البريطاني لمصر)، ثم تكون أيضا وبنفس الوقت قاعدة دعم لحركات تحرر وطني في عموم أفريقيا وآسيا، ثم تكون كذلك مركز الدعوة والعمل لتوحيد البلاد العربية ولبناء سياسة عدم الانحياز ورفض الأحلاف الدولية في زمن صراعات الدول الكبرى وقمة الحرب الباردة بين الشرق والغرب.. حينما تكون /ثورة تموز/ ذلك كله وأكثر، لكن دون /تنظيم سياسي ثوري/ ودون /نظرية كاملة للتغيير الثوري/ كما قال الزعيم عبد الناصر في /الميثاق الوطني/ فان هذه شهادة كبرى للثورة ولمصر ولقائد هذه الثورة نفسه جمال عبد الناصر. فإنجازات /ثورة يوليو/ ومسارها التاريخي أكبر بكثير من حجم أداة التغيير العسكرية التي بدأت الثورة من خلالها، وهي مجموعة /الضباط الأحرار/ في الجيش المصري. كذلك، فان الأهداف التي عملت من أجلها الثورة طوال عقدين من الزمن تقريبا، أي حتى وفاة جمال عبد الناصر عام 1970، كانت أيضا أوسع وأشمل بكثير من <<المبادئ الستة>> التي أعلنها /الضباط الأحرار/ عام 1952. وإذا كان واضحا في هذه المبادئ الستة كيفية تحقيق المرفوض (أي الاحتلال وتحكم الإقطاع والاحتكار)، فان تحقيق المطلوب (أي إرساء العدالة الاجتماعية والديمقراطية السليمة) لم يكن واضحاً بحكم غياب /النظرية السياسية الشاملة/ التي تحدّث عنها ناصر في <<الميثاق الوطني>>. ولم تكن هناك رؤية فكرية مشتركة لهذه المسائل بين أعضاء /حركة الضباط الأحرار/ حتى في الحد الأدنى من المفاهيم وتعريف المصطلحات، فكيف بالأمور التي لم تكن واردة في /المبادئ الستة/ أي بما يتعلق بدور مصر العربي وتأثيرات الثورة عربيا ودوليا وكيفية التعامل مع صراعات القوى الكبرى ومع التحدي الصهيوني الذي فرض نفسه على الأرض العربية في وقت متزامن مع انطلاقة ثورة يوليو.
أهمية هذه المسألة المتمثلة في ضيق أفق أداة الثورة (الضباط الأحرار) ومحدودية (المبادئ الستة) مقابل سعة تأثير القيادة الناصرية وشمولية حركتها وأهدافها لعموم المنطقة العربية ودول العالم الثالث، إنها تفسّر حجم الانتكاسات التي حدثت رغم عظمة الانجازات، وإنها تبين كيف أن الثورة كانت تيارا شعبيا يسير خلف قائد ثوري مخلص لكن من دون أدوات واضحة تربط ما بين القائد وجماهيره، وبين الأهداف الكبرى والتطبيق العملي أحياناً. وبرغم هذه السلبية الهامة التي رافقت <<ثورة 23 تموز>> في مجالي الفكر والأداة، فان ما صنعته الثورة داخل مصر وخارجها تحت القيادة الناصرية كان أكبر من حجم السلبيات والانتكاسات. وإذا كانت الانجازات المادية للثورة في داخل مصر تتحدث عن نفسها في المجالات كافة، الاقتصادية والاجتماعية والتربوية... الخ، فان الانجازات الفكرية والخلاصات السياسية لهذه الثورة، خاصة في العقد الثاني من عمر الثورة، هي التي بحاجة الى التأكيد عليها بمناسبة أو بغير مناسبة.
فالقيادة الناصرية لثورة 23 تموز طرحت مجموعة أهداف فكرية عامة وعددا من الغايات الإستراتيجية المحددة، إضافة إلى جملة مبادئ حول أساليب العمل الممكنة لخدمة هذه الغايات الإستراتيجية والأهداف الفكرية العامة. فاستناداً إلى مجموعة خطب عبد الناصر، والى نصوص <<الميثاق الوطني>> وتقريره، يمكن تلخيص الأبعاد الفكرية لثورة <<23 يوليو>> الناصرية بما يلي:
رفض العنف الدموي كوسيلة للتغيير الاجتماعي والسياسي في الوطن أو للعمل الوحدوي والقومي.
الاستناد إلى العمق الحضاري الإسلامي لمصر وللأمة العربية انطلاقا من الإيمان بالله ورسله ورسالاته السماوية، والتركيز على أهمية دور الدين في بناء مجتمع قائم على القيم والمبادئ الروحية والأخلاقية.
الدعوة إلى الحرية، بمفهومها الشامل لحرية الوطن ولحرية المواطن، وبأن المواطنة الحرة لا تتحقق في بلد مستعبَد أو مسيطَر عليه من الخارج. كذلك، فان التحرر من الاحتلال لا يكفي دون ضمانات الحرية للمواطن، وهي تكون على وجهين:
الوجه السياسي: الذي يتطلب بناء مجتمع ديمقراطي سليم تتحقق فيه المشاركة الشعبية في الحكم، وتتوفر فيه حرية الفكر والمعتقد والتعبير، وتسود فيه الرقابة الشعبية وسلطة القضاء.
الوجه الاجتماعي: الذي يتطلب بناء عدالة اجتماعية تقوم على تعزيز الإنتاج الوطني وتوفير فرص العمل وكسر احتكار التعليم والاقتصاد والتجارة.
المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن خصوصياتهم الدينية أو العرقية، والعمل لتعزيز الوحدة الوطنية الشعبية التي بدونها ينهار المجتمع ولا تتحقق الحرية السياسية أو العدالة الاجتماعية أو التحرر من الهيمنة الخارجية.
اعتماد سياسة عدم الانحياز لأي من القوى الكبرى ورفض الارتباط بأحلاف عسكرية أو سياسية تقيّد الوطن ولا تحميه، تنزع إرادته الوطنية المستقلة ولا تحقق أمنه الوطني.
مفهوم الانتماء المتعدد للوطن ضمن الهوية الواحدة له. فمصر تنتمي إلى دوائر افريقية وإسلامية ومتوسطية، لكن مصر مثلها مثل أي بلد عربي آخر ذات هوية عربية وتشترك في الانتماء مع سائر البلاد العربية الأخرى إلى أمة عربية ذات ثقافة واحدة ومضمون حضاري مشترك.
إن الطريق إلى التكامل العربي أو الاتحاد بين البلدان العربية لا يتحقق من خلال الفرض أو القوة بل (كما قال ناصر) <<إن الإجماع العربي في كل بلد عربي على الوحدة هو الطريق إلى الوحدة>>... وقال ناصر أيضا في <<الميثاق الوطني>>.
<<طريق الوحدة هو الدعوة الجماهيرية... ثم العمل السياسي من اجل تقريب يوم هذه الوحدة، ثم الإجماع على قبولها تتويجاً للدعوة وللعمل معاً>>.
أما على صعيد مواجهة التحدي الصهيوني، فقد وضعت قيادة <<ثورة يوليو>> منهاجاً واضحاً لهذه المواجهة، خاصة بعد حرب عام 67، يقوم على:
1 - بناء جبهة داخلية متينة لا تستنزفها صراعات طائفية أو عرقية ولا تلهيها معارك فئوية ثانوية عن المعركة الرئيسة ضد العدو الصهيوني، ومن خلال إعداد للوطن عسكريا واقتصاديا بشكل يتناسب ومستلزمات الصراع المفتوح مع العدو.
2  -وضع أهداف سياسية مرحلية لا تقبل التنازلات أو التفريط بحقوق الوطن والأمة معاً، ورفض الحلول المنفردة أو غير العادلة أو غير الشاملة لكل الجبهات العربية مع إسرائيل.
3 -العمل وفق /ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة/ وان العمل في الساحات الدبلوماسية الدولية لا يجب أن يعيق الاستعدادات الكاملة لحرب عسكرية تحرر الأرض وتعيد الحق المغتصب.
4 -وقف الصراعات العربية/ العربية، وبناء تضامن عربي فعّال يضع الخطوط الحمراء لمنع انزلاق أي طرف عربي في تسوية ناقصة ومنفردة . / كما حدث مع السادات فيما بعد /
هذه باختصار مجموعة خلاصات فكرية وسياسية نجدها في ثورة 23 تموز، خاصة في حقبة نضوجها بعد حرب عام 1967.
لكن أين هي مصر الآن وأين هي المنطقة العربية من هذه الخلاصات الفكرية والمواقف الإستراتيجية؟
هنا يعود الأمر بنا إلى ما قاله جمال عبد الناصر عن كيف أن الثورة بدأت دون /تنظيم سياسي ثوري/ ودون /نظرية سياسية ثورية/، وهنا أجد تفسيرا أيضا لما وصلت إليه مصر والأمة العربية بعد وفاة جمال عبد الناصر، حيث فقدت الجماهير العربية اتصالها مع القائد بوفاته، ولم تكن هناك بعده أداة سياسية سليمة تحفظ للجماهير دورها السليم في العمل والرقابة والتغيير. أيضا، مع غياب ناصر، وغياب الأداة السياسية السليمة، أصبح سهلا الانحراف عن المبادئ، والتنازل عن المنطلقات، والتراجع عن الأهداف.
/ثورة 23 تموز/ كانت من حيث الموقع الجغرافي في بلد يتوسط الأمة العربية ويربط مغربها بمشرقها، وكانت من حيث الموقع القاري صلة وصل بين دول العالم الثالث في أفريقيا وآسيا، وكانت من حيث الموقع الزمني في منتصف القرن العشرين الذي شهد متغيرات واكتشافات كثيرة في العالم حروباً وأسلحة لم تعرف البشرية مثلها من قبل، كما شهد القرن العشرين صعود وأفول ثورات كبرى وعقائد وتكتلات ومعسكرات... وشهد أيضا اغتصاب أوطان واصطناع دويلات... كذلك فإن ثورة 23 تموز، من حيث الموقع الفكري والسياسي، كانت حالاً ثالثة تختلف عن الشيوعية والرأسمالية، قطبي العصر الذي تفجّرت فيه الثورة، فقادت <<ثورة 23تموز>> ثورات العالم الثالث من اجل التحرر من كافة أنواع الهيمنة وبناء الاستقلال الوطني ورفض التبعية الدولية. أما اليوم، ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين، فإن مصر تغيّرت، والمنطقة العربية تغيّرت، والعالم بأسره شهد ويشهد متغيّرات جذرية في عموم المجالات... لكن يبقى لمصر دورها الطليعي في إحداث المنطقة العربية إيجابا أو سلبا، وتبقى الأمة العربية (التي هي أمة وسطية في مضمون حضارتها) بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مشروع فكري نهضوي وإصلاحي معا، إلا أن هذا المشروع يتطلب أولا إصلاحا ونهضة في حال الأدوات السياسية العربية، سواء أكانت في الحكم أم في المعارضة أم في الخارج. إن العطب الآن هو في الفكر والأدوات معاً، والأمل في إصلاحهما معاً، فظروف قيام ثورة 23 تموز وقيادتها المخلصة النادرة، أمران لن يتكررا في المدى القريب، وان حصل ذلك، فلن يكون النجاح ممكنا ومستمرا َ من دون <<نظرية سياسية سليمة>>و من دون <<تنظيم سياسي سليم>>!!.

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home