قصة

 

جنون الكاتب

بديعة الطاهري



جنون الكاتب

بديعة الطاهري

 

توقف  للحظات ممسكا بيدي. أحسست حركة غير عادية. وجدت نفسي في موقف حرج. زملائي وزميلاتي ينظرون باستغراب إلى يدي في يده ممسكا بها برفق غير معهود في تحية عابرة  . خيل إلي أنه كان مستغرقا في حلم أو سافرت به الذاكرة لاستحضار وقائع بعيدة غابت عنه منذ مدة.

حاولت أن أنبه إلى ذلك الوضع غير الصحي  ، فمددت إليه بيدي الأخرى مجموعته القصصية ، وطلبت منه أن يوقعها  .ترك يدي تنفلت من بين يديه بصعوبة . وامتدت الأصابع إلى القلم تتحسسه برفق وكأن يدي مازلت بين أنامله. انحنى يكتب ، وفي حركته تلك خيل إلي كأنه انحنى لتقبيل اليد التي أمسكها سابقا بلطف غير معهود. لم يسألني عن اسمي ، وإذا به يخط كلاما استغربت عندما قرأته : اسم غير اسمي وكلام أخطا على ما أعتقد صاحبته : "إلى ميساء الجميلة التي باغتتني ذات يوم وأدهشتني جرأتها كما لم يدهشني أحد من قبل.ّ"

 فتحت  الكتاب  لأداري الارتباك الذي أصابني من جديد.خفت  أ ن يقرأ أحدهم ما بالتقديم وأصبح محط ألف سؤال . كانت أول مرة أعرف فيها الرجل . صدفة وجدت نفسي مع زميلاتي وسط المدرج بعد أن تغيب أحد  أساتذتي  .دفعني الفضول إلى شراء مجموعته القصصية .وعندما رأيت زملائي وزميلاتي يطلبون منه توقيعا، جاريتهم في ذلك .كانت نظراته مازالت تلاحقني و كأنه يعرفني منذ مدة .عيناه تشعان بريقا  يبحث عن موطن لاستقباله .كانت عيناي ،المترددتان مابين صفحات الكتاب واستراق النظر إليه، تحملان من الاستغراب الكثير .خيل إلي في لحظة أن صاحبنا تناسى أنه في حرمة جامعة .لم يعد يبال بمن حوله وظل مشدوها إلي كأنني كائنة من عالم الحلم والخيال .تكالبت ابتسامته مع نظراته لتدفعني إلى حيرة عميقة.دفنت رأسي أخيرا في كتابه أتصفح فهرسه .فإذا بعنوان إحدى قصصه يستوقفني ."ميساء" .بحثت عن الصفحة وأخذت أقرأ ما كتب فيها .

" استغربت اختفاءك المفاجئ .كان حضورك المسائي ينسيني تعب اليوم والطلبات الملحة للزوجة المغفلة. كنت كحورية من الشرق والغرب. تمانعين بدلاك الشرقي وتندفعين بجرأتك الغربية . التقينا ذات يوم صدفة على شاطئ البحر. ذهبت في خلوة بعدما استعصت الكتابة وهجرتني الكلمات.أحسست يومها بعجز قاتل .جربت الكتابة مرات متعددة .فإذا بشيطان القصة يخذلني .زادني توترا احتجاجات زوجتي على خلوتي المستمرة بالمكتب .لم تكن تعترف بما أبدع. كانت دوما تقول لي :إنك أبله .الكلمات لا تغير العالم ، ابحث عن عمل مواز يضاعف دخلنا .من يقرأ لك؟ من يشتري كتبك؟ .مجموعة من المجانين من أصدقائك ،  تتبادلون الكتب وتتراشقون كلمات الإعجاب عندما تكونون مجتمعين،  ولما يتخلف كل واحد إلى بيته يتهكم من الآخر ويسخر منه ، ويستنكر أن يكون ما يكتبه الآخرون  أدبا "

قررت الانفلات من سهام كلمات زوجتي .ركبت السيارة وقدت على غير هدى إلى أن وصلت الشاطئ .كان الوقت مساء والشاطئ شبه خال إلا من بعض العشاق الذين ظلوا في خلوة بعيدة عن رقابة صارمة أو فضول محتمل . اقتربت من البحر،  ورغم برودة الماء اقتلعت حذائي وانتعلت الرمل .كنت أحس في نفسي رغبة في التحدي ..... . قلت : هذا البحر الممتد أمامي أغسل فيه عجزي وضعفي. منيت نفسي باستلقاء فوق مياهه الزرقاء لمعانقة أمواجه العاتية .لكن برودة الجو كانت تثنيني. فجأة رأيتك ...خيل .إلي أنك تخرجين من الأمواج... بل كنت أنت تلك الموجة التي تراءت لي من بعيد عالية مزمجرة ، فإذا بها عندما تصل رجلي تغازلهما بلمساتها .وقفت فجأة أمامي. لم تكلفي نفسك عناء إلقاء التحية أو البحث عن كلمة تمد جسور التعارف بيننا. وقفت.. شعرك جميل مسترسل كأنه خيوط الشمس الممتدة في الشفق. لون عينيك   بلون النخيل.... قامتك جميلة  كأنما قبل أن تصلي إلي مرت عليها يد نحات ماهر. صوتك سمفونية أخرجتني من حشرجة الألم الذي كان يعصر قلبي .اقتربت مني وحدثتني عن جمال البحر، وروعة الطبيعة... ومددت يديك نحو عنقي، طوقتني بكل حنان .لم أعتذر.. لم أرفض.. كنت يومها بحاجة إلى من يدثرني. وانغمسنا معا في حميمية لم يكتب عنها الشعراء بعد.  نسيت العالم من حولي. نسيت زوجتي ومبادئي .أنا الذي كتبت عن المرأة وحقوقها. آمنت آنذاك بشيء واحد هو السعادة التي شملتني على غير موعد .عندما استفقنا سألتك من تكونين .

-قلت : هل سألتك من تكون؟  لنكتف بهذه السعادة الرائعة التي تجمعنا .

خفت أن تكوني عاهرة توقعني في براثين النزوة المستمرة .لم أخن زوجتي من قبل .عاهدتها على الوفاء ولم أخلف بعهدي إلى إن جئت .

كأنك قرأت ما خطر ببالي ،فاقتحمت صمتي قائلة:

 -لا تخف لست عاهرة .  وإذا خفت مني سأودعك وأذهب إلى حال سبيلي.

 كنت طفلا صغيرا بحاجة إلى من يمرر بيده على وجهه الصغير... يسمعه كلمات حب وحنان تجفف ما بالعين من بقايا دموع. كنت أنا وكان العجز يقتلني. وجئت وكنا معا كأننا وجدنا والتقينا قبل الآن بكثير. أي امرأة أنت ؟ كلامك كان نسيما عليلا .حضورك أغرقني في سعادة أبدية .

كنت وحيدة .التفت يمينا وشمالا عساني أجد لك من رفيق ، ولم أجد أحدا سوى ابتسامتك الجميلة وأناملك التي تداعب أصابعي كأنما تواسيهم،  تعدهم بعطاء مقبل. سألتك من تكونين ؟هل تعرفينني ؟.هل تقابلنا من قبل ؟.قلت في نفسي ربما هي علاقة قديمة لم أعدد أتذكرها. وضعت يدك على فمي المرتعش من الدهشة والإعجاب، وفهمت أن علي الصمت .قمت ، نفضت ما بك من الرمال العالقة التي دثرتنا من قبل .وطبعت قبلة على خدي واعدة إياي بلقاء في الغد في الموعد والمكان نفسيهما .اقترحت عليك أن أوصلك بسيارتي فامتنعت .فجأة اختفيت .عدت إلى البيت شاردا .وجدت زوجتي في الانتظار .أول مرة أتمنى لو لم أكن متزوجا. حتما ستنغص علي نشوتي وسعادتي بتهكماتها المعتادة .ادعيت النوم وارتميت فوق السرير .أطفأت الضوء وتمنيت مجيء الغد بسرعة .تخيلتك إلى جانبي ...وديعة جميلة .

.... .هل تمنيت يومها أن تكوني زوجتي .لا أعتقد .لم أحلم يوما بزوجتي. كانت دوما معي. في معظم الأحيان تخلد إلى النوم قبلي بعد أن تشاهد مسلسلها المفضل .وكنت أخلد إلى النوم بعد أن أنتهي من الكتابة .أرتمي إلى جانبها دون إحساس سوى بالرغبة في نوم يهبني راحة تمكنني من الإبداع .

استفقت في الصباح على بسمتك الرائعة .قلت لما لا أذهب إلى البحر  للبحث عنك ،  ربما تكونين هناك في انتظاري .عدلت عن الفكرة وقضيت النهار أكتب بعض العبارات وأعدلها. نظمت من خلالها أفكاري في محاولة معرفة من تكونين.

 جاء المساء وتوجهت إلى مكان موعدنا فوجدتك في الانتظار. عشنا أوقاتا جميلة تواعدنا على لقاءات متكررة ، وكنت كل يوم أكتشفك .وأحبك أكثر. لم تسأليني شيئا .لم تطلبي مقابلا .كنت أنت وكان الحب ما يجمعنا وما جمعنا على ما أعتقد .زرتك  ذات يوم كعادتنا.لم تكوني كما قبل. وجهك عابس وابتسامتك الجميلة  انتكست... اندفاعك الطفولي نحوي قل حماسه .سألتك ما بك،  فإذا بك تنخرطين في بكاء شجي .أحسست بحزنك... اقتربت منك... ضممتك إلى صدري .واسيت نفسي برائحة شعرك الجميل. واستشعرت حرراة سرت في جسدي .قلت في نفسي: .كم من مرة ضممت زوجتي ولم أحس بما أحس به الآن .صدق من قال : إن الأشياء تحلو في الحرام .استبعدت فكرة الحلال والحرام لأنني لم أشأ أن أقع فريسة صحوة ضمير .زوجتي لا تعرف شيئا،  ولن تشك في. وهذه الحورية الجميلة لو تركتها على شاطئ البحر لماتت اختناقا .وقررت أن أبقى معك .

 سألتك : ما بك ؟خبريني ؟إنني جد قلق عليك.

 أجبت  : سيعود زوجي الليلة .

أصبت بصدمة كبيرة .لم أكن أرغب أن  تكوني متزوجة .كنت أريدك لي وحدي. نلتقي كل يوم.. نعيش لحظات جميلة .ازداد خوفي. تخيلت زوجتي في غيابي بين أحضان رجل آخر تشتكي نفوري وأنانيتي .رأيته يمسح دمعها ويواسيها. تقترب منه ويعدها أن يجعلها تنسى الجفاء والجحود الذي تعيشه معي. .استبعدت الفكرة .زوجتي رغم "مشاحناتها" امرأة طيبة لا يمكن أن تخونني .نساؤنا طيعات .لم يفعل العلم بهن ما فعل بالغربيات .مازلن يخفن الفضيحة ويتحاشين كلام الناس .حتى عندما يكون الرجل مذنبا .أتذكر عمتي عندما وصلها خبر الحادثة التي وقعت لزوجها وهو بصحبة عشيقته :

        "عمتي تصغرني بأربع سنوات. تزوجت رجلا يحفظ كتاب الله ، وكثيرا ما رأيته في حفلات العقيقة أو غيرها يرتل القرآن ترتيلا .لم يتغيب ليلة عن بيته ولكننا علمنا من بعد أنه كان كل يوم يخرج قبل موعد انتهاء عمله بساعتين أوأكثر. يتوجه إلى الغابة أو البحر بصحبة خليلة ما .كان يختارهن من المتزوجات درءا للفضيحة. لكنه لم يحتسب وقوع الحادثة .عمتي لم تعقب على الأمر رغم نصائحي وخطبي. كل ما كان يهمها يومها هو أن يقوم زوجها بالسلامة .

انتبهت إلى أنني نسيت تلك الحورية الغارقة في نحيب شجي .

سألتها : وأين كان زوجك .؟

-أجابت :في فترة نقاهة .ضبطته يخونني مع صديقة لي وطردته من البيت.

استغربت : -كيف ترفضين خيانته....

 لم تترك لي فرصة إتمام ما كنت أنوي قوله ،  فقاطعتني قائلة :

- أول تجربة لي كانت معك .أردت أن أعرف ماذا يبحث الرجل خارج بيته .عشت حياتي كلها مخلصة له  أرعاه وأرعى الأبناء .عاش مطمئنا .أنتم الرجال زوجاتكم  حرث لكم .أشياؤكم التي تتعثرون فيها .لوحكم المحفوظ. تخطئون تعبثون تغتالون و تدركون أنهن مهما حاولن الانتقام فلن يكون خارج دائرة الشرف. تؤلمون ، تجرحون ، تعذبون،  وتمضون دون اعتذار.خبرني ماذا ينقص زوجي معي، أداعب أهدهد  أتغاضى أضحي . يدعي كل يوم  أنه كان  في ليلة أنس مع أصدقائه. يقسم أنه لم ينتبه إلا والليل ينتصف .يؤنبني دوما على خوفي عليه ولومي له على سهره خارج البيت .لا يترك لي فرصة الحزن. يسرقها مني كما تسرق لحظات الفرح من الأطفال الصغار. يقتحم حزني وخلوتي بكلامه العذب المعسول ، وسرعان ما أنسى ، أسامح ...إلى أن ضبطته مع صديقتي ..طردته من البيت. ومكثت أياما وحيدة أبكي.  ويومها ، خرجت أتمشى . كنت في حاجة إلى من يحبني إلى من يجعلني أحس بالأمان .تراءيت لي. أحسست بجاذبية غريبة اتجاهك .اقتربت منك. نظرت إليك طويلا فإذا بك في خلوة صوفية، لم تحس بوجودي. وقفت أنظر إليك .ابتسمت لي ، فاقتربت وإذا بك تقترب ، تعانقني. أحسست بين يديك بارتعاشة جميلة . استشعرت وحدتك. خلت للحظات أن لك نفس مشكلتي .قلت في نفسي  "المصاب طيب"....

. ..جلسنا معا ننظر إلى الغروب ، يدها في يدي ورأسها مرتم على أكتافي كطفلة صغيرة .أحسست  بعجز كبير .ما العمل؟  .انتفضت واقفة .وكأنها أحست بي واستأذنت .طلبت منها البقاء قليلا ريثما نتدبر أمرنا .كنت أعرف أن الأمر جد معقد .لا يمكنني أن أدفعها إلى طلب الطلاق من زوجها .كنت أخاف أن يفتضح أمري مع زوجتي ومعارفي .كان بودي أن أطلب منها التصالح مع زوجها وأن نحتفظ بلقاءاتنا اليومية .أدركت حيرتي واستأذنتي وانصرفت .

استفقت من غفوتي . وجدت الظلام قد غطى المنطقة . بحثت عن آثار بيت قريب  تكون قد توجهت إليه ولم أنجح .لملمت خيبتي وقفلت راجعا  إلى بيتي في استعداد  لاستقبال سهام مقبلة ".

 انتهيت من قراءة القصة .وقلت في نفسي ربما لا تكون قصة .هي أحداث واقعية .من يدري من يحاسب المبدع على مصدر مادته .بل من يحاسبه على ما يكتب. يبدع ويسمي إبداعه ويصنفه  كما يحلو له ، ويطرحه في السوق، أحيانا عنوة غير مكترث إن كانت به قيمة علمية.  يكفي أن له اسما يضمن له تداول ما كتب .أو إمكانيات مالية تخول له تحمل نفقات النشر .ثم أنني لم أحس بأي جمالية في قصته .ما معنى الكتابة؟.أشعر بالغثيان  عندما تنتهك حرمة المرأة كل النساء يتعرين  يستبحن ......

عندما انتهيت من قراءة القصة وجدت المدرج فارغا .خرجت أبحث عن زميلاتي،  فإذا بكاتبنا في ركن من فضاء الجامعة .عندما رآني توجه نحوي .

وسألني : أين اختفيت ؟لقد بحثت عنك كثيرا ولم أجدك .لقد عشت حالة نفسية صعبة كانت مصدر شجار متكرر مع زوجتي .نظرت إليه وقلت  : كنت داخل الحكاية.  ثم انصرفت .

 

                   انتهت

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home