القلم السياسي

 

الجبهة الشعبية بين العقدة الموضوعية والطموح الذاتي

زياد ابوشاويش



الجبهة الشعبية بين العقدة الموضوعية والطموح الذاتي

بقلم : زياد أبوشاويش

لاشك أن المرء يتنسم في موقف الجبهة الشعبية برفض المشاركة في حكومة اتفاق مكة ، تاريخاً مجيداً حلم الكثيرون في عودته ، وداعبت طموحاته وجدان وأحلام قطاعاً واسعاً من الشعب الفلسطيني . وقد فوجىء البعض بالموقف الحاد للجبهة من المشاركة في الحكومة ،بل واعتبروه موقفاً مغامراً ،أو نرجسياً بالحد الأدنى باعتبار أن كل المؤشرات والظروف لا تسمح لا للشعبية ولا لغيرها ببذخ الرفض وتداعياته الخطيرة .

من هنا كان لابد من إعادة الروح لكل ما مثلته الجبهة ذات يوم وتحديداً في الحفاظ على هوية التناقض ومحدداته مع العدو باعتباره تناقضاَ جوهرياً لا يحل سوى بزوال أحد طرفيه سياسياً على الأقل . وأسجل هنا أن كل من استغرب موقف الجبهة لا يعرفها حقيقة ، أو أن ملامح الجبهة غابت منذ زمن الى الحد الذي ما عاد الناس يستطيعون رؤية تلك الملامح بصورة صحيحة ، أو دقيقة .

كما أسجل وأنا مطمئن لدقة ما أقول بأن هذا الموقف وبالرغم من اقترابه لحد المغامرة أو المقامرة ، هو أكثر موقف حظي بتأييد قيادة الجبهة الشعبية وكادرها منذ ما يقرب الثلاثين عاماً ، وبصورة أوضح منذ اعتمدت الجبهة برنامجها المرحلي الذي يقترب كثيراً من برنامج القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية عام 1978 ، وربما يقول البعض بان هناك قرارات للمكتب السياسي واللجنة المركزية حظيت بأغلبية تقترب من هذه ، لكن تلك الأغلبية كانت تجاه قضايا سياسية أو تنظيمية غير مفصلية .

إن المتتبع لمواقف الجبهة ومنحنياتها منذ السنة الثانية  للانتفاضة الأولى سيجد في الموقف الراهن انكساراً حاداً باتجاه الأعلى ، وسيجد طرحاً نوعياً يحتاج لتعليل ، كما يحتاج لرؤية ثاقبة تحيط بكل الظروف والمستجدات التي تضيء على هذا الموقف ، ومقاربة الذاتي والموضوعي في الأمر ، والوصول لاستنتاجات تخدم هذا الموقف أو تدعو لتجاوزه باتجاه موقف آخر أكثر دقة وواقعية إن لزم الأمر .

وقبل أن تتوه من بين أصابعي تلك الحلقة المركزية التي تمثل الناظم لكل الشرح والتحليل اللاحق لابد من تأكيد رؤيتي وتقييمي لهذا الموقف المغامر باعتباره الموقف الأكثر صوابية للجبهة الشعبية منذ أمد طويل ، والمحاط بأكثر الظروف الموضوعية صعوبة وتعقيداً .

لعله من المفيد لفت الانتباه إلي أمر غاية في الأهمية يسهل علينا قراءة الموقف الجديد وعمق انتمائه للجبهة وتاريخها ورموزها بغض النظر عن السقف السياسي لحكومة الثنائية الخاطئة .

هذا الأمر المتعلق بالوثيقة الأدبية الرئيسية للجبهة الشعبية بعنوان الاستراتيجية السياسية والتنظيمية  ، والتي أزعم أنها الوثيقة الأكثر نضجاً في تاريخ ثورتنا المعاصر ، تلك الوثيقة التي تحدد بشكل صحيح خارطة المعركة بكل تفاصيلها ، سواء على صعيد الجغرافيا أو الأدوات والوسائل أو معسكر الأعداء والأصدقاء ، وانتهاءً بالعلاقة مع الجماهير  وكيف نتعامل معها .

هذا الفهم العميق للمعركة باعتبارها جزءً من الحرب الأشمل التي تخوضها الأمة العربية من أجل حريتها ووحدتها ، وكيفية الربط بين التكتيكي والاستراتيجي ..... الى آخر مقولات الجبهة الصحيحة والناضجة . هذه الرؤية التي وضعت الجبهة الشعبية في طليعة حركة التحرر الفلسطينية والعربية ، لم تستمر كما كانت البوصلة الموجهة للجبهة ، وهنا لابد من الإقرار بأن الجبهة واجهت إرباكاً فكرياً سياسياً ، انعكس على مجمل مواقفها ، وبدت كما لو غاب عنها اليقين بين مطرقة الواقع الصعب وسندان الظرف الذاتي الأصعب ، وقد تجلى ذلك في العديد من المواقف المعلنة بحدة وبمستندات فكرية ومبدأية صحيحة سرعان ما تضمحل وتتلاشى لصالح موقف نقيض يستند لمقولات عفا عليها الزمن ولم تعد تحظى بالمصداقية الكافية لحشد الناس حولها ، هذه المقولات المتعلقة بوجود عدو لا نستطيع مواجهته بغير الوحدة الوطنية ، وبالظروف التي  تغيرت فكان لزاماً تغيير الموقف. والحال أن الجبهة وصلت الى أضعف حالاتها على كل الصعد وضربت مصداقيتها . وحتى لا يكون كلامنا في الإطار النظري سأضرب مثالاً واحداً رغم وجود العشرات ، لكن نكتفي بهذه : كم مرة اتهمت الجبهة الشعبية قيادة اليمين وتحديداً حركة فتح بالخيانة، ثم عادت لتلتقي مع ذات من اتهمتهم بالخيانة؟ ، وكم مرة امتنعت عن المشاركة في إطار ما، ثم عادت للانخراط فيه ؟ حتى أن الأمين العام للجبهة ومؤسسها الدكتور جورج حبش قال ذات يوم بكل أريحية وصدق مع النفس : " الجبهة الشعبية تضع رجلاً في البور وأخرى في الفلاحة " .

وربما يتساءل أحد القراء حول أهمية ما عرضناه من تاريخ الجبهة المشوب بالتردد في قطع مؤلم مع بنيتها الفكرية السياسية ، والتي مثلت على الدوام الركيزة الأساسية لجذب الأعضاء والمناصرين للجبهة ، وبنظرة واقعية ثورية ميزتها ، وانعكست إيجاباً على بنيتها التنظيمية وتماسكها الداخلي ، الأمر الذي لم يكن بذات السوية فيما ذكرنا حول غياب الناظم وبهتانه .

إن أهمية ما سقناه آنفاً يرتبط بالموقف الجديد، وما إذا كان ينسجم مع رؤية الجبهة للآخر وللذات ،وهل مثل هذا الموقف يمكن البناء عليه لمستقبل واعد يخدم أهداف الشعب الفلسطيني ويدفع باتجاه تصويب كل الموقف الفلسطيني، من أجل بناء جبهة وطنية عريضة تؤطر كل القوى تحت برنامج سياسي كفاحي يغير المعادلة ويعزز دور الجبهة في ذات الوقت ؟ .

وللذين تساءلوا عن مبررات موقف الجبهة برفض المشاركة في الحكومة بوزير ولبعض من ظنوا أن الأمر يتعلق بحجم الامتيازات وغير ذلك من النظرة الخاطئة والفهم الخاطىء للموقف نقول ومن خلال تتبع دقيق ومعرفة يقينية بالجبهة أن هذا الموقف ما كان ليتغير لو عرض على الجبهة عشرة وزارات وليس وزيراً واحداً ، وليس الأمر في هذا ثقة أو عدمها في صحة الموقف أو عبقريته فقد وصفناه بالمغامر ، ولكن لأن اتفاق مكة في حد ذاته، وبالطريقة التي جرى فيها الحوار، والمظلة التي وقع تحتها، والبرنامج الملتبس الناجم عنه ، كما استبعاد الجبهة بشكل غير مقبول عن هذه الحوارات ، لم يترك خياراً أمام الجبهة سوى الرفض ، ولابد أنه كان في وجدان كل من اتخذ هذا الموقف تاريخ الجبهة وآمال كادرها ومناصريها في عودة ذلك العبق الطيب لتاريخ مثل مفخرة للنضال الوطني الفلسطيني والكرامة الوطنية ، ونعم لم يكن من وجهة نظري السقف السياسي الهابط للحكومة هو السبب الوحيد فقط ، بل معه أمر آخر ، لكنه ليس عدد الوزارات أو الامتيازات قطعاً ويقيناً .

والآن يحضر السؤال الأهم والمقصود من وراء كل العرض والتحليل ، والقائل : أين يكمن صدق الموقف وصحته ؟ وهل الظروف المحيطة ووضع الجبهة الداخلي يسمح باتخاذ موقف راديكالي من الحكومة المسماة بحكومة وحدة وطنية ؟.

إن الإجابة السطحية وربما الواقعية تقول : لا بالبنط العريض . إذن كيف كانت الحلقة المركزية لكل الطرح تقول بصدقية الموقف وصحته ؟ .

في الظروف الموضوعية نجد أغلبية ساحقة من القوى الوطنية الفلسطينية مع المشاركة ولا تتقبل موقفاً مزايداً عليها ، كما يوجد ظرف عربي إقليمي مؤيد لهذه الحكومة وساعياً لتسويقها للأمريكان والغرب عموماً ، يتساوى في ذلك معسكر الاعتدال ومعسكر الممانعة .

وعلى الصعيد الدولي لا يوجد معسكر اشتراكي أو اتحاد سوفييتي متفهم وقادر على معادلة النفوذ الإمبراطوري المساند للعدو ، والضاغط باتجاه سقف أكثر انخفاضاً مما تم إقراره للحكومة الجديدة فما بالكم بسقف أعلى تطالب به الجبهة الشعبية  .  وفي الظرف الموضوعي أيضاً وجود الاحتلال وخياراته الدموية والتصفوية تجاه شعبنا ومقاومته وحصاره الخانق في كل اتجاه وعلى كل صعيد ، وهو يعمل بشكل يومي على إضعاف قدرة المقاومة على الصمود والاستمرار ، مما يعزز الصورة الواقعية لبرنامج الحكومة باعتباره تعاملاً ذكياً مع سمات مرحلة صعبة تتطلب قليلاً من التنازل والمرونة وهو ما تم تسويقه وتشريعه من خلال برنامج الحكومة بمحدداته المعروفة . ومن هنا ولكل ما تقدم فان الظرف الموضوعي بتجلياته المادية ووقائعه على الأرض كما بتجلياته النظرية والتسويقية لا يؤشر لخدمة أو تسويغ موقف الجبهة الجديد ، بل يصب في خانة تخطئته وتعزيز وصفه بالمغامر بمعناه السلبي ، ذلك أن المغامرة تكون صحيحة وضرورية في ظرف ما وتجاه هدف ما .

وفي العامل الذاتي المتمثل في تكوين الجبهة وتماسكها وقدرتها على تبرير موقفها بالعمل على الأرض ، كما بتبريره النظري السياسي في أوساط الشعب، والقدرة على إقناع أكبر عدد من الناس بصوابية هذا الموقف، وليس فقط بتقديمه من الزاوية الوطنية الأخلاقية التي تصدق كغطاء لكل موقف رافض للسلام مع العدو، والمنادي بإغلاق طريق الصلح أو التهدئة معه في كل زمان ومكان . قلنا في هذا العامل المهم والقادر من وجهة نظرنا على صنع رافعة وطنية حقيقية لموقف الجبهة ، هل وضع الجبهة الراهن يشكل هذه الرافعة ؟ .

قبل الإجابة عن كل المعطيات السابقة في الذاتي والموضوعي لابد أن نؤكد على الحقائق التالية : من خلال تجربة الثورة الفلسطينية الممتدة لعشرات السنين أثبتت إسرائيل أنها لا تقدم أي تنازلات جدية الا عندما تتألم ، أي عندما يشعر المجتمع الصهيوني الوافد على أرضنا أن استمرار القتال، والمعركة بكل أبعادها تدميه، وتوقع به الخسائر، وما عدا ذلك أوهام سلام لا تقدم ولا تؤخر ، وهذا لا يغيب صورة القوى الهامشية في الكيان الصهيوني والساعية أيضاً لمصلحة الكيان ولكن من خلال منهج آخر وفهم مختلف ناتج عن إدراك باستحالة إنهاء المشكلة معنا بالقوة أو بتجاهل حقوقنا والاستخفاف بها .

والحقيقة الثانية تقول أن كل مرونة وتنازل من جانبنا كان يسفر عادة عن مزيد من الضغط من جانب هذا العدو لمزيد من التنازلات وأن أكثر السلوكيات همجية وعدوان على شعبنا سواء بشكل مسلح أو ببناء المستوطنات وتهويد القدس وتطويقنا بالجدار جاءت في فترة وأثناء المواقف الأكثر مرونة والتي اتخذتها قيادتنا ومؤسساتنا الشرعية ، وأن منهج شايلوك اليهودي المعروف ما برح يسم الموقف الإسرائيلي ويشكل مرشده الروحي في التعامل مع حقنا في وطننا ، وحيث لم يكف هذا العدو المتغطرس قبولنا بنسبة 22% فقط من أرضنا وحقوقنا .

وهو ما برح يطلب المزيد من التنازلات والمزيد من الأرض والمياه وكل ما يمت لعوامل تشكيل أو قيام دولة قابلة للحياة لشعبنا في حدود 1967. ناهيك عن القدس وحق العودة .

ومن هاتين الحقيقتين ننطلق ، بل نعود لتفحص موقف الجبهة وصوابيته التي لا شك فيها برغم كل منغصات الموضوعي وآلام الذاتي وأحلامه  الضائعة .

بعد تثبيت اليقين بصوابية الموقف ، بل وضرورته الوطنية عموماً وللجبهة الشعبية خصوصاً دعونا نعيد تفحص الموضوعي والذاتي مرة أخرى ولكن من زاوية الرؤية المتطابقة مع موقف ثوري نزيه يتلمس الحق بين كل صعاب التضاريس الوعرة ومطبات الطريق ونتوءاته الحادة والمؤلمة ، بواقعية تعتمد المنهج السليم والعلمي الذي اختطته الجبهة وأنتج الوثيقة الأكثر نضجاً في تاريخ ثورتنا المعاصر كما أسلفنا .

إن أهم مقومات الموقف السياسي الناجح هو إيمان أصحابه بصوابيته من جهة وبضرورته الأخلاقية من الجهة الأخرى . إن هذا الأمر يدخل في إطار العامل الذاتي لتبرير الموقف وتسويقه ، وهنا رأينا اللغة واللهجة التي شكلت الإعلان الواضح وغير المتردد ولا الخجول الذي صدر عن الجبهة ، وكان بحق موقفاً شجاعاً من الزاوية السياسية والأدبية .

وفي ذات العامل فقد أتى الموقف الجديد للجبهة لوصل من انقطع من تاريخ سياسي للجبهة وسمها بطابع افتقدته جماهيرنا فيها لفترة طويلة من الزمن ، كما ليمثل حلقة الوصل بين جيل من الكادر والأعضاء يعرف عن تاريخ الجبهة ولم يعايشه ، ولكنه يتمنى عودته ، وبين جيل عاش القسم الأكبر من هذا التاريخ لكنه شاخ ولم يعد قادراً على إعادة عقارب الزمن الى الوراء ، وكان لزاماً إعادة خلط مكونات الجبهة لتنتج حاملاً أكثر تماسكاً وقدرة على تمثل برامج وقيم تبنتها الجبهة الشعبية ومواقف نوعية تحتاج لبنية وعقلية نوعية ومبدعة .

إن العامل الذاتي الضعيف استدعى موضوعياً موقفاً جديداً وخلاقاً لرأب الصدع في صفوف الجبهة وعودة روح الفريق الواحد في الداخل والخارج ، كما إلقاء نظرة مدققة على المواقف وطرائق العمل وغير ذلك من معالم الطريق سابقاً ، للاستفادة لاحقاً في إعادة الروح للجبهة .

وفي أهمية العامل الذاتي المسوغ لموقف الجبهة وتبريره وطنياً يأتي أيضاً العامل الذاتي بمعناه الوطني العام وضرورة وجود معارضة مميزة كالجبهة اكتسبت مصداقية تاريخية عبر ما قدمته من نموذج مشرف للموقف الفلسطيني الرافض لواقع الهزيمة مقروناً بممارسة ثورية صادقة .

الأمر الذي ربما شكل تلك الرافعة التي ذكرناها لوضع كل الموقف الوطني على سكته الصحيحة.

وفي العامل الذاتي أيضاً وجود نسبة لا بأس بها من جماهير الشعب الفلسطيني ترفض أي تنازل أو مرونة تجاه عدو لا يترك أمامها سوى خيار الرفض والمقاومة . مع عدم إهمال تلك الفصائل الفلسطينية الممثلة في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، رغم ضعفها وقلة أنصارها ، وعدم تمكنها من الحصول على مقاعد في التشريعي ، ناهيك عمن رفض الانتخابات أصلاً باعتبارها تسويقاً وقبولاً لأوسلو وأحد افرازاته السياسية والمفروضة علينا أمريكياً شئنا أم أبينا . ولعل هذا تحديداً يدفع الجبهة الشعبية لإعادة النظر في موقفها الخاطىء تجاه دخول الانتخابات وضياع اليقين كما أسلفنا .

إذن نحن لا نتحدث عن العامل الذاتي هنا باعتبار ما هو واقع فقط بل باعتبار ما هو متوقع أيضاً على ضوء الموقف الجديد واليات عمله المحركة للراكد من المياه وكنس الآسن منها .

الأمر الذي يوجب على الجبهة الشعبية كثير من الترتيبات والعمل الجاد الذي لن ندخل بتفاصيله. وفي المقلب الآخر من رؤية الموضوعي بما يتطابق مع الموقف الصحيح ويبرره ، إنهاك العدو الأمريكي في العراق، واقتراب موعد الرحيل لقواته عن أرض العراق ، وهي الهزيمة التي ستكون أم الهزائم ، والتي ستغير معادلة الموضوعي باتجاه خدمة موقف الجبهة الشعبية على المدى البعيد باعتباره مقدمة ورافعة لموقف فلسطيني أكثر صوابية ولحكومة ومنظمة تحرير تمثل بحق وحدة شعبنا الوطنية في الداخل والخارج  والتفافه حول مؤسساته وممثليه بما يغير ميزان القوى ويفرض معادلة حل أخرى ، الأمر الذي لا يجب النظر إليه باعتباره قاب قوسين من التحقق والركون لذلك ، بل الاستفادة القصوى لتقريب ساعة النصر في بلدنا . وفي العامل الموضوعي أيضاً اتضاح حجم المأزق الصهيوني ،ليس بنتائج حرب تموز على لبنان وهزيمته فيها وحسب ، بل بحجم مأزقه الناجم عن اندفاعه الغير موزون باتجاه تظهير مواقفه العدمية والعدائية تجاه شعبنا بالدرجة الأولى وكل البلدان العربية والمحيطة به ثانياً.

وعلى الصعيد الدولي لعلنا لاحظنا تقدم قوى اليسار المناهضة لليبرالية الجديدة وطغمتها العسكرية في أمريكا اللاتينية ، وربما لا يكون لهذا تأثير مباشر على منطقتنا العربية والشرق الأوسط عموماً ، لكن تداعياته المستقبلية ووجوده كجرح دامي في الخاصرة الأمريكية قد يساعد في الهزيمة المتوقعة للأمريكيين بالعراق ، الأمر الذي يساعد في المواجهة مع إسرائيل.

وفي الواقع العربي، ورغم كل الانتكاسات التي حدثت والشروخ بل والانهيارات في الجدران العربية والتضامن الهش بين أقطاره فان بقية من مقاومة ما زالت تجد لها مكانة بين ظهرانينا في أكثر من بلد عربي وبأشكال مختلفة ، وممانعة تعزز الرفض لكل مرونة غير ضرورية كما نجدها في برنامج الحكومة الفلسطينية الجديدة بهذا الشكل أو ذاك ، والتي لا ترتبط بشكل اتوماتيكي بالموقف من حماس أو من فتح ، وهو ما يجد تجلياته في قوى غير حكومية وأحزاب قومية ووطنية ودينية خارج السلطة تتبنى ذات الموقف وذات الرؤية .

إنني أعتقد أن موقف الجبهة الشعبية ليس موقفاً للمزايدة أو المساومة ، ولا حتى لتمييز الذات أو ما شابه ، كما أنه ليس موقفاً عدمياً على طريقة قل كلمتك وامضي  . بل موقفاً مبدأياً يؤسس لمرحلة جديدة ، ليس عنوانها فقط عدم المشاركة في حكومة وطنية بسقف هابط ، وإنما لمنهج جديد يصل الماضي بالحاضر ويجاهد لإعادة الروح للجبهة ولدورها الكبير الذي اقترب من الاضمحلال ، وهو بهذا يرفع راية التحدي أمام كل ما مثلته الجبهة وما تطمح في تمثيله ، وعندما تجد الجبهة الشعبية نفسها وحيدة في خضم الجدل الدائر على الساحة الفلسطينية ، ربما يجعلها ذلك بل من المؤكد أنه سيجعلها تخرج أفضل ما لديها لحشد قواها وتعزيز دورها وحمل راية يصعب حملها في هذه الظروف ،أو العودة الى مربع الإرباك وعدم اليقين بالتراجع لاحقاً عن هذا الموقف وتقديم اعتذار علني .

إن أمام الجبهة الشعبية الوقت الكافي لمراجعة كل تاريخها ومواقفها وتظهير أفضل ما لديها ، وهذا واجبها وما دمنا وصلنا الى هنا فان أفضل ما نقوله لقيادتها : لا يوجد شيء مستحيل   ولا توجد قوة على الأرض تنزع إرادة مناضل مقتنع بصحة موقفه ، ولكل ذلك لم يبق أمامكم سوى التقدم للأمام ،وحاذروا التردد والخوف لأنكم هذه المرة على حق وعلى صواب .

زياد أبوشاويش

Zead51@hotmail.com




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home