دراسات هامة

 

اللعب، التماهي والتضمين في رواية

محمد العتروس



قراءة:

 

اللعب،التماهي والتضمين

في رواية  "سوق النساء"* لجمال بوطيب


محمد العتروس**

على سبيل التقديم:

 

"لقد بدأ سبارتكوس بأربعين

وبدأ الحسين بأربعين

وبدأ كاسترو بأربعين

ونحن بماذا سنبدأ ؟؟؟"ص 70.

 

   هل يصلح هذا السؤال الذي يورده الروائي على لسان عزيز عبد الصاحب أن يكون مدخلا لقراءة رواية "سوق النساء"؟

   نعم يصلح لذلك لأن الإجابة بكل بساطة هو أن جمال بوطيب نفسه يبدأ بأربعين، ففي الأربعين من عمره يصدر أول نص روائي له. وبأربعين يتخلص من لبانة الربيعي ومن عبد الرحيم الدباشي بأن ينثرهما حروفا على الورق. وبأربعين يخلد قصته معها...

   " المهم، قصتي معك لا بد أن تخلد. ولا أحد غيري سيكون أشد حرصا على تخليدها.

قصتي معك لابد أن تكتب، فلا يمكن لأشلاء من جسدينا أن تتحول رميما أو رفاتا، ومتاحفنا العشقية أشد فقرا من عانس إلى زوج." ص8.

   يخلد قصته معها؟؟ 

مع من؟

مع شخص مادي أم اعتباري، شخص واقعي أم رمزي، مع امرأة أم مع مدينة أم مع...الكتابة ؟

   إن هذه القصة/الرواية يجب أن تخلد "لسبب بسيط: أنها تستحق. ولسبب آخر أكثر بساطة: لأنها ترهقني." ص 8.

   لقد ثقل الحمل على كاتبنا فأراد أن يتخلص منها عبر كتابتها كي لا يتقوس ظهره فحمل بطله الرواية ومن ثمة حملها لنا نحن القراء.

 

 

 

 

 

اللعب في "سوق النساء":

 

   صدرت رواية "سوق النساء" أو "ص. ب: 26." سنة 2006 في 80 صفحة من القطع المتوسط بغلاف جميل يحمل توقيع الفنان التشكيلي محمد قنيبو.

   جاءت الرواية في ثمانية فصول مبعثرة على غير ترتيب وتحمل رقم الفصل وعنوانه. تبدأ الرواية بالفصل العاشر: رأس الخيط. وتنتهي بالفصل التاسع: الربق (حسب ماجاء في الفهرس) وتنتهي بالفصل الثاني: قدري (حسب المتن) مرورا بالفصل الثامن: خيط الرأس، والفصل الأول: باب الريح، والفصل الخامس: ميثاق العشرة، والفصل السابع: ريح الباب، والفصل الثالث: دار الضمانة.

   من خلال تصفحنا لهذه الرواية القصيرة نسبيا يشد انتباهنا أولا عنصر اللعب في الرواية. تمتاز تجربة جمال بوطيب القصصية بثراء هذا العنصر: اللعب بالكلمات، اللعب بالضمائر، اللعب باللغة، اللعب بالحلم وبالواقع، اللعب بالشخصيات، اللعب بالأساليب، وبالأماكن وبالفضاءات وبالزمن...

   وفي رواية "سوق النساء" لا يحيد جمال عن ميزته هذه، فهي بامتياز رواية اللعب؛ اللعب بالكلمات (رأس الخيط – خيط الرأس، باب الريح – ريح الباب، قدري اسم الشخصية ومصير البطل...)، اللعب بالضمائر وبالرواة (البطل عبد الرحيم الدباشي هو الراوي في الفصول: العاشر والثامن والخامس والثالث والتاسع. والبطلة لبانة الربيعي هي الراوية في الفصول: الأول والسابع. أما في الفصل الثاني فالراوي شخصية محايدة وهي قدري.)، واللعب باللغة (العامية والفصحى والفرنسية ثم المزاوجة بين العامية والفصحى)، واللعب بالسيرورة الخطية للرواية، واللعب بالزمن( الماضي والحاضر والمستقبل) واللعب بالفصول واللعب مع وبالقارئ.. القارئ المستكين لقناعات ثابتة مطلقة.

 

 


 

 

هنا الروائي يثير فينا أحاسيس الشك وعدم الثقة في أي أحد كان لا الراوي ولا الراوية ولا الروائي نفسه. إنه يثير جوا كثيفا من عدم الثقة.. عدم الثقة حتى في الذات. لا بد أن الواقع المغربي هو سببها الأساس. إن الروائي يريد قارئا نهما شاكا غير واثق من أفكار مسبقة، قارئا متسائلا دائما؛ ما حدود الواقع والحلم والكذب، ما حدود الوهم والحقيقي، قارئا مستعدا دائما لأن يصحح أفكاره ويبدأ من الصفر، قارئا منذ الصفحة الأولى يتساءل: لماذا أعطى الروائي لروايته عنوانين، الظاهر أن لا علاقة لهما ببعضهما البعض: سوق النساء ( مكان عام ملك لكل الناس ) وص . ب 26 (مكان خاص ملك لشخص بعينه )؟ والمضمر....؟؟؟

لماذا ابتدأ من حيث ينتهي الكل؛ الفصل العاشر؟

لماذا بعثر الفصول بهذه الطريقة؟

هل نقرأ الرواية بحسب تسلسلها حسب صفحات الرواية (من الصفحة 1 إلى الصفحة 80.) أم نقرأها بحسب أرقام فصولها (الفصل الأول، الفصل الثاني، الفصل الثالث، الفصل الرابع، الفصل الخامس، الفصل السابع، الفصل الثامن، الفصل التاسع، الفصل العاشر)؟

هل أخطأ الكاتب حينما أورد في الفهرس الفصل الثاني: قدري قبل الفصل التاسع الربق، بعكس ما جاء من تسبيق في المتن لفصل الربق على فصل قدري؟ أم أنه خبث جميل من الكاتب يقصد منه شيئا ما؟

وأخيرا لماذا لم يورد الروائي الفصلين الرابع والسادس في الكتاب؟

هل يعني هذا أن هناك جزءا ثانيا لـــ "سوق النساء"؟ أم أنه فقط لعب بخيال القارئ؟

 

 

التماهي في "سوق النساء":

 

   هناك سمتان أساسيتان في هذه الرواية بالإضافة إلى سمة أو عنصر اللعب وهما سمتا: التماهي والتضمين أو التناص.

   "سوق النساء" هي رواية تماهي المكان والشخصية، حيث تأخذ الشخصية دور المكان ويأخذ المكان دور الشخصية. بداية من العنوان نلاحظ مقابلة السوق الذي هو رمز المدينة للنساء (المرأة). إذن هناك تداخل بين المدينة والمرأة، فالمدينة تأخذ شكل امرأة والمرأة تأخذ شكل مدينة وكل مدينة تذكر الراوي بامرأة معينة وكل امرأة تحيل الراوي على مدينة معينة وكل المدن وكل النساء تختصر في لبانة، في شبشب لبانة الرمادي ومنامتها التي هي "مسكن واحد والساكن متعددا" كما يقول الراوي في الصفحة 49.

إن "سوق النساء" هي رواية النساء بامتياز: لبانة، حفيظة، آسيا، أسماء، إلهام، ماجدة....

وهي رواية المدن بامتياز: تلمسان، وجدة، تازة، فاس، سعيدة، بلعباس،تونس، البتراء...

وهي رواية مدينة واحدة متعددة هي: لبانة.

   إن هذه الرواية هي رحلة سفر من مدينة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، ومن امرأة إلى أخرى ( ص. ب 26 كعنوان يحيلنا على سفر الرسالة من مكان إلى مكان). حتى أن الأماكن تنضح باللاستقرار، فليس هناك أماكن إقامة دائمة، هناك تنقل دائم؛ على المستوى الأنطلوجي/ الوجودي  تنقل من الحياة إلى الموت (الأم المتوفاة التي يحاول البطل أن يملأ الفراغ الذي خلفته بإحلال حبيبته بديلا لها لكن هيهات...) محطة القطار، سيارات التاكسي، الأوتيلات، المقاهي، الساحات العامة، الشوارع، الطرق المتشعبة... إلى غير ذلك من الأماكن التي لا تحيل على مكان إقامة أو عنوان دائم وقار.

كما لو أن الراوي يريد الهرب من كل شيء ومن أي شيء. حتى على مستوى الفضاء النصي نلاحظ أن الفصول الثلاثة الأولى جاءت أطول من الفصول الأخرى.

   ويوهمنا الروائي بالواقعية حين تتماهى حياة الروائي بحياة البطل فإلى حد بعيد يشبه مسار الروائي مسار البطل، والفضاء حيث تدور أحداث الرواية يشبه الفضاء حيث عاش الروائي.

   فهل البطل هو نفسه الكاتب؟

   يكتسب هذا السؤال مشروعيته حين نعلم أن البطل ينتقل من وجدة إلى تازة إلى الجزائر إلى فاس إلى سعيدة إلى البتراء إلى تونس وهي نفس أماكن تنقل الروائي.

   ويكتسب مشروعيته إذا علمنا أن البطل أستاذ والروائي كذلك.

   ويكتسب مشروعيته حين تطالعنا أسماء حقيقية للأماكن والشخصيات ("جبور" الذي يحضر أيضا في قصص بوطيب، والبياز والحبيب السايح، وبركاش وبرنامج وليمة، والشيخ الحاج الزواوي والشيخة الجنية وعمر بن جلون وغيره...)

   لا نجزم بشيء ولكن التماهي والتطابق يكاد يكون تاما.

 

 

 

التضمين في "سوق النساء":

 

    التضمين والتناص واستدعاء نصوص الآخرين تقنية يتقنها جيدا جمال بوطيب القاص ويتقنها أكثر جمال بوطيب الروائي حيث يشتغل بذكاء وبحرفية وبجمالية راقية على نصوص أخرى من التراث الشعبي الشفوي الحكائي ومن التراث المكتوب نصوصا عربية كانت أو أجنبية.

   في "سوق النساء" يستدعي جمال كما هائلا مما تحتفظ به ذاكرته/ذاكرة الراوي من قصص وأمثال وحكم وأغاني وكتابات فلسفية يقول في الصفحة 11 متحدثا عن الذاكرة:

 "وإن ذاكرتي – مصدر تعاستي – لن أحتاجها إلا عندما أريد أنا.."

وفي نفس الصفحة:

" ولهذا أنا ناقم على ذاكرتي التي طالما كانت منبع فخري، لما يؤكد الأصدقاء وحتى الأعداء أنها أقوى ما أملك.

تموت ذاكرتنا  ونحيا...

فلماذا لا نموت وتحيا ذاكرتنا؟"

وفي الصفحة 13 يقول :

 "أحقد على هذه الذاكرة التي عششت فيها بثقل ينوء حمله بمثخن مثلي..."

 

  إن هذه الفقرات تحاول أن تظهر لنا حقد الراوي والكاتب عبرها على الذاكرة لكنها تخفي الإعجاب والفخر بها. فبشكل أو بآخر تحضر الذاكرة وتستحضر الآخرين والأشياء في " سوقه"؛ سوق "النساء"، وبهذا تتأكد قيمتها عند الروائي وفي الرواية أكثر مما يتأكد الحقد عليها، فهي في كل الأحوال منبع فخره.

   نلخص مصادر التناص والتضمين في نقاط عدة أهمها: 

1- الأمثال والحكم.

2- الشعر والزجل.

3- النص الديني.

4- الأغنية.

5- النصوص العالمية.

   تستدعي الرواية مجموعة كبيرة من الأمثال والحكم العربية والشعبية مما يكسب هذه التجربة ثراؤها اللغوي والدلالي والرمزي.

من الأمثال والحكم العربية نذكر:

"من لم يرب الخيل

أبدا لن يحسن الركوب." ص 13.

"لا أجمل من أن يربح الإنسان ذاته لو خسر العالم.." ص 26.

السر الذي لا يتسع له صدرك، لا يتسع له صدر غيرك." ص 13.

"أبطأ الدلاء أكثرها فيضا"

ومن الأمثال والحكم الشعبية نذكر:

"خروف الميعاد من الريق يبان"

"والليلة لفضيلة باينة من العصر" ص 13

"ماتت خادمة القايد ما بقى أحد

مات سيد القايد ماجا حد" ص 24.

" اللي حسبنا يحسبو مقص

نحن نكبر، وهو ينقص" ص 48

" ياكلو فجنان اليهودي

ويلعنوا مولاه" ص30

 

   والرواية تشتغل كذلك بذكاء على ذاكرة أخرى هي ذاكرة الشعر بلونيه الشعبي والفصيح كما نلاحظ من خلال الاستشهادات الشعرية والزجلية المتعددة الخادمة  لسيرورة الرواية والمعبرة عن الحالات النفسية للأبطال، فهذه الاستشهادات لم تأت اعتباطية ولم تقحم بمجانية بل جاءت لخدمة البناء السردي والدلالي للرواية.

   نجد حضور الشعر القديم ممثلا في ابن زيدون:

"وإني لأتجلد وأرى الشامتين   إني لريب الدهر لا أتضعضع" ص 10.

وفي بعض الأبيات الحكمية:

" نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة

فكيف آسى على شيء إذا ذهبا؟؟" ص 10.

   ونجد حضور الشعر الحديث ممثلا في عبد الرفيع الجواهري:

ألا أيها الشعر مهلا

فإن وهن العظم

لم تهن الكبرياء

هي الخيل تكبو

لكن أعناقها

تطاول دوما عنان السماء." ص 18

 

   أما الزجل فيحضر في شعر سيدي عبد الرحمان المجذوب الذي يمارس ثقلا معتبرا في الرواية انطلاقا من العنوان الذي تستعيره الرواية: "سوق النساء" الذي يخفي وراءه الخلاصة: "يا الداخلو رد بالك" ومرورا ببعض الأبيات والمقاطع في الرواية. ففي الصفحة 12 يورد:

 " يا قلبي نكويك بالنار

وإذا بريت نزيدك

يا قلبي خلفت لي العار

وتريد من لا يريدك" ص12.

 

   أما الأغنية التي هي بنت الزجل والشعر فتحضر بقوة في "سوق النساء" بأسماء المغنيين والمنشدين: الشيخ الحاج الزواوي، الشيخة الجنية الكبيرة، فريد الأطرش....

وبمقاطع من الأغاني:

" كاين ربي.. كاين ربي." ص 14.

" سعيدة بعيدة والماشينة غالية" ص 14.

"مين ركبنا على بلعباس

طاحت الرزة وشاب الراس" ص 15.

"بكرة هو اللي ما جاشي" ص 21.

"أشايلاه آدار الضمانة

القبة عالية لعروسة مزيانة" ص 22.

"لا سقوف ثابتة

لا تقام الأعمدة على

ذرى الريح العابثة." ص 39.

"راني غادي للبحر ياكلني

آخوتي لا تردوني" ص 57.

 

   هناك نوع آخر من النصوص التي ضمنها الكاتب روايته هي النص الديني الذي يتقاطع معه في أماكن عدة، حين يقول مثلا:

"فلك الشفاعة في إحراقك ولك اللظى يوم لا شفاعة". ص 24.

أو حين يقول :

"اللهم إني لا أسألك أن تخفف حملي ولكن أسألك ظهرا قويا." ص 9.

 

   ولكن الكاتب لا يكتفي بهكذا تضمين فينتقل من المحلي إلى الإقليمي إلى العالمي الكوني، فيضمن روايته نصوصا عالمية كما فعل مع قول سومرست موم:

"هناك أشياء في الفن يصعب البوح بها، كما يصعب على امرأة أن تحكي وقائع أول ليلة قضتها مع أول رجل." ص 13

أو حين أورد بالفرنسية هذا القول:

« C’était l’hiver dans le fond de ton cœur. »  p 24.

 

 

 

 

 

 على سبيل الختام:

 

   هذه الرواية "فيها حرمان الدنيا والدين" على حد تعبير الروائي نفسه في وصفه لبطلته.

هذه الرواية تريد أن تقول كل شيء دفعة واحدة لهذا جاءت مكثفة غنية سريعة ولاهثة. الشخصيات والأماكن والزمان والمدن والنساء والرجال والأفكار والصور... تجري وتنهمر وتتداعى دفعة واحدة. تنتقل من زمن إلى آخر ومن مكان إلى مكان ومن امرأة إلى أخرى ومن فصل إلى فصل، حتى أن الفصول صالحة لأن تكون الفصل الأول أو العاشر أو الثالث أو... التقسيم العبثي نفسه يوحي بفكرة أن العالم مفككا غير منظم وعبثيا.

   كانت الذاكرة/الرواية/الشخصية، منضبطة تسير في خط واضح ثم أصبحت مخلخلة مفككة بعد أن فعلت المرأة/المدينة/ الدولة/المجتمع فعلها على الشخصية فتداخلت البداية والنهاية واختلطت الصفحات والمدن والنساء وأصبح سوقا الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود، سوقا مطيارا – على حد تعبير المجذوب - يجب أن نرد بالنا منه حتى لا نخسر رأس مالنا.

   فهل خسر جمال بوطيب الروائي رأس ماله بهذه الرواية؟

   أعتقد أنه أضاف إلى رصيده القصصي المتميز رصيدا روائيا متميزا أتمنى أن يثرى بروايات أخرى.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* جمال بوطيب، "سوق النساء أو ص ب: 26"، رواية، الطبعة الأولى، 2006، آسفي المغرب.

** كاتب وقاص مغربي مقيم بباريس




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home