القلم الفكري

 

الطبع الانساني والانظمة

عبدالله أحمد الباكري



الطبع الإنساني والأنظمة

عبدالله الباكري

تاريخ العرب الحديث زاخر بالتناقض بين الأقوال والأفعال وبين المبادئ والممارسات وهم لا يستفيدون من الأحداث ولا يحاولون أن يكونوا موضوعيين ولا حتى أن يتدربوا على الموضوعية ويؤسسوها في حياتهم وثقافتهم ويبرمجوا أجيالهم القادمة عليها ، وذلك لأننا معشر العرب نستخدم العاطفة كثيرا في أمورنا ولذا نحن أمة شاعرة إذا كان الشعر أساسه العاطفة ، وهذا التمادي في جانب العاطفة يجعل نظرتنا للأمور لحظية وجزئية دون إلمام أو إحاطة بكامل المعنى أو الموضوع ، وهذا ما يفسر الكثير من تحليلاتنا السياسية التي نتخبط في تأكيدها أو نفيها ولا تتفهم لنا بواطنها وحقيقة أوضاعها إلا بعد فترات زمنية قد تحملنا مزيدا من الخسائر وتكبدنا منها المر الوفير 0

هذا التناقض ما بين معايشتنا نحن العرب للواقع والحياة وما بين الغرب ونظرتهم الأخرى تجرنا نحو التساؤل والبحث عن سر هذا التميز لديهم وعلة غيابنا نحن عن ساحة الواقع والموضوعية وماهية السر في قضية تفكيرنا الغيبي لدى تحليلنا للأمور واتجاه بعضنا نحو الخرافة والأوهام ، أغلب الباحثين الغرب يردون سر هذه الحضارة إلى عدم وثوقهم في النفس الإنسانية لانها في أساسها مصدر ظلم ، وبالرغم من حثهم في التربية على الأخلاق السامية والرفيعة إلا إن الشك يراودهم دوما حول نزاهتها ، فتراهم دائما ما ينجزوا الأنظمة ويسنوا القوانين التي تراقب العملية المهنية والإدارية وكل ما عثروا على ثغرة معينة حاولوا تعديل هذا النظام إلى آخر متطور يغطي هذه الثغرة وهكذا 0

إن الأنظمة والقوانين داخل البلاد الأوروبية تتناقض تماما مع الأنظمة العربية وذلك لأن أسلوب التعامل مع الإنسان العادي في البلد يضمن له كامل الحرية الواسعة وأما الحياة الشخصية فهي مصونة عن التدخل والمراقبة بينما الموظف أو الشخص المسؤول عموما يكون تحت المراقبة الدائمة وكل ما يصدر عنه يكون تحت الفحص والإعلام وأما الموجود في بلادنا فالمغاير تماما حيث أن الفرد العادي يتم التدخل في كل خصوصياته وشؤونه ويكون تحت المراقبة الدائمة وهو موضع الشك دائما وأما أصحاب المسؤوليات فلهم كامل الصلاحيات والتمتع تحت بند الحصانة ولا يخضعون للنقد لا من قريب ولا من بعيد وهذا إن لم يحاسب الناقد 0

الرئيس الأمريكي نيكسون كان قد تورط خلال حياته بفضيحة ( وتر جيت ) والتي أنهت عمله السياسي كرئيس للولايات المتحدة ، وظل هذا الرجل يتجرع هذه المرارة القاسية ما تبقى له من العمر حتى مات ، هذا المشهد وللأسف الشديد يتكرر في بلداننا العربية يوميا ولكن بطرق مشابهة وصور متقاربة بشكل أو بآخر مع هذا المشهد ويختلف ثقافيا واجتماعيا لأن صاحبه يكون مصدر فخر واعتزاز له ولقومه بل يكون أنموذجا لغيره من بني قومه وهذا التناقض العجيب يفرض علينا الوقوف أمام أنفسنا لمراجعة هذه الثقافة الزائفة 0

أقول ويا لأسفي على هذه الثقافة أنها زائفة لأنها تفعل بعكس ما تقول فلا ديننا ولا مقتضى أفواهنا يؤيد ذلك ولكن أفعالنا وثقافتنا تؤيد وتلزم ذلك ، والمقارنة بالدول الغربية لا تكون من باب الإعجاب بهم أو الزهو بغربيتهم وإنما تكون بمعرفة الواقع ، فهم شعوب تطورت وقفزت مسافات هائلة في دنيا العلوم والتيكنولوجيا ، وتقدموا علينا مسافات ضوئية ولا بد لنا من تحليل هذا النمو وتفسير الأسباب ونقد واقعنا المخزي ، فهنالك حساسية في نفوسهم تجاه هيمنة السلطة ومركزيتها ، وهذه الحساسية هي التي أطلقت صراع الأفكار بدلا من صراع العضلات وعودتهم على الإحترام المتبادل رغم الإختلاف الشديد وهي التي هيأت المجتمع المدني للتفتح والنمو وأصرت على الشفافية وقاومت التمركز والخفاء ولذا وصلت إلى ما وصلت إليه ، وقد كانت مجتمعاتهم تبحث عن هذه الأسباب منذ القرون السابقة لميلاد المسيح وعلى أيد فلاسفة اليونان وحكمائهم وظلوا في هذا البحث والتقصي قرونا طويلة حتى اكتشفوا السر على أيدي المسلمين حينما نشروا الإسلام في كل بقاع الدنيا ، وتعجبوا من هذه النقلة النوعية لهؤلاء البدو الأعراب ، فتعلموا الأسباب وأخذوا بها حتى قفزوا هذه النقلات الخارقة في التاريخ البشري ومن غريب القدر أن أمة العرب والإسلام عادت إلى جاهلية جديدة وهي التي أرشدت البشرية إلى مفاتيح نهضتهم الحديثة !!!




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home