قصة

 

العودة المباركة

زهير الخويلدي



العودة المباركة:

                                                                   زهير الخويلدي

جلس شبح منهمك في مشاغل الناس مستغرقا قرب ينبوع الماء المتدفق من الأعالي والمضاء بالبركة القادمة من السماء ممنيا النفس أن يصبح شبيه لذلك الطير المحلق الذي يتخذ من قمم أغصان الأشجار مسكنا يعشش فيه...

تمايلت صورته البشرية مع هبوب الريح تحت تلك الشجرة المقدسة وفي ذلك المعبد الذي سخرته الطبيعة لأوتاد الأرض وبدأ يحلم بأن يكون مجرد ظل لهذه الأغصان الوارفة لكي يرافق ديمومة النهار ويخفق قلبه مثل خفقان أجنحة الحمام...يتلوى هذا الظل الأسود عند غدير البشرية القاتم فوق سطح الماء الملوث بالأوراق الصفراء التي مضى على سقوطها حين من الدهر من أجل الفوز بفرصة حياة ضائعة مثل جثة ساكنة فقدت أمل البقاء...

في الناحية الأخرى من العالم وفي مهبط الوحي الآدمي يتراءى الكون للنفس الزكية مكتملا والحياة بهيجة والجو ممتعا والطبيعة غناء،يدغدغ النسيم العليل مخاريق الكائنات لتتسع لاستنشاق ينابيع القوة ليسري نهر الحياة متدفقا في شرايينها...ويهب على الوادي هواء نقي منبعثا من الأفق الأعلى ينذر بقرب الميلاد،تسترسل النفس في الغناء لتتردد أصداءها في الآفاق، فتندفع الطيور في ترانيم موسيقية أخاذة تعزف سيمفونية العودة المباركة...في هذا الجو المدهش ينبعث تسبيح سامي الصفاء من حفيف الأوراق الخضراء ويتدفق الماء المدرار مرسلا خريرا عذبا يردد أغنية الخلود التي تبعث الطمأنينة في الكائنات...سارت النفس الزكية في الدرب الفاصل بين الحقول تغمرها غبطة ذلك الغصن المتدلي الذي تلمس أوراقه سطح الماء راسمة دوائر تختفي حال ظهورها وكأنها كواكب درية ما تلبث أن يلفها الظلام...

ظلت النفس تركض خلف السراب المنبعث من حطام الأشياء وظل النهار يغطس في ظلمة الغروب وبدا الضياء يبين في بخل آخر ألوانه الذهبية وفجأة ما لبثت السماء أن تلبدت بالغيوم وما لبثت الزرقة أن تلاشت ليترك الصفاء مكانه للسحب الدكناء ،فارتفع صوت الرعد وانقدح ضوء البرق وخيم الظلام الموحش على الأرجاء فلم يتبق من ربيع الطبيعة سوى الأراضي التي حصدت محاصيلها فنطقت صمتا وأضرمت لهيب الجمر في حبات الرمل... تهاطلت الأمطار بغزارة حجارة سجيل وانحدرت السيول لاهثة وراء الرواسب حاملة كل الجثث الآدمية...عندئذ انطبقت الدنيا على عامريها وسرحت عابريها من كهوفهم وسادت في الأفق القتامة،فتعالت أصوات التقليع وقرقعات التكسير والتغاريد المنتحبة التي تبعث على القرف والاشمئزاز وأخذت الكائنات على حين غرة واستسلمت لنعاس النوم الشتائي...

غاصت النفس الزكية في صدفتها البحرية وتوارت عن الأنظار وذابت مثل ملح التراب لتنخطف عن الكائنات تاركة المهبط لروح ثقيل يصول ويجول،لقد علمت للتو أنه تنين يحمل رسالة الموت ويبث في دنيا العمل سم الإعياء وينفث نارا وثنية تحرقت كل من يهب ويدب أمامها...طارت البومة التي جعلت من شجرة الصفصاف العملاقة موطنا أصليا لها في ضوء النهار ... استسلمت النفس للنوم بين أحضان الأيس وسكنت حركتها وهبط على الكون ظلام عصور وسطى واستقبلت الكائنات ليلة مفزعة،رياح عاتية وأنواء وزمهرير...

في الأثناء هل ملامح يوم جديد وتفتقت تباشير صبح مختلف من عتمة الليل وهدأت العاصفة وأشرقت الشمس مائلة إلى المدى. تنهض النفس الزكية متثاقلة،تتألم من لفحات الجليد،تلون الأنوار قطرات الماء العالقة  بالأوراق ويبعث فيها الدفء ويهب تيار الحياة فتتصاعد أبخرة الصباح البيضاء في الأرجاء.

جلست النفس الزكية هناك على الربوة المطلة على النهر القادم من سماء الجبال تبحث عن أشيائها المفقودة فرأت قطرات من البلل تتساقط ولاحظت الثوب المزركش الذي أهدته لها الطبيعة وجموع الحيوانات المحتشدة إليها،قامت النفس الزكية في القوم مخاطبة نفسها:" أي عزيزتي لقد أفرغت يديك من كل شيء. ومشيت في الصحاري هائمة على وجهك وأضرمت في نفسك نيران الحسرة والأسف وتقاذفتك الرياح مثلما يتقاذف الماء الشلال بحبات الرمل.إن رحلتك نحو نفسك مازالت غضة طرية وان العاصفة لم توصلك إلى بر الأمان.غوصي إذن في أعماق الزمان ومارسي النفي والتحطيم .حطمي ذاتك من أجل أن تولدي من جديد..."

"أيتها النفس ما إن حطمت قيود وعيك حتى حطمت هذه القيود حياتك"

استيقظت النفس من غفوتها وسط ضجيج الأيام متأثرة بصياح المارة فنهضت تستجمع أشلاءها وتتذكر الصوت الذي انبعث فيها من قرار مكين:كوني حذرة إن غمامة الهم تطوي تحت ردائها جميع الحقائق ولا تظهر منها سوى نقوش طمست معالمها..."

وقفت النفس الزكية مذعورة وأطلقت رجليها للريح باحثة عن آثار النسيان فانهمكت تلتهم صفحات الأزمان وتجعل من حزمة الكتب فطور الصباح ومن أغصان الأشجار كومة من الحطب. بحثت عن حقيقة الجوهر فارتدت عليها صاعقة الحقيقة تصفعها على وجهها،فتشت عن مأوى فلم تجد سوى خيط رقيق يربط بين الذهاب والإياب،أشقتها المحاولة وأضناها التعب،فحاصرها العبث الأبدي وودعت ميناء القلب بعد أن رست فيه كل السفن. فهبطت الناس في بئر سحيق ونزلت إلى قاع لا قاع له.

اتكأت النفس المثقلة بالجراح في الجرف الهابط إلى عمق الأرض على صخرة عظيمة أين سكنت جوارحها واستقر فيها السؤال فأطلقت صيحة فزع منها الجميع:

أنا طريدك أيها الفكر الذي لا اسم له،

ها أنا طريح الفراش أتلوى بعذاب العدم

 تحت ضرباتك أيها الصياد العاتي

 أنت أيها الإله المجهول..."

تسقط النفس الزكية على الأرض مغشيا عليها وتدخل مجددا في سبات عميق فترحل إلى ملكوت الغيب لتشاهد جميع الأشياء في وضع مقلوب ويناديها الإله المحتجب:

"لا تنزعجي فهو معك أينما كنت ،فهو النور الذي يبهر كل المسالك المنطمسة وينطق جميع الألسن الخرسة،انتظري حكمته،انتظري عودته المباركة،استعدي لذاك الصبح الجميل القادم من عمق التاريخ ومن أرشيف الجنة".

"أين يوجد من يفوتك عرفانا يكون مقامك"

في قلب الظهيرة العظمى وفي سماء لا تتلبد بالغيوم وتحت شمس اكتمل توهجها وبين أحضان الأنوار المرسلة من الكوكب الدري تودع النفس آخر ضروب النسيان والتلاشي وتفرغ ذاكرتها من أضغاث الأحلام،تنهض شامخة  فوق الأرض أصلها ثابت وفرعها في السماء لتستقبل أشعة مرسلة من الشمس وتستنشق عبق الأزهار، تجري وراء الرياح لتلتحم بمطلق ذلك اليوم العظيم منشدة:

" أي نفسي إن براءتك لا تتجلى في وعيك بل في النور الذي فاض منك"

بعدها خلعت النفس لباس الدنيا وارتدت حجاب الحج الأكبر،غطست في اليم  وشربت من كأس الخلود إلى حد الثمالة فصاحت:

العشق يغيب ولا يمحى

والوعي يظهر ولا يرى

من يعشق اللفظ يلفظ العشق

ومن يفنى  العشق يفني الوعي

في العشق زهرة الوعي

في الوعي خيمة المعنى"

عندئذ يتحول القلب إلى مرآة، تعكس المرآة العناصر، تلم العناصر بكل الأشياء، تجتمع الأشياء عند الوجود الأعظم، يصير السيلان وحدة والذرات كلا وتكتمل الكينونة محبة وتنجز العودة المباركة عفوا. فليتصاغر العالم أمام تعاظمك

 ولتضمحل الفوضى أما انتظامك

 فصبحك قد آن أوانه.

*كاتب فلسفي

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home