القلم السياسي

 

في الذكرى الرابعة للغزو .. العراق ينتصر

زياد ابوشاويش



في الذكرى الرابعة للغزو .. العراق ينتصر
بقلم : زياد أبوشاويش
يثار التساؤل مرة تلو أخرى بين المرء وذاته ، وبين أبناء الأمة ، وبين قوى الخير والسلام في العالم ،هل ينتصر العراق حقاً ؟ وهل ينتصر فعلاً إذا كان انتصاره بالحق أمر مفروغ منه ؟وهل
 مؤشرات النصر واضحة أم ضبابية ؟ وهل يمكن للعراق المبتلي بكل هذه النوائب وبجراحه النازفة أن يهزم الوحش الإمبريالي ويقصيه بعيداً عن أرضه ؟ وهل الطريق معبدة لتحقيق النصر؟ أم تحتاج لمزيد من العمل الدءوب لتمهيدها ؟ وهل الضوء يرى في نهاية النفق ؟ وما هي درجة سطوعه ؟ .
أسئلة تراودنا في كل صباح ،في اليقظة وفي الحلم ،وتكثر علامات الاستفهام وتتعمق ، تجاه قضية تمثل النموذج الأشد وضوحاً على معالم المأزق الأمريكي ومشروعه الإمبراطوري ، كما على مأزق عملائه في وطننا العربي ، وربما في كل العالم . وكلما اشتد هذا المأزق وتعمق كلما زادت فرص النصر واقترب موعده ، فهل نحن حقاً أمام مأزق حقيقي للمشروع الإمبريالي الأمريكي بالعراق ؟ وهل الصورة بمجملها تؤشر لهزيمة أمريكية مدوية على الطريقة الفيتنامية فوق أرض العراق البا سل ؟.
في عرض سابق لحدود القوة الأمريكية تحدثنا حول الحلم الإمبراطوري لليبراليين الجدد في البيت الأبيض ، وقلنا أن التطور التكنولوجي مع وفرة الموارد ، وهما أساس هذا المشروع المبني على أوهام القوة العسكرية العاتية والقادرة على كل شيء ، لن تبقى حكراً على الأمريكيين ونبهنا الى أن هذا الطريق هو طريق افتراضي، غير واقعي وغير عقلاني ، وأنه طريق يقود في النهاية الى جهنم . وليس من الحكمة خداع الذات والغير بالحديث عن الديمقراطية والعدالة ، الى غير ذلك من الفبركات الإمبريالية المفضوحة ، ذلك أن الأهداف النبيلة والإنسانية العظيمة لا يمكن ولا يجوز تحقيقها بأخس الأساليب وأكثرها وحشية ونزق.
لقد ترافق صعود الإمبراطوريات القديمة والدول المهيمنة تاريخياً مع وجود نبي أو رسول يقوم بتسويغ التمدد الإمبراطوري أخلاقياً ، ويهذب من سلوكياتها ويعقلنها ، وتنبئنا الأساطير القديمة والحقائق التاريخية أيضاً بأن أفول هذه الدول والإمبراطوريات يترافق عادة مع بهتان تلك القيم الأخلاقية وذبولها ، واتضاح زيفها، من خلال ممارسات ظالمة وغير إنسانية .
وفي عرض آخر حول استراتيجية بوش الحمقاء ، تناولنا جوهر الخلل في هذه الاستراتيجية والمتمثل في استخدام أساليب وطرق عسكرية قاسية وعنيفة لتحقيق أهداف ناعمة وإنسانية حسب الادعاء الأمريكي من جهة ، والاعتماد على حامل سياسي مزيف ومهزوز من الجهة الأخرى . وقلنا في حينه أن هذه الاستراتيجية تستهدف تقليل الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية للإبقاء على حد معقول من الدعم الشعبي للغزو الظالم للعراق ، وتسويقه أمام الرأي العام الأمريكي ومن ثم الدولي ، وقلنا أن هذا لن ينجح والحال أن الخسائر زادت وأن الحرب على العراق باتت مكشوفة أمام الجميع، باعتبارها حرباً لا مبرر لها، ولا أفق أمام نتائج توخاها الاحتلال، وأعلنها هدفاً لحربه العبثية على العراق .
والآن ونحن نقف على أعتاب العام الخامس للغزو الأمريكي للوطن العراقي ، ونرى بوضوح معالم المعركة الدائرة الآن على أرضه وفي سمائه ، ماذا نرى ؟ وما هي معالم هذه المعركة وآفاقها واحتمالاتها ؟.
وحتى يكون الأساس المعرفي متوفراً لبناء رؤية صحيحة لما يجري وآفاقه، لابد أن نستخدم الأسلوب العلمي المنطقي للقياس، والذي يضع الفرضيات والمقدمات ومن ثم الحقائق والوقائع ويجري المقارنة مع النتائج بدقة وشفافية ليخرج بالاستنتاجات الأقرب للدقة والصواب .
وهنا لابد أن نضع خارطة المعركة بكامل عتادها أمام أعيننا وندع الحقائق تأخذنا بشكل منطقي ومتسلسل الى غايتنا المحددة وهي الإجابة عن السؤال الأهم والذي يمثل خلية المنشأ لكل قراءتنا للأمر والذي يقول : هل العراق ينتصر أم ينكسر ؟.
المقدمات / عالم جديد ينشأ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، ويبدأ عالم جديد أحادي القطب ، ينهي الحرب الباردة بالضربة القاضية ، ويبدأ في إنشاء إمبراطوريته المهيمنة مع بقاء بعض القوى المتمردة ، والتي يمثل إزالتها خطوة ضرورية لاكتمال المشروع ، مع عقل مسيطر يشرف عليه يحتوي أسوأ ما في الرأسمالية المتطورة وقدرتها على التكيف، في ظل تكنولوجيا غاية في التطور، وقادرة على وضع العالم تحت رقابتها ، الأمر الذي خلق وضخم الوهم بالقدرة على إخضاع الأمم الأخرى وإدارة شئونها وإعادتها الى القرون الوسطى إن اقتضى الأمر .
وفي المقلب الآخر من الصورة للعقبات وجود خطر حقيقي يهدد مصدر الطاقة الرئيسي وخزان الوقود الأهم على سطح الكرة الأرضية والموجود حصراً في منطقة الشرق الأوسط ، والعراق يشكل نسبة كبيرة منه لا غنى عنها ولا مجال لتجاهلها .
وفي مكونات العتاد المهمة تقع إسرائيل باعتبارها الحليف الأهم على الصعيد الأيديولوجي والعسكري للإمبراطورية الناشئة وضرورة حمايتها والحفاظ على تفوقها الذي يخدشه بل ويكسره وجود عراق قوي متطور ، وبقيادة عروبية ترى في الولايات المتحدة عدواً لكل طموحاتها في التحرر والوحدة ، وفي أحسن الظن داعماً لعدو يغتصب أرضاً ومقدسات عربية .
وفي المقدمات أيضاً انفراط عقد التضامن العربي لدرجة تتحول فيها الأرض العربية لقواعد متقدمة للإمبراطورية الأمريكية تشن منها الحرب على العراق الشقيق ، وتقدم كل التسهيلات المتوفرة بما في ذلك الدعم المالي واللوجستي لقوات الغزو .
ليس هذا فحسب بل يتم تسويق الأكاذيب الأمريكية عبر هؤلاء ومن وسائل إعلامهم لتصبح الأجواء مهيأة للعدوان ، ناهيك عن فبركة التهم للنظام العراقي وغير ذلك مما تتبعناه في التحضير لضرب العراق كمقدمة ضرورية من وجهة نظر الليبراليين الجدد المتصهينين لفرض الهيمنة على المنطقة والعالم وتأمين خزان الوقود وحماية الحليف الأهم "إسرائيل".
إذن في المقدمات تم تحديد الأهداف وتم تسويغ الحرب أخلاقياً باعتبارها ضد الإرهاب وضد الديكتاتورية ، ولأنه لابد من وجود مبشر أو نبي كما في الأساطير والتاريخ القديم خرج علينا الرئيس الأمريكي برؤاه التوراتية وبحربه الصليبية الجديدة على الشر وطالباً دعم العالم له ولرؤيته المجنونة للحرب على" الإرهاب" ومستعيناً بفتاوى بعض رجال الدين المتصهينين .
ولعل التاريخ سيسجل بوضوح أن جورج بوش الابن هو الرئيس الأكثر حمقاً في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ، رغم نجاحه مرتين في الانتخابات الرئاسية .
وفي المقدمات أيضاً وجود داعم مهم للغزو من أبناء العراق نفسه وممن أسموا أنفسهم معارضة ، وكذلك جار متربص بالعراق ونظامه ويستضيف فوق أرضه أهم معاقل هذه المعارضة وقواتها ، حيث مثلت إيران السند الأهم وغير المباشر لهذا الغزو .
ولولا هذه " المعارضة" والتي تحولت الى أداة رخيصة بيد أمريكا لكان الغزو أكثر صعوبة وأعلى تكلفة ولفكرت الولايات المتحدة وقادتها المتغرطسون ألف مرة قبل الإقدام على دخول الأراضي العراقية .
الوقائع والحقائق بعد بدء المعركة / تدخل القوات الأمريكية الأراضي العراقية وتجتاح مدنها بسرعة كبيرة ومعها قوات بدر وميليشيات عملاء أمريكا وكل الجواسيس المتربصين بالعراق وأهله ، كما الموساد الإسرائيلي ، ومع القوات الأمريكية عدد من القوات العسكرية من بضع عشرات من الدول الحليفة ، وتسقط بغداد بعد أقل من شهر على بدء العدوان على العراق
وتبدأ المقاومة العراقية حربها على الاحتلال بقوة وعنفوان في أقل من شهر أيضاً بعد الغزو ورويداً رويداً يشتد عودها لتصل الى مرحلة لا يستطيع معها الرئيس المعتوه الا أن يقر بأن المشروع الأمريكي في العراق يواجه خطراً حقيقياً وأن الإعلان عن النصر وانتهاء العمليات الكبرى كما أسماها في حينه لم يكن دقيقاً وأن ما نواجهه في العراق لم يكن متوقعاً ، وأن هناك حاجة لإعادة النظر باستراتيجية المعركة وتكتيكاتها ، ولتخفيف الضغط الداخلي عن إدارته المجنونة قام بتشكيل لجنة لدراسة الموضوع العراقي ووضع تقديرات وتوصيات تساهم في وضع انجح السبل والوسائل للخروج من المأزق العراقي بأقل الخسائر .
وفي الوقائع والحقائق أيضاً نرى صورتين متناقضتين ، إحداهما مشرقة وتبشر بمستقبل عظيم للشعب العراقي وكنس الاحتلال ، وأخرى قاتمة وشديدة السواد الى حد الرعب ، وتعمل في الاتجاه المعاكس للأولى .
في الصورة المشرقة نرى وحدة الموقف الوطني لمثقفي العراق وخيرة أبنائه حول هدف التحرير ، وانعكاس ذلك في الحرب الثورية التي يخوضها منا ضلوا العراق البواسل من كل أطياف المجتمع العراقي بطوائفه وأعراقه واتجاهاته الفكرية ، ويوجهون بنادقهم للاحتلال وعملائه ، ويحققون مكاسب يومية تتراكم بشكل مضطرد باتجاه الانقلاب القريب لصالح هذه المقاومة ، والإقرار الأمريكي بالهزيمة كما في فيتنام .
وفي الصورة الأخرى القاتمة نرى نذر حرب أهلية طاحنة تحرق الأخضر واليابس وتضع كل المشروع الوطني العراقي لدحر الاحتلال وإقامة عراق حر ديمقراطي على كف عفريت ، حيث القتل على الهوية ، والتنابذ والمشاحنات والجثث والمفخخات التي تطال أبناء العراق الأبرياء ولا تفرق بين العدو والصديق ، وتستنزف الجزء الأكبر من قوة الشعب العراقي وجهده الذي يفترض أن يتوجه أساساً نحو العدو الأمريكي المحتل لأرضنا والداعم لإسرائيل .
إن عملاء الاحتلال بالعراق يتحملون المسئولية الأكبر عن هذه الحرب وهذه الصورة القاتمة ،ولعل سياسة الاحتلال تتطلب هكذا حالة سبق أن روج لها من أتوا على ظهر الدبابات الأمريكية ، والذين يمارسون الآن القتل والاغتيالات سواء بالإعدام الوحشي لقادة العراق الوطنيين وعلى رأسهم الشهيد صدام حسين ،أو بفرق الموت التي تشكل القوة الرئيسية للجيش العراقي الحالي ومغاوير الداخلية والذين يزرعون الموت والخراب ، كما هتك الأعراض وتدنيس شرف الماجدات العراقيات ، في سلوك متعمد يستهدف تدمير النسيج الاجتماعي والقيمي للشعب العراقي الذي بقي متماسكاً على مر القرون ، رغم كل المحن والأهوال التي مرت به ، ولعل حزن دجلة القديم الحديث يشكل المضاد الحيوي الضروري للصمود في وجه هذه الصورة القاتمة ليزيلها ويلقيها في مزبلة التاريخ مع كنس الاحتلال وعملائه .
في ظل هذا الواقع بصورتيه أسس السيد بوش لهزيمته في العراق بوضع استراتيجية جديدة نوهنا عنها ، باعتبارها عملاً أحمقاً لا منطق له وغير منتج ، ولتبرير ما نقول نشير الى إمكانية تحقيق أهداف الخطة الجديدة من عدمه ، وفي هذا يصبح السؤال التالي مقدمة ضرورية لفهم السياق والواقع الذي تجري فيه هذه الخطة وهذه الاستراتيجية .
إن جوهر الخطة ينصب على تحميل العراقيين مسئولية الأمن في بلدهم وتقوم أمريكا بقطف ثمار ذلك عبر تحقيق الأهداف التي سبق تقديمها في سردنا لمقدمات المعركة ، فهل هذا واقع الحال الآن في العراق بعد شهرين على تطبيق الخطة الجديدة ؟. الإجابة ببساطة : كلا .
وفي الشق المتعلق بتسويق الغزو بأهدافه السياسية النبيلة والحضارية على الطريقة الأمريكية ، هل نجح المشروع السياسي في العراق ؟ وهل تشارك أغلبية القوى والأطياف السياسية العراقية في إدارة شئون البلد أو في الاستفادة من خيراته ، وهي كثيرة وكبيرة ؟ .
وهل حوامل ومرتكزات المشروع الأمريكي في العراق قوية بدرجة كافية لإيصاله إلي أي مكان بخلاف المنطقة الخضراء ؟. الإجابة أيضاً على كل هذه الأسئلة وبوضوح شديد : كلا كبيرة .
وحتى نختصر على القارىء الكريم دعونا نلقي نظرة على النتائج في آخر طبعة لها ومن مصادر الاحتلال نفسه . ومن خلال الوقائع والحقائق أيضاً :
1 – تفكك التحالف الدولي الداعم للولايات المتحدة حيث سحبت الكثير من الدول قواتها أو توشك وهي : بريطانيا الحليف الأبرز وبرنامجها للانسحاب المتدرج من العراق ، ايطاليا ،اليابان،هولندا ،سلوفاكيا ، المجر ،أسبانيا ، تايلند ، الدنمرك ...... وغيرها .
2 – الخسائر الكبيرة التي لحقت بقوات الغزو وهي كالتالي : 3216 قتيل أمريكي حتى يوم الجمعة 16 / 3 / 2007 ، 133 بريطانياً ، 32 ايطالياً ، 18 أوكرانياً ، 19 بولندياً ، 11 أسبانياً ، 13 بلغارياً ، 6 دنمركياً ، 5 سلفادورياً ، 4 سلوفاكياً ،3 لاتفياً ، 2 استونياً ، 2 هولندياً ، 2 تايلندياً ، وواحد قتيل لكل من تشيكيا وكازاخستان والنمسا والمجر ورومانيا . هذا بخلاف الجرحى وهم بالآلاف وخصوصاً في صفوف الأمريكيين ، وعدد كبير من المعدات بما فيها الطائرات والعربات المدرعة ودبابات أبرامز عالية التكلفة والمجهزة بأحدث المعدات المتطورة.
3 – اضطرار الولايات المتحدة للجلوس مع إيران وسوريا في سياق البحث عن مخارج لأزمتها في العراق وإجراء محادثات سرية وعلنية مع الحكومتين الموصوفتين بالمروق والمطلوب محاصرتهما ، وهذا يدل على حجم المشكلة واضطرار إدارة بوش المهزوزة الى بلع كل حديثها عن الدول المارقة وغير ذلك من الترهات والاعتراف بالعجز عن حل المشكلة بالطرق العسكرية أو بالقوة ، مع تهويش يدعو للسخرية حول أن الجلوس مع هاتين الدولتين لا يعني الإقرار بسياستهما تجاه العراق أو بتطبيع العلاقات معهما .
4 – تساقط رموز الحرب وصقورها الأبرز في سياق الفشل الذي لحق بالغزو وأهدافه وانقلاب الموازين في الكونجرس الأمريكي وازدياد الرفض واتساعه لسياسة الإدارة الحالية في العراق والدعوات الواسعة النطاق في أوساط مؤسسات المجتمع المدني والكتل الجماهيرية في أمريكا وكل بلدان العالم للانسحاب الفوري من العراق ، واتضاح عقم الحرب كما دعواها الكاذبة .
5 – بدء تململ العملاء بالمنطقة وضغوطهم باتجاه إيجاد حل يبعد شبح الحرب ومفاعيلها عن أنظمتهم ، خصوصاً تلك المذهبية التي تجد انعكاساتها داخل أقطارهم .
6 – توحد كل القوى العراقية والمثقفين حول موقف واحد تجاه ما يجري على الأرض العراقية من تدمير وقتل وانفراط عقد التحالف الطائفي الشيعي الأبرز بخروج حزب الفضيلة منه وبدء العد التنازلي لسقوط حكومة المالكي العميلة ، رغم كل المساحيق التي  تضعها لإخفاء معالمها الشوهاء وتسويق نفسها للشعب العراقي أو للسيد الأمريكي ولي نعمتها .
7 – الإعدامات المتسرعة والهمجية لرموز العراق الكبيرة والتاريخية سواء في الشخوص والبشر أو في الحضارة والحجر والتعاون المفضوح بين سلطات الاحتلال والعملاء في هذا ودلالاته الواضحة والمعبرة وانعكاس ذلك في الغضب الذي يجتاح نفوس العراقيين والشعب العربي من المحيط الى الخليج وآثاره اللاحقة على سير المعركة باتجاه إضعاف الاحتلال وعملائه وتكريس العدد الأكبر من الناس وحشدهم في المعركة وهو ما نراه حالياً .
8 – الإرباك الذي يسود صفوف المحتلين وعملائهم ، وخطواتهم المتسرعة وغير المحسوبة فيما يتصل بالغارات الجوية والمداهمات العشوائية لأماكن مدنية ، وتركها بعد إحداث دمار كبير فيها ، وارتكاب جرائم قتل واعتقال تدل على العصبية والخوف والارتجال ، بما في ذلك الحملة الهمجية والغير مبررة على الجالية الفلسطينية ببغداد وفي تعاون غير أخلاقي ومنحط بين الاحتلال ومغاوير الداخلية لقتل واعتقال العدد الأكبر من أبناء شعبنا الفلسطيني المكافح  هناك .
9 – استمرار الأزمة الاقتصادية والمعيشية في العراق وازدياد نسبة الفقر والبطالة والعجز عن تأمين متطلبات الحياة العصرية من كهرباء وماء صالح للشرب والوقود ... الي آخر هذه المسائل ، وازدياد التهريب والجرائم والفساد وكل ما يمكن أن ينتجه احتلال في القرون الوسطى وليس كما تدعي الإدارة الأمريكية .
في النتائج والاستنتاجات / لقد حرصنا أن نقدم ما هو كبير وضروري لفهم ما يجري من وقائع وحقائق يمكننا البناء عليها لتقديم استنتاج أو رؤية أكثر دقة وصوابية للمعركة الجارية على أرض العراق والتكهن بنتائجها القريبة قدر المستطاع ، وتجاهلنا الكثير من الوقائع والحقائق على أهميتها وتنوعها وذلك حتى نتمكن من إمساك الحلقة المركزية في الإجابة على السؤال الجوهري الذي طرحناه على أنفسنا في مقدمة المقال وعلى متنه ، واعتبرناه خلية المنشأ لكل الخارطة وعتادها . وقد يتساءل أحدنا عن مكان المقاومة العراقية في هذه الخارطة ، مكانتها وخزانها وحاملها الاجتماعي والسياسي ، نقاط قوتها ونقاط ضعفها ، ماذا أنجزت وماذا عليها أن تنجز ؟ وهي أسئلة مشروعة وضرورية لفهم النتيجة واحتمالات المستقبل ، كما تحديد موقعها في سياق عرض الوقائع والحقائق ، وهنا فقد رأينا أن هذه الأسئلة الضرورية والمشروعة ربما أجبنا عليها في سياق عرض الصورة المشرقة من جانب وخسائر العدو وأزماته المتنوعة التي عرضناها في الجانب الآخر ، ومع ذلك فقد يكون مفيداً وضرورياً أن نعرج على ذلك في ختام مقالنا واستنتاجاتنا .
إن أوضح نتيجة نراها لهذا الغزو وافرازاته العسكرية والسياسية هي تلك المتجسدة في المقاومة العراقية الباسلة وهي الحقيقة التي تفقأ عين المحتل وعملائه وتجعلهم يبحثون بشكل هستيري وأحياناً بطريقة مهينة عن حل يجعل من مشروعهم أمراً قابلاً للحياة ليس أكثر ، حالمين بتغيير الظروف أو بإمكانية وهمية بهزيمة المقاومة والقضاء عليها ، ولعل الخلط المتعمد لمفهوم المقاومة مع الإرهاب يمثل التجلي الأبرز لهذه الهستيريا ، كما يشكل التطور المستمر في تكتيكات المقاومة وأدواتها القتالية ووسائطها المتقدمة تكنولوجياً، الهم الأكبر والإزعاج الأخطر لقوات الاحتلال وعملائه ، والذي يرفع عدد القتلى في صفوفهم بطريقة غير محتملة ، وعلى الخصوص الجنود الأمريكيين وقوات التحالف.
إن المقاومة هي أم الحقائق في العراق وتدرك أمريكا وحلفاؤها أنه لا يمكن تجاوزها في أي حل محتمل للأزمة العراقية المستفحلة ، وهي الأسا س في هذا الحل سواء كان سلمياً أو عنفياً .
والحقيقة الأخرى هي أن المشروع الأمريكي الشرق أوسطي قد تعثر على أبواب بغداد وأن الخطة الجديدة أثبتت عقمها من خلال ما نراه من عمليات نوعية باتت تستهدف القوات الأمريكية بشكل أكبر من ذي قبل وتوقع خسائر أعلى في صفوفهم . وما رسمه بوش الابن في خطته الجديدة حول تنظيف المناطق وإبقاء العسكر فيها مع مجموع الإجراءات التي ذكرها لتطويع السكان ..... الخ من الخطوات المذكورة قد تم إفشالها على يد المقاومة حيث نرى تعمد من جانب المقاومين لاستهداف القوات الأمريكية وعملائها في ذات الأماكن الممشطة .
والحقيقة الثالثة هي اتساع رقعة المقاومة لتشمل كل العراق من أقصاه الى أقصاه وشمول الخسائر لقوات التحالف وجنوده لتطال معظم الدول المشاركة . وفي الحقائق السياسية خفوت الاتهامات الأمريكية لسوريا وإيران والإقرار بدورهما في حل المعضلة العراقية الأمر الذي يرتب نتائج جديدة ونوعية تطال كل أزمات المنطقة ، بما فيها لبنان وفلسطين والملف النووي الإيراني . إن انفضاض الرأي العام الدولي من حول الإدارة الأمريكية بعد اتضاح زيف الذرائع التي سيقت لتبرير الحرب على العراق يشكل هزيمة أمريكية أخلاقية ترفع الغطاء عنها ، الأمر الضروري للغاية لتحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بالغزاة الأمريكان .
وأخيراً فان الإقرار الأمريكي باستحالة الحل العسكري أو العنفي للأزمة في العراق يرتب عليهم منطقياً وقف استخدام هذه القوة للحل ، وهو أمر قد لا تفعله الإدارة الأمريكية في الحال ، لكن لابد لهذه الإدارة عاجلاً أو آجلاً من الانسجام مع استنتاجها والبحث عن حل سلمي عنوانه الرئيسي انسحاب كامل للقوات الغازية من العراق ، ومشاركة فاعلة للمقاومة العراقية وللشعب العراقي في تقرير شئون بلده .
إن الصورة التي قدمناها تقود منطقياً الى استنتاج وتوقع مهم هو أن النصر أصبح وشيكاً للعراق وشعبه ومقاومته على المحتل الغازي وعملائه ، لكن هذا النصر وتحرير العراق لن يكون آلياً أو حتمياً إن لم تؤخذ مجموعة المعضلات والمعوقات بعين الاعتبار وهو ما ذكرناه في سياق عرض الصورة القاتمة عن الحرب الأهلية ومخططات الإدارة الأمريكية لإرباك الوضع الداخلي في العراق وخلط الأوراق في محاولتها التخفيف من حجم الضغوط عليها والخسائر الهائلة التي تتكبدها يومياً على الأرض العراقية .
وبعد ...........
لقد قدم العراق الشقيق خيرة أبنائه وقادته دفاعاً عن حق العراق في حياة كريمة، وحرة، بعيداً عن مخالب الغزو والظلم الأمريكي، وهو يستحق قيادة أفضل من هؤلاء القادمين مع الاحتلال وتحت حمايته ، كما أنه يستحق أن يحظى بالهدوء والسلام بعد كل الحروب والحصار والمعاناة التي تكبدها على مدار العشرين عاماً الماضية ، ومطلوب من كل البلدان العربية ومن جماهير أمتنا تقديم كل الإمكانيات والدعم للمقاومة العراقية وممثليها الشرعيين ، كما في ذات الوقت مقاطعة عملاء الاحتلال ومن لف لفهم ، حتى يتمكن شعبنا العربي في العراق الحبيب من تضميد جراحه وإعادة بناء ما هدمته الحروب والاحتلال ، وهذا لن يكون الا بعد زوال الاحتلال وهزيمة العدوان الأمريكي الهمجي ، وخروج آخر جندي أمريكي من العراق ، الأمر الذي بات قريباً ، وربما أقرب مما يتصوره البعض ، وان غداً لناظره قريب .
زياد أبوشاويش
Zead51@hotmail.com

 

 

 

 

 

 


 
 

 


 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home