مقال

 

لجنة الساحة وسقطات فتحاوية مستمرة

نهاد خنفر



لجنة الساحة وسقطات فتحاوية مستمرة

نهاد عبد الاله خنفر- بريطانيا

كان من الوجاهة ان نرى من حركة فتح ما يدلنا كمراقبين او كفتحاويين او كمواطنين عاديين عايشوا كافة المراحل التي مرت بها الحركة في الخمسة عشر سنة الاخيرة، ان نرى ما يثبت بانها عازمة على الارتقاء بستقبلها ومستقبل ابنائها من خلال استخلاص العبر والدروس والظروف القاسية التي عركتها مع واقع الحياة الفلسطينية ومستجداتها المكبلة بالكثير من الوقائع التي تحتم اعادة النظر والتقييم والتقدير والاصلاح وبالتالي الاستنهاض الحتمي الذي تمليه التجارب الواقعية، ونقول هذا لاننا نعرف ان التغيرات مهما كان نوعها سلبية او ايجابية ستؤثر حتما بالواقع الفلسطيني برمته وعلى كافة المستويات، لوجود اعداد هائلة من الفلسطينيين في كل مكان وقد ارتبطوا تاريخيا بتراث الحركة ورموزها وتجربتها النضالية الثرية الى وقت قريب. فمن الواقعية بمكان الان الحديث عن التاثير والتاثر الذي تعكسه التطورات الفتحاوية الداخلية على مجمل التقديرات الفلسطينية والتي كان اخرها الانتخابات التشريعية الاخيرة، والتي كان من المفترض ان تكون من افضل الدروس واكثرها افادة لحركة فتح وبالتالي للتجربة الفلسطينية التي يجب ان تقوم على الاعتبار من الماضي ومزجه بالحاضر للانتقال بسلاسة وسلامة الى المستقبل الذي يحتاج المزيد من الخبرة التي لن تنضج اذا ما بقي الانكار والتنكر للاخطاء المرتكبة سيد الموقف.

لطالما تناهى الى مسامعنا بان القائد الراحل ياسر عرفات عمل على تأجيل انعقاد المؤتمر العام السادس الذي غاب عن الحياة الفتحاوية التنظيمية حوالي الخمسة عشر عاما، والذي يمثل الحراك الديمقراطي والاستحقاق الفتحاوي التنظيمي للابقاء على الداخل الفتحاوي نابضا وحيا مع ذاته من خلال اعتصار الفوائد من التجربة الديمقراطية التي تعني التقييم والمحاسبة الدائمة، مع تفعيل عملياتي لموروث تعاقب الاجيال الذي ينكره البعض في هرم القيادة الفتحاوية حتى الان، بالاضافة الى ترسيخ مفاهيم التجدد وضخ الدماء الجديدة التي تعني المزيد من العمل على الرفع من سوية واهلية الحركة في مواكبة التطورات المتلاحقة التي تغيب الان عن الحسابات الفتحاوية والتي يتم التعامل معها بصيغة زئبقية ليس من السهل تثبيتها او فهم ابعادها في ظل الوضع الفتحاوي الراهن. استشهد ياسر عرفات، ولاحت في الافق بعضا من بوادر الامل في التجديد والتطوير وامتلاك ناصية القرار التي كانت متواءمة مع كاريزمية القائد العام لفتح والتي اقر الكل الفتحاوي والفلسطيني حينها بان غيابه يدفع بالجميع الى تفعيل دور المؤسسة التي غابت بحكم قدراته واهليته الشعبية والوطنية في الامساك بزمام الامور، مع اجماع كبير بان العمل الذي كان يقوم به عرفات بحاجة الى الكثير من المؤسسات لتقوم به. وأيا كان الحال السابق على وفاة عرفات، لكونها مرحلة تحتاج الى الكثير من التقييم والتفكير والاستجلاء العميق، اختلف معه من اختلف واتفق معه من اتفق، الا ان الانظار كانت تتجه الى الوعود والمبادرات التي طالما اطلقت من قبل الكثير من القادة والرموز الفتحاويين الذين ناهضوا عرفات وامعنوا في اتهامه بتعطيل الحياة الديمقراطية داخل الحركة الاكبر على الساحة الفلسطينية، والذي يعني فيما يعنيه تعطيل جزء مهم من الحياة الديمقراطية الفلسطينية، على كل حال، خبت كل الاصوات المطالبة بالانتخابات الفتحاوية الداخلية الا من بعض الذين رفعوا اصواتا خفيضة وعلى استحياء في كثير من المرات لعقد المؤتمر العام السادس، لاعادة الحياة الديمقراطية الى الحركة، حتى وصلنا الى تقلص هذه الاصوات وحصرها في مساحات ضيقة تكاد تخلو منها الاطر القيادية، مع مطالبة حية ودائمة وفاعلة من كافة الاطر الشابة في اوساط الحركة للقيام بذلك، ولعل الصوت الابرز كان متمثلا في القائد مروان البرغوثي الذي الح ولا زال يلح على ذلك، ولكن يبدو انه قد اسمعت اذ ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي.

هزمت فتح بطريقة مدوية في الانتخابات التشريعية الاخيرة، في وقت اعتبر فيه البعض كما اشرنا الى امكانية استثمار هذه الهزيمة في ايقاظ الحركة وانهاضها من جديد، ولكن تسير الرياح بما لا تشتهي السفن، تتكرر اخطاء القيادة الفتحاوية بطريقة لم تكن متوقعة على الاطلاق، وخصوصا ان هذه الاخطاء تكرس حالة من الاحباط في اوساط القطاعات الفتحاوية الشابة التي بدأت تشعر بعدم قدرتها على احداث التغيير، وخصوصا بعد التجاهل الكبير لصوتهم ومطالبهم والتي كان اخرها تشكيل لجنة الساحة، التي لم تكن لتخطر على بال اي من الفتحاويين الذين دأبوا على المطالبة بالغاء سياسة التعيين والغائها من قاموس الحركة، للعمل على الذهاب بعيدا في التجربة الديمقراطية التي يمكن ان تحيي الحركة وتضخ فيها بعضا من الدماء الجديدة، والمفاجيء في الامر، هو القنبلة التي اعقبت قرار لجنة الساحة، وهو ان الكثير من الاشخاص الذين تم تسميتهم لعضوية اللجنة هم من القيادات التي حاربت بعنف وشراسة شديدة لارغام الراحل عرفات على عقد المؤتمر السادس، بل ومن اكبر المناصرين والداعين الى احياء التجربة الديمقراطية في حركة فتح، التي شبعت منهم نقدا وهجاءً نتيجة غياب الممارسة الديمقراطية في مؤسساتها الحركية، وكأن الامر (وهذا ما يدور في خلد الفتحاويين الان) كان مجرد الضغط للحصول على المزيد من الامتيازات التنظيمية التي تلبي الطموحات الشخصية لطالبيها، دون اي نظر الى المصلحة الفتحاوية العامة، ولعل المتمعن اكثر، يجد بان عددا من القيادات التي تم تعيينها قد تعاملت بصلافة واتهامية شديدة مع سياسة الاقصاء التي مورست من خلال غياب الانتخابات كاداة في قيادة الحركة وبعثها من جديد، مع شكوك كبيرة بمدى مطابقة هذه التعيينات للنظام الداخلي لحركة فتح، والذي لم ترد به اي تسمية من هذا القبيل، في وقت تعقد به الحركة بعضا من المحاكم الحركية لمحاسبة البعض نتيجة التجاوزات التي ارتكبوها بحق الحركة، وفقا لنصوص النظام الداخلي، ولا اعرف الان مدى مصداقية هذه المحاكم التي تتشكل وفقا لهذا النظام وبوحي منه ومن نصوصه، في وقت تشكل فيه تعيينات لجنة الساحة مخالفة صريحة وواضحة لنصوصو هذا النظام، وبالتالي يتولد شك كبير لدى البعض حول الانتقائية الشديدة والواضحة التي تمارس حيال دستور الحركة ومكونها القانوني، وفي الحقيقة لا اعرف ماذا سيقول القادة المعينون لمناصريهم الذي طالما طربوا لهجوماتهم الصاروخية على سياسة التعيين التي انتهجتها القيادة في السابق، وبماذا سيبررون موقفهم امام جمهورهم الذي طولب في يوم من الايام للاحتجاج على السياسة المنتهجة في قيادة الحركة. اما وان القيادة الفتحاوية والتي يقف على راسها الرئيس الفلسطيني هي التي اخذت على عاتقها هذا القرار، فان ذلك يوضع في الضد المباشر لما تم الحديث عنه من وعود اتضح خلوها من اي قيمة تنظيمية او اصلاحية او ايجابية تجاه المستقبل الفتحاوي والفلسطيني عموما، نقول هذا  لارتباط شخصية الرئيس بالصدام الدائم مع من سبقوه في المؤسسات الفتحاوية حيال القضية الديمقراطية التي لطالما سمعناه يتحدث عنها ويدعمها، منكرا كافة الممارسات والسياسات التي تتعارض مع ذلك، واما الان، وبعد لجنة الساحة القديمة الجديدة، التي يبدو انها مرفوضة قطعا من قبل القائد الابرز فتحاويا الان، وهو مروان البرغوثي الذي تم تداول اسمه للتعيين في عضوية اللجنة المركزية، وكأني به يرفض المنطق والالية التي نتج عنها كل ذلك، حتى لو كان المقابل ارتقائه ليكون في اعلى هيئة قيادية للحركة، مدركا ادراكا تاما بان القائد يجب ان ينصبه الجمهور، لا ان ينصبه اي شخص مهما كانت صلاحياته، حيث الاولى بنا ان نقول عن المعين بانه موظف كبير في موقع قيادي، وبذلك يصبح من الواجب علي ان اقول للقائد العام لحركة فتح، وما هذه الخطوة الا سقطة جديدة من سقطات فتح المستمرة.   




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home