القلم السياسي

 

عفا الله عما سلف ... لم يعف الله عما سلف .

زياد ابوشاويش



عفا الله عما سلف ... لم يعف الله عما سلف

بقلم : زياد أبوشاويش


الحكومة الفلسطينية الجديدة حازت على الثقة بأغلبية ساحقة . إذن هي حكومة الأغلبية .

وحركة حماس حازت نصيب الأسد منها ، وهو رغم ذلك أقل من الاستحقاق الانتخابي لها..

والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين صوتت ضد هذه الأغلبية وتشكر على شجاعتها السياسية والأدبية ، ومعها فقط صوت الأخ حسن خريشة أمين سر المجلس . ورغم أن الأصوات الثلاثة بدت غريبة في وسط هذا الجمع الممثل للأغلبية ، إلا أن من استمع إلى مداخلات الأعضاء شعر بأن ما قاله الأخ حسن يمثل ضمير شعبنا بكل الصدق الذي تحمله أمانة الكلمة واحترام أرواح الشهداء قديمهم وحديثهم ، ورغم اختلاف الطرح بين ممثلي الشعبية والأخ حسن فقد كان القاسم المشترك بينهما هو حب فلسطين والحرص على مصلحة الوطن والشعب ومستقبل نضاله الوطني ، كما الاعتزاز بكرامة هذا الشعب وهوية مقاومته الوطنية .

لقد دخلت حماس أخيراً قفص السلطة الذهبي ، وضاعت المقاومة ، أو أوشكت . وعليها أن تسأل من سبقوها إلى ذلك ، هل تمكنوا من التخلص من إدمان الهيبة والمكانة ووقوف الناس على أبوابهم وغير ذلك من امتيازات السلطة ؟ وهل تعتقد قيادة حماس أن دخول الحمام مثل الخروج منه ؟ هذا ما أشك فيه ، وأرجو الله أن يخيب ظني ، ولكن ما الذي بقي لنا بعد اليوم كشعب في الوطن وفي الشتات ؟ وهل حقاً كانت هذه الحكومة هي حكومة وحدة وطنية ؟ أم كانت حكومة تهدئة وطنية ، مع الذات ومع العدو ؟ وحتى مجرد الإشارة لمقاومة الاحتلال في برنامجها دون تحديد استدعت رداً أمريكياً حاداً وصفها بأنها أمر يدعو للقلق .

لقد عبر الأخ حسن خريشة بشكل واضح لا لبس فيه بأن هذه الحكومة وسابقاتها إنما أتت بطلب أمريكي تم فرضه على المرحوم الشهيد ياسر عرفات ،  وأن وزارات كثيرة تم تسمية من يتولون حقائبها من جانب الإدارة الأمريكية ناهيك عن رئيس الوزراء ، وأن تشكيل الحكومة لم يأت نتيجة إرادة فلسطينية ، ولا من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني ، بل املاءً وفرضاً لا يجوز قبوله . إن هذه الرؤية تشكل جوهر الموقف الرافض لها بغض النظر عن مكونات هذه الحكومة وما إذا كانت تمثل نسبة كبرى من المجلس التشريعي أو غير ذلك .

ولعل الأمر الوحيد الذي يجعلها خارج إرادة العدو الأمريكي هو أن يتم تشكيل هذه الحكومة كجزء من مكونات منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي ، والذي يقر بشرعية الكفاح المسلح كطريق رئيسي لنيل حقوقنا الوطنية ، بما في ذلك إقامة الدولة المستقلة ، وعودة اللاجئين ، وبأفق ومنظور وطني خارج إطار أوسلو . ولان هذا قد لا يكون ومن الصعب إنجازه في ظل الاحتلال واختلال ميزان القوى بدرجة كبيرة لمصلحة العدو ، كان على الجميع أن يفكروا ملياً في طريقة وبرنامج يجعل من اتفاق مكة مدخلاً حقيقياً لوحدة وطنية حقيقية أساسها المقاومة ومشروعها الوطني ، الذي يجب أن نقر بأنه قد وضع على سكته الصحيحة مرة أخرى باتفاق مكة الذي أنهى الاقتتال الداخلي وأعطى الفرصة لإعادة النظر في كل شيء ولا داعي للعودة لطرح أهمية هذا الاتفاق ، لكن وبكل أسف تم استغلال الاتفاق لمصلحة فصائلية ، وتقاسم نفوذ ناله كل من شارك في هذه الحكومة دون أن يكون لثقافة المقاومة أي نصيب منها أو فيها ولا داعي لإعادة نبش النصوص ودلالاتها ، فهي أوضح من أن يتم تفسيرها بغير ما انطوت عليه من إقصاء لهذه الثقافة وأوشكت على تحريمها .

إن أي شعب في الدنيا وخصوصاً من يقع تحت الاحتلال أو صاحب قضية وطنية معرض لأن يختلف وتختلف مكوناته السياسية حول برنامج اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي  أو غير ذلك من قضاياه ، إلا في الجانب الثقافي المكون الأساسي للوجدان والعقل الجمعي لهذا الشعب ، وفي هذا فان شعبنا يملك بحق ثقافة مقاومة متميزة تشكل بوضوح القسم الأكبر من مكونه الجمعي عقلاً وجداناً ، وهنا لا مجال لذكر الأدباء والشعراء وماذا كتبوا وكيف كتبوا ، فالأمثلة أكبر من أن تعد وتحصى ، إنها في كل مناحي حياتنا من الولادة مرورا بالزواج إلى الممات .

وهي في كل نشاط نقوم به سواء على الصعيد المادي أو الروحي . فأين الحكومة الجديدة من كل هذا ، وهي تتحدث على استحياء عن المقاومة ؟.

ربما يفهم المرء أن الظروف غير مواتية لعودة العمليات النوعية العظيمة التي أقضت مضاجع العدو وجعلته يقبل بالتهدئة وينسحب من غزة ، لكن الذي لا يمكن التساهل ازائه أن يتم تجاهل ثقافة المقاومة وتعبيراتها البرنامجية والتركيز على ثقافة السلام الوهم بدلاً عن ذلك .

إننا نعتقد أن الوحدة الوطنية في تجليها الأهم لم تتحقق ، وأما التوقف عن الاقتتال ووقف هدر الدم الفلسطيني كما الجهد والمال فهو أمر حظي برضى كل الناس وتأييدها ولكن شتان بين هذا وبين تحقيق الوحدة الوطنية وإطارها الشرعي والأهم منظمة التحرير الفلسطينية الممثل لشعبنا في الداخل والخارج ، والتي تعمل خارج سيطرة العدو بالحد الاردنى . وهذه الرؤية لا تقلل من أهمية وقف الاقتتال وضرورته لبناء وحدة وطنية ، لكن ذلك هو أمر طارىء ولا يبنى عليه ، في إطار تقييم لمكونات الفكر الوحدوي بإطاراته الوطنية المعروفة .

إن أهم تجليات الوحدة الوطنية هو مشاركة أوسع قطاع من الشعب في النضال لتحرير فلسطين ، وليس حكومة في جوهرها لتحرير بعض فلسطين ، فهل رأينا الأمر على هذا النحو ؟.

وبغض النظر عن موقف الجبهة الشعبية الصحيح هذه المرة والمنسجم مع تاريخها وجوهر برنامجها والذي نتمنى استمراره هذه المرة والبناء عليه  ، فان طريقة عفا الله عما سلف، تطال هذه المرة ليس دماء من سقطوا في حمامات الدم الداخلية المدانة فقط ، بل كل ثقافة المواجهة والعنف الثوري الذي نادت به وتنادي كل أدبيات الفصائل داخل هذه الحكومة وخارجها .وفي الحالتين فان الموقف الوطني الصحيح والنزيه يجب أن يرد بأن الله لم يعف عما سلف . وكما يلاحظ أي مراقب لمجريات التشاور والحوار قبل الإعلان عن حل آخر المشاكل في طريق الإعلان عنها وهي وزارة الداخلية ، فان جوهر الخلافات كانت للأسف تتعلق إما بمكاسب هذا الطرف أو ذلك معبراً عنها بتسمية هذا الوزير أو ذاك ، وإما الاختلاف حول درجة التنازلات التي يجب أن تقدم برنامجياً حتى يكون الإعلان عن الحكومة إيذاناً برفع الحصار المالي عن الموظفين الحكوميين ، وبالتالي يتم تقبلها بغير عناء كبير بين الناس .

وقد خلى البرنامج بكل أسف من الاعتذار للشعب الفلسطيني من كلا طرفي الصراع عما ألحقاه من دمار وقتل ، واكتفى بكلام طيب لأهالي الشهداء والوعد بالتعويض ، كما لم نسمع عن آلية لمعالجة أي صراع في المستقبل ولا لمعالجة الواقع الراهن مما دفع بأحدهم وأظنه الأخ صائب عريقات المشهور بواقعيته السياسية حتى الاندلاق  للقول بأن هناك مخطوفاً من أصدقاء الشعب الفلسطيني لا تستطيع الحكومة أن تفرج عنه في تعليقه الذي اتسم بالسخرية أو النقد لبرنامج طموح وغير واقعي ، وأردف : " إن كانت الحكومة تعلم أين هو فتلك مصيبة ، وان كانت لا تعلم فالمصيبة أكبر " ولم يقل لنا الأخ صائب كيف تعالج هذه بل جعلها مادة وأساس للمطالبة ببرنامج واقعي يأخذ المواقف والمطالب الدولية والأمريكية بعين الاعتبار ويختصر على الشعب الفلسطيني وقيادته "الباسلة" الطريق والجهد في رفع الحصار وعودة المفاوضات إلى سكتها مع العدو . وهذا يظهر التباين الكبير بين رؤية ورؤية ولا حاجة للمقاربات على هذا الصعيد فقد قتلناها وغيرنا نقاشاً ، وأوشك الطرفان أن يتلاقيا .

لعله من المفيد لشعبنا ولكل من ساهم في إنجاح الحوار الوطني، أن نعيد النظر في كل ماجرى لتحديد أدق لمكونات المرحلة ومفاصلها الرئيسية بما في ذلك الأسلوب الأمثل لتعديل ميزان القوى، والأمثل لجعل العدو يفكر كثيراً قبل أن يقدم على اجتياح مدننا واغتيال قادتنا وأبناءنا .

إن المناشدات للإدارة الأمريكية تجري منذ عشرات السنين ولا حياة لمن تنادي والوقت مناسب لفرض بعض شروطنا على أرضية نبذ سياسة عفا الله عما مضى والعودة للينابيع كما اسماها ذات يوم الأخ هاني الحسن في مذكرته الشهيرة لقيادة فتح .

الحكومة حازت على ثقة ممثلي الشعب في الداخل ، ونحن نريدها حكومة وحدة وطنية حقيقية

ونريدها مكوناً أصيلاً من مكونات بنائنا الفوقي سياسياً وفي كل الاتجاهات ، فمتى يحوز هذا الشعب الصابر والمكافح على ثقة حكومته فتجعله أساساً لبرنامج كفاحي حقيقي تعتمده سراً أو علانية من أجل نيل حقوقه الوطنية ؟ لقد طال الانتظار وبحت حناجرنا فمتى يرتاح أهلنا ويطمئنوا ؟ لنقول بكل ثقة ومحبة : عفا الله عما سلف ، ونصفق لحكومة وحدة وطنية حقيقية .

 زياد ابوشاويش

                      




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home