من هنا وهناك

 

بر الوالدين خلق إسلامي



بر الوالدين ومعاملتهما بالبذل والكلمة الطيبة خلق أصيل للمسلمين
 
 

يقول الله تعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا».


بهذه العبارات الندية، والصور الموحية يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء، ذلك أن الحياة ـ وهي مندفعة في طريقها بالأحياء ـ توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام إلى الذرية إلى الناشئة الجديدة إلى الجيل المقبل، وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء إلى الأبوة إلى الحياة الموالية، إلى الجيل الذاهب، ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف، وتلتفت إلى الآباء والأمهات.


إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأبناء والتضحية بكل شيء حتى بالذات من أجلهم، وسرعان ما ينسى الأبناء هذا كله وينشغلون بزوجاتهم وذرياتهم، ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء إنما يحتاج الأبناء إلى استجاشة وجدانهم بقوة؛ ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف، وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله تعالى يحمل معنى الأمر المؤكد بعبادة الله.


فالله تعالى جعل أهمية الإحسان إلى الوالدين بعد توحيده وعبادته، ولم يقدم على الوالدين مخلوقا، ولذلك قال الإمام النيسابوري في تفسيره:


«وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تاليا لعبادة الله لوجوه منها:


1 - أنهما سبب وجود الولد، كما أنهما سبب التربية، فلا إنعام ـ بعد إنعام الله تعالى - أعظم من إنعام الوالدين.


2 - إن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثوابا.


3 - إنه تعالى لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم، وكذلك الوالدان لا يقطعان عنه سواد كرمهما وإن كان غير بار بهما.


4 - إنه لا كمال للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويزيده عليه، كما أنه تعالى لا يرضى لعباده إلا الخير، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيرا منهما بخلاف غيرهما فإنه لا يرضى أن يكون غيره خيرا منه».


وهذا هو سر عناية القران البالغة برعاية الوالدين وإكرامهما والتأدب في الحديث إليهما، كما عني القران بالأم عناية خاصة؛ لأنها تحملت آلام الحمل والولادة والرضاعة والحضانة والتنشئة.


تذبل الأم لذبول وليدها، وتغيب بسمتها إن غابت ضحكته، وتذرف دموعها إن اشتد توعكه، وتحرم نفسها الطعام والشراب إن صام عن لبنها، وتلقي نفسها في النار لتنقذ وليدها، وتتحمل من الذل والشقاء أمثال الجبال كي يحيا ويسعد، وتموت راضية إذا اشتد عوده وصلب ولو كان على حساب صحتها وقوتها وسعادتها.


وتطبيقا لهذه الخصوصية التي يقدمها الواقع المشاهد عند كل أم ويسجلها القران، كانت وصايا النبي الكريم بالأم متكررة، تحث على رعايتها وإكرامها وإطاعة أمرها خاصة في حالة الكبر والضعف.


روى الشيخان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله ؟ قال أمك، قال ثم من ؟ قال: أمك، قال ثم من ؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال أبوك.


كما صرح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن طاعة الأم وبرها باب إلى جنة الله تعالى ورضوانه.


فعن معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك فقال: هل لك من أم ؟ قال : نعم، قال فألزمها فإن الجنة عند رجليها.


وقد جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجود الوالدين فرصة ثمينة لدخول الجنة ينبغي ألا تضيع، فعن أبى هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: رغم أنفه ثم رغم انفه ثم رغم أنفه، قيل من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة».


وقد سئل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين فقال: «ألا تقوم إلى خدمتهما وأنت كسلان، وقيل ألا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر إليهما شذرا، ولا يريا منك مخافة في الظاهر أو الباطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا وتدعو لهما إذا ماتا».


قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ «إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».


وفي قصة جريح العابد عبرة بالغة في أهمية بر الوالدين والمسارعة في طاعتهما، إذ نادته أمه وهو يصلي، فقال: رب: أمي أم صلاتي ؟ واختار صلاته، ونادته ثانية فلم يجبها وبقي في صلاته، ونادته ثالثة، فلما لم يجبها دعت عليه إلا يميته الله حتى يريه وجوه المومسات. وزنت مومس براع فحملت منه، فلما خشيت انفضاح أمرها قال لها الراعي : إن سئلت عن والد المولود فقولي : جريح العابد، فقالت.


وهبّ الناس يخربون صومعة جريح واقتاده الحاكم للساحة، فبينما هو في الطريق تذكر دعاء أمه فتبسم، ولما قدم للعقاب استمهل حتى يصلي ركعتين، ثم طلب الغلام وهمس بأذنه من أبوك ؟ قال أبي فلان راعي الغنم. فهلل الناس وكبروا وقالوا نعيد بناء صومعتك من فضة وذهب، فقال لا بل أعيدوها كما كانت من تراب وطين».


وفي هذا الحديث الذي رواه البخاري يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لو كان جريح فقيها لعلم أن إجابته والدته ألزم من استرساله في صلاته. ومن هنا رأى الفقهاء أن المرء إذا كان في صلاة النفل وناداه أحد والديه فعليه أن يقطع صلاته ويجيبه. ويسمو النبي العظيم بتوجيهاته الكريمة إلى ذروة الإنسانية إذ يوصي ببر الوالدين والإحسان إليهما ولو كانا على غير دين الإسلام.


وذلك فيما حدثتنا به أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ قالت: «قدمت على أمي وهى مشركة في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ قلت: قدمت على أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال نعم صلى أمك». ولما أنكرت أم سعد بن أبي وقاص عليه إسلامه، قالت له: إما أن ترجع عن إسلامك وإما أن أضرب عن الطعام حتى أموت فتكسب معرة العرب إذ سيقولون : قاتل أمه.


أجابها سعد تعلمين والله لو كان لك مئة نفس وخرجت نفسا نفسا ما رجعت عن إسلامي، وصبرت أمه يوما فيومين وفي اليوم الثالث أجهدها الجوع فطعمت، وأنزل الله تعالى قرآنا تلاه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المسلمين فيه عتاب لسعد على شدته مع أمه في جوابه لها، قال تعالى: «وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا».


كذلك من البر للوالدين بعد موتهما صلة أقربائهما وأصدقائهما فعن أبي بردة ـ رضي الله عنه ـ قال: قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر، فقال أتدري لم أتيتك؟ قال: قلت لا. قال سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده. وأنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذاك».


وعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، قال ابن دينار: فقلنا له : أصلحك الله فإنهم الأعراب وهم يرضون باليسير. فقال عبد الله بن عمر: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه».


وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ـ رضي الله عنه ـ قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ جاء رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله: هل بقى من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما ؟ قال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنقاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقيهما».


إنها لأعلى مراتب الحب والوفاء والبر والإجلال للوالدين أن يصل الولد أصدقاءهما في حياتهما وبعد مماتهما، والمسلم الحق الصادق يوطد دوما أواصر المودة والصلة والصداقة بأهل ودهما، ويبقى على حبه لهم وإجلاله إياهم بعد أن يلقى والداه وجه ربهما، فلا ينسى ذلك الود القديم، ولا يغفل عن تلك الوشيجة الإنسانية النبيلة.


وبعد، فهذا هو هدي الإسلام في بر الوالدين وهذا هو المسلم الحق المهتدي به، فهل يتبعه المسلمون اليوم بعد أن غمرتهم الحياة المادية وأغشت أبصارهم أضواء المدنية الحديثة ؟


إن الاهتمام لنصبّ اليوم في حياتنا على الزوجة والأولاد. أما الوالدان فالعناية بهما تأتي بعدهم، وقد لا يظفر باليسير منها الوالدان، إلا إذا كان أولادهما من البررة الأتقياء.


ذلك أن النظم الاجتماعية الغربية الحديثة التي أغرت عقول كثير من المسلمين، لا تحسب حسابا لبر الوالدين وحفظ شيخوختهما، وصونهما من الضيعة والامتهان حتى يردان إلى أرذل العمر وهذا ما جعل الرجل المطبوع بتلك المفاهيم والنظم لا يفكر إلا بزوجه وأولاده، ولا يلتفت إلى الوراء قليلا، ليلقي نظرة حب وبر ووفاء للجيل المدبر الموليّ، الذي طالما سهر الليل في تربيته، وأنفق الغالي والرخيص في تنشئته وإعداده للحياة، فتراه إذا ما فكّر بالسكن المريح، والملبس الفاخر، والطعام الطيب، والرحلة الممتعة، التفت قلبه لزوجته وأولاده، ولم تدر في خلده خاطرة تذكّره بنصيب والديه من هذا النعيم، وأنهما لفي أمس الحاجة إليه، يتلقيانه من يد ولدهما الحبيب.


إن بر الوالدين والإقبال عليهما بالقلب النابض بالحب، واليد المبسوطة بالبذل، وبالكلمة الطيبة المؤنسة المفترة الودود، لخليقة أصيلة من خلائق المسلمين. وما ينبغي للمسلمين أن تغيب فيهم هذه الخليقة، مهما تعقدت أمور الحياة، ومهما طرأ عليها من تطور.


د. محمد محمد عيسى




 

اطبع الموضوع  

Home