مقال

 

وزارة الصحة في حكومة حماس.. عنزة ولوطارت..!!؟

الدكتور فريد شمس الدين



وزارة الصحة في حكومة حماس.. عنزة ولوطارت..!!؟

والمطلوب من الوزير في حكومة الوحدة الوطنية


 

بقلم: الدكتور فريد شمس الدين

خبير التخطيط والسياسات الصحية

 

 تذهب كثير من ادبيات وبحوث التعصب الى ان هناك مجموعة من السمات الدالة على وجود قابلية للتعصب عند الأشخاص ومن أهمها الميل إلى (الانغلاق الفكري) وهي الشخصية التي تقاوم تغيير الاعتقاد في ضوء المعلومات الجديدة وتلجأ إلى القوة لتبرير صحة الاعتقادات القائمة لديها. ويتفق عدد من الباحثين على هذه الخاصية (الانغلاق الفكري) كمرحلة هامة للشخصية المتعصبة والتي تتقاطع بدورها مع المثل الشعبي الذي يقول (عنزة ولو طارت) ومعروف ان الأمثال الشعبية تختصر تجربة اجتماعية ذات دلالات ليست بالضرورة علمية لكنها مفيدة!! وقصة هذا المثل الشعبي تحكي ان اثنين من الاصدقاء اختلفا حول (كومة سوداء) على قارعة الطريق، فقال الأول: انه طائر وقال الثاني: إنها عنزة؟ فقال الأول: دعني اثبت لك انه طائر وليست عنزة فاقتربا من تلك الكومة السوداء فاذا هو طائر يحلق في السماء فقال الثاني: انا لم اقتنع حتى هذه اللحظة بأنه طائر لذا فهي (عنزة ولو طارت)؟..

 

القصد من هذه المقدمة الطويلة أن أوضح للقارئ ان التعصب الأعمى ساد ولازال  يطغى على وزير الصحة في حكومة حماس، وأن وزارة الصحة الحالية بدأت تحصد مازرع  د. باسم نعيم، ومن بدايات الحصاد الذي قوبل باستغراب واستهزاء من قبل موظفي الوزارة وهو الهروب الجماعي لما يسمي بقيادات الوزارة "الجدد" من حماس لوزارات تابعة لها أو الخروج في إجازات طويلة بدون راتب. هذا يحدث رغم قائمة الإنجازات (المفبركة) التي تعلنها هذه الوزارة (المنكوبة) بين الحين والآخر، والتي نسمع عنها مثل افتتاح مستشفى ناصر في خانيونس وهنا لانحتاج لتوضيح عراقة وقدم هذا المستشفى الذي يعمل بكفاءة عالية قبل أن توجد حماس بعشرات السنين، ولا أريد أن أقول أن جهاز الأشعة المقطعية الذي بسببه افتتح هذا المستشفى (حسب تقارير وزارة الصحة) لازال متوقف وعاجز عن العمل.

 

ومن الأمثلة أيضاً افتتاح مستشفى الشهيد ابو يوسف النجار، وكأن هذا المستشفى من اختراع  د. باسم نعيم الوزير في حكومة حماس، وكلنا يعلم أن هذا المستشفى افتتح خلال انتفاضة الأقصى بعد تحويله من عيادة للرعاية الصحية الأولية إلى مستشفى كامل ومجهز، أيضاً كلنا يعلم من وراء افتتاح هذا المستشفى..! وأنه أي المستشفى، ورغم كل التحديات والصعاب قام بإجراء العديد من العمليات النوعية والصعبة أثناء انتفاضة الأقصى المباركة والاجتياحات المتكررة لمدينة رفح وإن أردنا الدخول في أرقام فقد بلغ عد الحالات التي دخلت هذا المستشفى 24778 مريض، حسب تقارير وزارة الصحة.

 

وقرأت ايضاً في تقرير إنجازات وزارة الصحة الصادر في تشرين أول 2006 عن إدارة الأزمات (إدارة إستحدثها وزير الصحة وعين رئيسها بدرجة مدير عام من خارج الوزارة) أن الوزارة أنجزت تركيب 8 مراوح سقف للمطبخ... واحتوى تقرير الإنجازات هذا على 7 صفحات لم أجد خلاله أن الوزارة ساهمت بإضافة حجر واحد لمستشفى أو حتى سرير واحد أو مركز أو عيادة، كما لم أجد في هذا التقرير أية خطة مستقبلية لبناء مستشفى أو مركز صحي أو حتى لتطوير الكادر البشري..، دعوني أسئلكم: إن كان تقرير بالإنجاز بهذا المضمون... فما هو الإعجاز في نظر وزير الصحة في حكومة حماس؟؟.

 

من خلال مراجعة مقدمة هذا المقال نجد ان ما ذكر ينطبق تماماً على تصرفات وزير الصحة في حكومة حماس الذي يرى في كل خطوة يخطيها وفي كل إقصاء يوقعه إنجازاً يفرضه على الآخرين بكبرياء وتعالي، رغم التأكيد على فشله في محطات عديدة منها ما ورد من معلومات حول نفاذ إحتياطي الدم في مستشفى الشفاء وقت الأحداث الدامية بين حركتي فتح وحماس مؤخراًَ.. وقيام بنك الدم بالاستغاثة العاجلة كتابيا، فجاء الرد بعد عشرة أيام من إرسال طلب الاستغاثة، وهذا بطبيعة الحال لم يحدث مطلقاً في وزارات سابقة رغم الحصار والتحديات والحرب المستمرة ضد الطواقم الطبية.

 

ثم أن وزير الصحة شخصياً وفي أكثر من محطة اشتكي من كثرة الإداريين في الوزارة، ووعد بأنه سيحارب هذه الظاهرة وسيعيد ميزان التوظيف إلى مكانه الصحيح، إلا أننا نجد أنه عين أكثر من 1000 إداري جميعهم من حماس (جزء كبير منهم عقود خاصة)، ليس هذا فحسب بل انه قام بنقل عدد كبير من المهنيين (أطباء وتمريض ومهن طبية) للعمل كإداريين في خطوة يرى الخبراء أنها ضربة قاتلة للنظام الصحي الفلسطيني، خصوصاً أن وزارة الصحة وخلال السنوات الماضية قدمت العديد من الدورات التدريبية والإبتعاث للتخصص لهؤلاء المهنيين كلفتها مبالغ طائلة.

 

ورغم التحذير المستمر من وزير الصحة في حكومة حماس، من انهيار وشيك للقطاع الصحي في الأراضي الفلسطينية في حال استمرار الحصار الإسرائيلي والدولي المفروض ونفاذ المخزون من الأدوية، إلا أنه قام وحسب التقارير باستبدال المساعدات الطبية (أدوية السرطان) التي تقدمها الجمعية الشرعية لوزارة الصحة بمواد تموين قام بتوزيعها على منتسبي حماس في وزارة الصحة والباقي اختفى من مخازن الوزارة بقدرة قادر.

 

الحديث عن انعدام الخبرة وعلامات الفشل في إدارة وزارة الصحة في ظل الأزمات المتكررة التي كان الإحتلال والحصار سبباً في بعضها وتصرفات وزير الصحة كان السبب في البعض الآخر يطول ويطول، ومن أبرز هذه العلامات تحويل المستشفيات إلى ثكنات عسكرية والسيطرة الكاملة على مراكز صحية وتحويلها إلى مقرات دائمة للقوة التنفيذية (مركز الخدمات المساندة في الزيتون)، إضافة إلى العجز التام في تقديم عدد كبير من الخدمات مثل عدم توفير قائمة طويلة من الأدوية والفحوصات الطبية المخبرية..الخ، ومن العلامات الصارخة أيضاً التنازل المجاني وإعلان الوزير اكثر من مرة أن حركة حماس جاهزة للحوار مع إسرائيل لوضع حد للأزمة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية ، أضف إلى ذلك الأزمات التي افتعلها الوزير مع الإتحاد الأوروبي ووصف رغبتها بتقديم الرواتب للموظفين بالقرصنة السياسية المرفوضة واعتبار ذلك تدخلاً غير شرعياً في شئون وزارته، ومساومته للموظفين "بكل من يوقع على تنازل عن القدس سأسلمه راتبه"؟ .. الخ من الممارسات.

 

المطلوب من وزير الصحة في حكومة الوحدة الوطنية:

تبنت وزارة الصحة و منذ نشأتها شعار أن الصحة حق للجميع بالتركيز على خدمات الرعاية الصحية الأولية كمدخل للوقاية وتخفيف الأعباء عن خدمات المستوي الثاني، مدركةً صعوبة المهمة الملقاة على كاهلها. وسعت الوزارة وتسعى لخلق نظام صحي متكامل بجميع عناصره وأنشطته الهادفة بشكل أساسي إلى تعزيز وتحسين الوضع الصحي وإدامته في فلسطين وتقديم خدمات صحية مناسبة ومتكافئة ميسرة ماليـا وجغرافيا وذات جودة لجميع المواطنين دون تمييـز، موقنة أن تحقيق هذه الرسالة والرؤية يتطلب المشاركة الفاعلة من جميع الأطراف العاملة في القطاع الصحي بما فيها القطاع الخاص والمؤسسات الأهلية والمجتمع المدني.

 

ولكن وزارة صحة حماس أبت إلا أن تتبنى سياسة تقزيم إنجازات الحكومات السابقة وتشويه الحقائق واتهامها دائماً بالفساد، واقتصر إصلاح حركة حماس في عمليات الإقصاء والتهميش لفرض أمر واقع جديد، أدى إلى تعطيل الكفاءات والخبرات الوطنية في الوزارة خصوصاً في محافظات غزة ونتج عن ذلك انحدار شديد في مستوى تقديم الخدمات الصحية كماً ونوعاً وتجميد لكافة المشاريع التطويرية والتنموية والعمل على خلق جسم هزيل وبديل يتسم بالانتماء لللون الواحد على حساب الكفاءة والمهنية والخبرة.

 

وانطلاقا من المصلحة الوطنية العليا وفي هذه المرحلة الصعبة التي يجب بالتأكيد تحسين صورة وأداء وزارة الصحة فإننا نوصي فيما يلي:

 

1. العمل على إعادة ترتيب الإدارات وتنظيم المؤسسة على قاعدة تطبيق القانون وقرارات المجالس الوزارية السابقة التي جمدت و خاصة فيما يتعلق بالهيكل التنظيمي لوزارة الصحة وتسكين الموظفين حسب النظام فالأولوية لذوي الاختصاص والخبرة والأقدمية.

 

2. البدء في إعادة ترتيب الكوادر الموجودة في الإدارات المختلفة تباعاً حسب أهميتها.. المالية والمشتريات والشؤون الإدارية والخدمات والتمريض..الخ.

 

3. تشكيل مجلس معاون لمساندة معالي الوزير في دراسة الملفات والقضايا والمواضيع ذات العلاقة وتقديم النصح اللازم لتعزيز عملية اتخاذ القرارات.

 

4. مراجعة كافة القرارات التي تم اتخاذها في ظل حكومة حماسً ومدى توافقها مع النظام والقانون والمصلحة العامة و رد جميع القرارات غير القانونية وإنصاف كافة الموظفين اللذين تم اقصائهم ونقلهم بشكل تعسفي.

 

5. إلغاء كافة الملفات التي ابتدعتها وزارة صحة حماس لتكون إدارات موازية تابعة لمكتب وزير الصحة، والتي ألغت دور الإدارات والدوائر من صلاحياتها.

 

6. اعتماد مبدأ اللامركزية في الإدارة وتفويض الصلاحيات للوكلاء والمدراء العامين ومدراء الدوائر حسب الوصف الوظيفي في الخطة التطويرية التي أنجزتها وزارة الصحة في العام 2005.

 

واخيراً نرجو من معاليه خلال حفل الاستلام والتسليم (إذا حصل) ضرورة تذكير وزير الصحة المستقيل بما قام به من إجراءات خصوصاً فيما يتعلق ب تقزيم إنجازات الحكومات السابقة وتشويه الحقائق واتهامها دائماً بالفساد.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home