دراسات هامة

 

إعادة تقديم الحكايات الشعبية والتراثية لأطفالنا

تيسير المغربي



إعادة تقديم الحكايات الشعبية والتراثية لأطفالنا واجب وطني وتربوي
(روضة الفرخ الهدهد نموذجاً)

تيسير المغربي
ماجستير في أدب الأطفال


لا زلت أقف تلميذاً خلف قائمة طويلة من أدباء (أدب الأطفال) الكبار في وطننا العربي، الذين نادوا-سواء بالتنظير أو الممارسة- بضرورة إعادة تقديم الحكايات الشعبية والتراثية لأطفالنا، بعد تنقيتها وتبسيطها وملاءمتها لهم، ومن هؤلاء سليمان العيسى، يوسف عبد التواب، أحمد نجيب، علي الحديدي، أحمد المصلح، نعمان هادي الهيتي، عبد الواحد علواني، عبد الفتاح أبو معال، وآخرين.
إن الحقيقة الأدبية والتربوية التي يجهلها الكثيرون، أنه لا توجد حكايات شعبية خاصة بالأطفال، إلا بعد تبسيطها وتنقيتها من الخيالات المفزعة والقيم الضارة، والألفاظ النابية والشوائب المختلفة، لتناسب قراءات الأطفال، يقول الدكتور (هادي نعمان الهيتي) بوضوح:
 "فلا يوجد تراث من الحكايات الشعبية التي كان يقدمها الأقدمون إلى الأطفال، ويعود هذا إلى أن الكبار كانوا يتناقلون حكاياتهم ويعنون بها، لأنها تعبّر عن حياتهم وحدهم، بينما كانت حكايات الأطفال تظهر في كل عصر, ولكنها سرعان ما تنسى فتموت, ولم يبق إلاّ القليل من بين ذلك الفيض الذي يمكن القول إن الإنسان صاغه للأطفال"(1).
وعندما أراد الكبار تقديم قصص للأطفال، اتجهوا إلى الحكايات، ويمكن القول أن كثيراً من قصاصي الأطفال استمدوا من الحكايات الشعبية أفكار قصصهم، ولاقت هذه القصص هوى في نفوس الأطفال، وعندما تقوم الجدّات والأمهات بقص الحكايات الشعبية على أطفالهن مشافهةً، فهن يقمن بهذه العملية -تلقائياً- من ملاءمة وانتقاء للألفاظ والأساليب.

ولم يكن هذا الأمر بدعاً عندنا نحن الفلسطينيين، فقد جاءت النداءات التي طالبت بإعادة كتابة وتقديم الحكايات الشعبية للأطفال مبكرة تاريخياً، وذلك بعد تخليصها من شوائبها وعلاتها التربوية واللغوية والأخلاقية، على اعتبار أنها قد تشكل ضرراً للأطفال إذا ما تُركت على عواهنها، فجاء في الموسوعة الفلسطينية: منذ "السبعينات أطلقت بعض الصرخات تطالب الأدباء بالتوجه إلى الأطفال لنشر الحكايات الشعبية، كإحدى وسائل تلقين الأطفال ثقافتهم الوطنية، وكان من أبرز المطالبين بهذا، الكاتب والباحث (نمر سرحان)، الذي بذل جهداً في جمع الحكايات الشعبية الفلسطينية"(2).
وقد تبنت القصص الشعبية التي قدمها الأدباء الفلسطينيون منذ السبعينات خطّاً وطنيّاً بنّاءً، ساهم في زيادة وعي الأطفال بأرضهم والمخاطر التي تحذق بهم، فحذّرت قصة (توفيق زياد) (عباس الصياد وديك الحجل) إلى قضية (الجاسوس) الذي يكون من أبناء الشعب، ولكنه يتنكر لأهله ووطنه، ويساعد المحتلين في مهماتهم وسيطرتهم على وطنه.
 فعندما تنبه (عباس) الصياد إلى أن جاره يصيد من طيور الحجل أكثر منه، رغم براعة عباس في الصيد، وبعد اعتراف جاره بأنه يستعين بديك حجل سمين كطعم لجذب ديوك الحجل الأخرى، "وبحركة لا شعورية أدار عباس ماسورة البندقية نحو الديك، وضغط على الزناد ضغطة شحنها بكل الاشمئزاز الذي في الدنيا، وانطلقت رصاصة، وعباس ما زال يتمتم: "هذا جاسوس...يجر على بني جنسه...جاسوس..."(3).

ولعل نموذجاً فلسطينياً -آخر- مشرّفاً في فن الكتابة للأطفال، إذ ظلت صاحبته تحمل جرح النكبة النازف من مسقط رأسها يافا، إلى بلاد الشتات والمنافي، تأبى أن يندمل، حتى تزرع في أطفالنا بذرة الثأر والأمل معاً، فتركت لأطفالنا العديد من القصص والحكايات التي نالت عليها الجوائز الدولية، ولا زالت تنال، لأنها لا زالت تنزف شوقاً وحباً لأرضها ووطنها، فاستحقت بجدارة (أميرة أدب الأطفال الفلسطيني)، هي الأديبة (روضة الفرخ الهدهد)، أول من ذُكرت في الموسوعة الفلسطينية على أنها مخلّدة لحكايات الأطفال الشعبية، بعد معالجتها الفنيّة والتربوية، فتقول (نجلاء بشّور)، التي تصدَّت لإعداد ملف أدب الأطفال في الموسوعة الفلسطينية، إن من أوائل الذين لبّوا واستجابوا لدعوة (نمر سرحان)، هي الكاتبة (الهدهد) التي "بدأت منذ العام 1986م إصدار سلسلة كتب بعنوان (حكايات الغول)، وهي إعادة صياغة حكايات شعبية مصورة كان قد جمعها (فايز علي الغول) نفسه"(4).
بدأت (الهدهد) الكتابة لأطفال فلسطين مبكراً، ولها اليوم أكثر من ثلاثين كتاباً ومسرحية وقصصاً مسلسلة للأطفال، تناولت فيها المراحل التاريخية المختلفة في فلسطين، بداية بقصتها (في أحراج يعبد-الشيخ عز الدين القسام) في عهد الإنجليز، إلى قصتها (آيات الأخرس) التي تناولت فيها ملف الاستشهاديات الفلسطينيات، و"الهدهد" عضو الهيئة العمومية في المجلس العربي للتنمية والطفولة، نالت جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية عن قصتها (قافلة الفداء)، ونالت درع سلاح الجو الملكي الأردني عن قصتها (أسد فوق حيفا)، وجائزة خليل السكاكيني لأدب الطفل وثقافته، وهي عضو في مؤسسةIBBY المؤسسة الدولية لكتب الشباب والأطفال ومقرها سويسرا(5).

كتبت روضة الفرخ الهدهد سلسلة (حكايات الغول) مستفيدة من الحكايات الشعبية الفلسطينية التي جمعها (فايز علي الغول)، فكانت مثالاً يُحتذى في مقدرتها على توظيف الحكايات الشعبية في البناء النفسي والعقلي السليمين للأطفال الفلسطينيين، تقول المؤلفة: "هذه السلسة تعتمد في أصولها على الحكايات الشعبية التي جمعها المربي الفاضل المرحوم (فايز علي الغول) وكان قد جمعها من أفواه الناس في تجمعاتهم المختلفة، ووضعها في كتاب (حكايات بلادي)، ولعل الحكايات الشعبية هي تراث الأمة وفكرها، وهي ملك الشعب يتوارثها جيلاً بعد جيل، ويستمتع بقراءتها في كل الأوقات"(6)، وقد انتقت الكاتبة الحكايات الشعبية المناسبة للأطفال، وحافظت على روحها وأفكارها في قصصها، وبسّطت الألفاظ والتسميات، وأرفقتها بالرسم والألوان.

ومن قصص السلسلة قصتها (مغامرات ريان)، وتتحدث فيها عن اليهودي الثري صاحب الأموال الكثيرة، الذي يعمل جاهداً على شراء (حجلة) من (قاسم) الفقير، حتى إذا ما سنحت له الفرصة بغياب (قاسم)، اشترى الحجلة من زوجته بثلاثة آلاف دينار، فوافقت الزوجة الفقيرة، واشترط عليها اليهودي: "إن سقط منها شيء أو فقد، شققت بطن من يأكله حتى أخرجه منه، فهمتِ؟! نعم لا يأكل منها أحد شيئاً وإلا أخرجت ما أكله من بطنه"(7)، ووقع الابن (ريان) في المحظور، حين أكل قانصة الحجلة، فظل اليهودي يطارده طوال القصة ليشق بطنه ويستعيد قانصة الحجلة.
وقصتها هذه، تعد من القصص الفلسطينية النادرة الموجهة للأطفال، والتي تتناول شخصية اليهودي القائمة على الرغبة في القتل والانتقام بعيداً عن بزّته العسكرية، وهي متأثرة في ذلك بالآداب العالمية، فشخصية اليهودي في القصة امتصاص -تناص- لشخصية اليهودي (شايلوك) في (تاجر البندقية) (1595م) حين استدان (أنطونيو), التاجر الفينيسي من المرابي اليهودي (شايلوك) Shylock ثلاثة آلاف قطعة ذهبية تمكيناً لصديقه (باسانيو) Bassanio من الزواج من (بورشيا) Portia الثرية، ويشترط المرابي على التاجر أن يقتطع رطلاً من لحمه إذا لم يرد إليه المال في الموعد المحدد، ويوافق (أنطونيو), ولكنه يعجز عن رد المال، فيصر (شايلوك) على تنفيذ ما ألزم به التاجر نفسه, وهو الموافقة على اقتطاع رطل من لحمه"(8)، ويشترك في القصتين: شخصية اليهودي الثري، ورغبة اليهودي القاسية في استرداد الدين من لحم المُستدين، والرقم ثلاثة آلاف.

وتتكرر شخصية اليهودي الشرير في قصتها (ليلى والكنز) حين يراود (اليهودي) بالمال والتهديد -معاً- (سالم) الفقير لكي يبيعه زوجته لذبحها، ونقرأ:"قال اليهودي: كن عاقلاً، وتصرف بحكمة وحزم، في بيتك كنز لا ينفتح إلا إذا ذبحت امرأتك ليلى، وجرى دمها على الصخرة الملساء فيه، فإذا ذبحتها واستخرجت الكنز، أعطيتك ألفاً أخرى، ويمكنك أن تتزوج خيراً منها بثلاثين ديناراً"(9).
وإن كانت القصتان السابقتان تدعوان إلى كشف أبعاد شخصية اليهودي القائمة على الحقد والطمع، فإنها في قصتها الشعبية الثالثة (هل يكفي الحظ) تدعو أطفالنا إلى قيم تربوية حميدة بلغة سليمة، لكي يتخلوا عن البلاهة والغباء، ويتحلوا بالذكاء والفطنة والنباهة من خلال شخصية (سالم وسويلم)(10)، وهذه الحكاية نفسها كتبها (نجيب نبواني) -المولود في جولس عام1935م- بأسلوبٍ مختلف في قصته (الفقير الغبي)(11)، مع المحافظة على روح الحكاية الأصلية، مما يدلل على تنبه أدبائنا الأدبي لضرورة إعادة تقديم الحكايات والقصص الشعبية الفلسطينية الهادفة لأطفالنا بأثواب وحلل جديدة.

هذه إطلالة قصيرة على بعض النماذج المشرّفة من أعمال أدبائنا الفلسطينيين، الذين أعادوا فيها إعادة تقديم الحكايات الشعبية لأطفالنا، لكي تساعدهم على بناء شخصياتهم ونموها في إطار من التوجيه والإرشاد السليمين، وبلغة فصيحة، وهو جهد يحتاج إلى المزيد من العطاء، ولا أدري، لماذا حُرم أطفالنا في فلسطين من قراءة أعمال (روضة الفرخ الهدهد)، وغيرها من الأعمال المعالَجة، ومن المسئول عن تقديم الحكايات الشعبية -بعلاتها- لأطفالنا في المدارس، وهي أقل ما توصف به أنها غير جاهزة ولا ناضجة لقراءات الأطفال؟
إننا من خلال هذا المنبر، ندعو الأدباء، والعاملين في حقل تنمية قراءات الأطفال، خاصة وزارة التربية والتعليم العالي ووزارة الثقافة، أن يشجعوا على إعادة كتابة الحكايات الشعبية لأطفالنا ونشرها بينهم، بإجراء المسابقات، وإحياء القصص الشعبية الجادة التي حُرموا منها، بعد تخليصها -كما يرى الدارسون- من الألفاظ النابية ومفاهيم الإغراق في القدرية والقسمة والنصيب, وأفعال الزمن ومكائده، والهروب من المسؤولية, ونزعة التبرير, ورد الأمور إلى إرادات مستترة, والاندفاع والطيش، والإيمان بالمشعوذين والدجالين, والمعتقدات الشعبية القديمة كظاهرة العين والتشاؤم... الخ، ولتكن هذه هي المعايير الأدبية و الفنية التي يتم على أساسها انتقاء الأعمال ونجاحها. 
فلا زال من "وظائف الحكايات الشعبية: الترويح عن النفس، وتثبيت القيم الثقافية، والتعليم والتلقين، والتلاؤم مع أنماط السلوك(12)، ذلك إذا ما أحسنا انتقاءها، وإعادة تقديمها لفلذات أكبادنا، لأن منها "ما ينبغي إبعاده عنهم، لما تحمله من أضرار، ومنه ما يمكن إعادة كتابته في مضمون وشكل قشيبين"(13).

الهوامش:
(1) هادي نعمان الهيتي، الطفل العربي وثقافة المجتمع، دار الحداثة، بيروت، 1984م، ص186.
(2) الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني (الدراسات الخاصة)، المجلد الرابع (دراسة الحضارة)، ط1، بيروت، 1990م، ص245.
(3) توفيق زياد، قصة عباس الصياد و ديك الحجل، من مجموعة حال الدنيا، مطبعة أبو رحمون، عكا، ط2، 1994م، ص76.
(4) الموسوعة الفلسطينية، مصدر سابق، ص245.
(5)انظر: سمر روحي الفيصل، معجم القاصات والروائيات العرب، جروس برس، طرابلس، لبنان، ط1، 1996م، ص50-51.
(6) روضة الفرخ الهدهد، هل يكفي الحظ، سلسلة حكايات الغول، دار كندة للنشر والتوزيع، عمان، 1985م، (الفقرة من مقدمة القصة).
(7) روضة الفرخ الهدهد، مغامرات ريان، دار كندة للنشر والتوزيع، عمان، 1985م. ص4
(8)انظر: وليم شكسبير، تاجر البندقية، ترجمة غازي جمال، دار القلم، بيروت، لبنان، ط1، 1978م.
(9) روضة الفرخ الهدهد، ليلى والكنز، سلسلة حكايات الغول، دار كندة للنشر والتوزيع، عمان، 1986م.ص10.
(10) انظر: روضة الفرخ الهدهد، هل يكفي الحظ، سلسلة حكايات الغول، دار كندة للنشر والتوزيع، عمان، 1985م.
(11) نجيب نبواني، الفقير الغبي، مركز أدب الأطفال، حيفا، 2000م، ص14-17.
(12) رشدي صالح، المأثورات الشعبية، مجلة عالم الفكر، م3، عدد1، الكويت 1972م، ص72.‏
(13) هادي نعمان الهيتي، الطفل العربي وثقافة المجتمع، ص186.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home