دراسات هامة

 

محطات نوعية من شعر القرن الأول الهجري

نضير الخزرجي



محطات نوعية من شعر القرن الأول الهجري
نضير الخزرجي*
يشكل الأدب خزينا وجدانيا ومصرفا مشاعريا، يفيض من لسان الأديب او ينسال على يراعه في كل هاجس يتوقد من داخله او توقد مشعله حادثة او واقعة، فيكون النتاج الأدبي ابن لحظته يؤرخ للحدث ويبقى معه ما كان الحدث مغروسا في وجدان التاريخ وضمائر الناس تتناقله جيلا بعد آخر.
وعندما يكون الحدث قنبلة تتشظى هنا وهناك ولا ينقطع صداها ما دارت الأيام والقرون، فان الأدب الناقل للمشاعر والأحاسيس لا ينفك يحتك مع دوائر الحدث المتموجة مكانا وزمانا، فتتولد من هذه الانفعالات روائع أدبية تخلد الحدث. ومثل هذا الانفجار الأدبي حصل مع ثورة الطف في كربلاء المقدسة في العام 61 هجرية عندما سقط على الأرض ولي من أولياء الله المقربين وسبط أفضل الأنبياء والمرسلين الخاتم محمد بن عبد الله (ص)، وتروّت عرصات كربلاء بدماء الامام الحسين (ع) وأهل بيته العظام وأصحابه الكرام، فانبرى الوجدان الأدبي يرسم بريشة مشاعره الجيّاشة لوحة النهضة الحسينية ومآثرها شعرا ونثرا.

حياة الأديب
 بيد أن الأمر مع النهضة الحسينية اختلف كثيرا، فالأديب يؤرخ الحدث فيعيش الحدث بِنَفَس الأديب ومشاعره، لكنما في النهضة الحسينية وتفاعلاتها وآثارها القريبة والبعيدة، فان الحدث هو الذي ينفث في الأديب الروح والحياة، لأن الحسين (ع) حدث قائم يتجدد على جبهات الصراع المستديم بين الحق والباطل في كل عصر ومصر، فالقلم الذي ينظم الحسين نثرا او شعرا يتلألأ نصله بنور الحسين (ع) الذي حطم نواصل الأعداء في كربلاء وإن داست الخيل صدره ورفعوا فوق القناة رأسه، وقادوا الى الشام رحله، وسَبَوا نساءه، وانتهكوا حُرمه، وصدق الشاعر حينما قال:
ظنوا بأن قتل الحسينَ يزيدُهم .... لكنما قتل الحسينُ يزيدا
هذه الصورة المتألقة في سماء النهضة الحسينية، نستبين خطوطها وملامحها من خلال الجزء الثاني من كتاب "ديوان القرن الأول" المختص بالحسين في الشعر القريض، للمحقق الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي الصادر في لندن عن المركز الحسيني للدراسات، في طبعته الأولى في 460 صفحة. وهذا الجزء هو مكمل للجزء الأول الذي تناول الأبيات والمقطوعات والقصائد التي نظمت في القرن الأول الهجري (16/7/622-23/7/719م) من مركز النهضة الحسينية ووحيها والدوائر المحيطة بها، وتم تنظيم قوافيها مع شروحاتها المستفيضة حسب الحروف الأبجدية، حيث يبدأ الجزء الثاني من حيث انتهى الجزء الأول، فتتصدره قافية العين حتى الياء، وقد برع المحقق في نسبة البيت الى صاحبه او رده عنه، وبخاصة في الروايات المتضاربة، ليس بملاحظة سلسلة الرواة، أو معاينة الواقعة بمنظار التاريخ فحسب، بل باعتماد أسلوب تشريح مفردات النص الشعري وشرحها ومقارنتها بما تواتر عن الشخصية من نصوص، فيحكم بعائدية النص اليها من عدمه.
ومن يقرأ الأشعار التي أعطى المصنف لكل قطعة او مقطوعة عنوانا خاصا بها، يخرج بحصيلة وافرة من الاستنتاجات نشير الى أهمها:

ملهمة حركات الإصلاح
* كانت كربلاء ولا زالت ملهمة لكل الحركات والنهضات الإصلاحية الساعية لإرجاع الحق الى نصابه وتخليص الأمة من شرور الظالمين، ولذلك فان الشعراء تناولوا واقعة كربلاء وهم يخلدون للحوادث التي حصلت بعد العام 61 هـ، وبخاصة الوقائع العسكرية الهامة مثل حركة سليمان بن صرد الخزاعي (ت 65 هـ) في الكوفة والشهيرة بحركة التوابين وقيادته لمعركة عين الوردة (أكبر منابع نهر الخابور) في العام 65 هـ بالضد من جيش الشام، ونهضة المختار بن أبي عبيدة الثقفي (ت 67 هـ) وتوليه حكم الكوفة في العام نفسه بإيعاز من محمد بن الحنفية بن الامام علي (ت 81 هـ) وتأييد الامام السجاد علي بن الحسين (ت 95 هـ)، ومعركة نهر الخازر قرب الموصل في العام 66 هـ بقيادة ابراهيم بن مالك الأشتر (ت71 هـ) بالضد من جيش المخلوع عبيد الله بن زياد والي الأمويين على العراق، وحركة عبد الله بن الزبير وإسقاط حكومة المختار في العام 67 هـ، وما توالت من حوادث جمة. من ذلك قول وهب بن زمعة الجمحي (ت 64 هـ)، في قصيدة من بحر الطويل:
عجبتُ وأيام الزمان عجائب .... ويظهرُ بين المعجباتِ عظيمُها
تبيتُ النشاوى من أمية نُوَّماً .... وبالطف قتلى ما ينام حميمها

أرجوزة الردع العسكري
* يلاحظ من الأراجيز التي كانت تلقى في المعارك، وجود نوع من الإشهار والتعريف بنوع السلاح الذي يحمله المبارز والتغني به، الى جانب التغني بالنسب والافتخار بشخصية المبارز نفسه، وهذه سمة الأراجيز، وكأن المبارز يحاول بذلك إدخال الرعب في الخصم وهو نوع من الإغواء للطرف الآخر لدفعه الى التهور والمجازفة، أو ربما دعوة لحمله على إخراج آخر مبتكراته العسكرية وما يمتلك من عتاد، أو ربما من قبيل الردع الذاتي يستخدمه الجيش في ساحة المعركة، وهو أشبه بوسائل الردع التي تستخدمه الحكومات في الوقت الحاضر، حيث تظهر بعض أسلحتها العسكرية الحديثة أمام عدسات وسائل الإعلام من أجل إيصال رسالة الى القوى المنظورة وغير المنظورة وفي سبيل خلق توازن عسكري مع الجيران والدول الإقليمية. ومن ذلك قول احمد بن الحسن بن علي (ع) المستشهد بكربلاء في العام 61 هـ، من الوافر:
إليكم من بني المختار ضَرباً .... يشيبُ لِهوله رأسُ الرضيعِ
يُبيدُ معاشرَ الكفّار جمعاً .... بِكلِّ مُهنّدٍ عضبٍ قطيعِ
فالمبارز هنا ينشر الرعب في صدر الخصم بما يمتلكه من الحسام المهنّد، حيث كان السيف المصنوع في الهند، او المطبوع من حديد هندي، يسمى مهنّدا، وهو مشهور بحد سنانه وصلابة عوده في المعارك ومرونة المناورة به، ثم انه من الغلاء لا يستعمله إلا الفارس المغوار، فالمهند هنا إشارة الى قوة السلاح ومهارة حامله وموقعه العسكري والاجتماعي، وربما إشارة الى القوة بشكل عام.
ومن ذلك أيضا، قول علي الأكبر بن الحسين بن على (ع) المستشهد بكربلاء في العام 61 هـ، من الرجز المشطور:
أضربكم بالسيف حتى يُفلَلِ
ضَربَ غلام هاشمي بطلِ
أطعنُكم بالرمح وسط القَسطَلِ
فالمبارز هنا لا يفاخر بنفسه وحسبه ونسبه كونه من أكرم القبائل العربية أرومة فحسب، وإنما يفاخر بسلاحه، وبخاصة استعماله للرمح وسط القسطل أي الغبار التي تثيره حوافر الخيل من شدة وقع الحرب، فهو لمهارته لا يمنعه الغبار المتصاعد من خوض المعركة برمحه، أي يلفت نظر الآخر الى ما يتملكه من مهارة التصويب واصطياد الهدف رغم الظروف البيئية المحيطة وقلة الرؤية او انعدامها.

كهولهم شباب!
* يكثر في أدب الحروب استعمال المبارز في أرجوزته مفردة "الغلام" أو "الفتى"، حتى وإن كان المبارز من الكهلة او الشيوخ، مع أن الغلام من حيث اللغة هو الشاب الطارّ الشارب، والفتى الشاب الحدث، بيد أن هذا الوصف هو إشارة الى العنفوان والشبابية رغم الشيخوخة البدنية، وهو نوع من التفاخر الذاتي واستشعار القوة البدنية والنفسية في المبارز نفسه، وقذف الرعب في روع الطرف الآخر وقلبه. ومن ذلك قول الحر بن يزيد الرياحي المستشهد في كربلاء العام 61 هـ من الرجز المشطور:
أضرب في أعراضكم بالسيف
ضَربَ غلامٍ لم يخف من حيف
أنصرُ مَن حَلّ بأرض الخيف
نَسلُ علي الطهر مقري الضيف
 وهذا النوع من الاستخدامات كان قائما في الأدب العربي قبل وبعد الإسلام للدلالة على الشجاعة ورفض الظلم، ولذلك فان القرآن الكريم وصف أهل الكهف رغم تقدمهم بالعمر بأنهم فتية، قال تعالى في سورة الكهف: 13: (نحن نقصّ عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى).
 
ديوان النهضة
* لم يبتعد عن قوس الحقيقة، من وصف الشعر العربي بأنه ديوان العرب، وهذا ما نلاحظه من خلال قراءة قصائد ديوان القرن الأول من الشعر العربي القريض الخاص بالإمام الحسين (ع) بجزئيه الأول والثاني، فبعض المقطوعات والقصائد تجد فيها اشارات واضحة الى القيادات البارزة المشاركة في معركة الطف او المعارك والوقائع الحاصلة من وحي النهضة الحسينية، وتفاصيل عن العشائر المساهمة في هذه المعركة او تلك، ونوع الفعاليات التي كانت تقوم بها ومواقعها على أرض المعركة، وهذه التقارير الشعرية في واقع الحال لها شبه كبير بالتقارير الإخبارية في عالم الصحافة والإعلام اليوم، أي إن قارئ الشعر أشبه بمتلقي يجلس خلف المذياع او قبالة الشاشة الفضية يستمع الى نشرة خبرية عن حادثة او واقعة يلخصها له المراسل او المندوب الإعلامي، من ذلك قصيدة لعبد الله بن همّام السلّولي المتوفى حدود عام 100 هـ يسرد فيها بأسلوب منظوم وقائع سيطرة المختار الثقفي على حكم الكوفة والعشائر المشتركة ضمن قطعات جيشه وما حلّ بقتلة الإمام الحسين (ع) والحوادث التي حصلت خلال السيطرة على قصر الإمارة، حيث ينشأ السلولى من بحر الطويل:
وفي ليلة المختار ما يُذهل الفتى ... ويلهيه عن رُؤد الشباب شموع
دعا يا لثارات الحسين فأقبلت ... كتائب من همدان بعد هزيع
ويأتي الشاعر على ذكر كل قبيلة وعشيرة شاركت في حرب التحرير وقياداتها، وما آل الأمر بها فيما بعد، أي أن الشاعر لم يكن لسان حال العشيرة او الفئة التي ينتسب لها فقط، وإنما هو مراقب وإعلامي وربّان يقود سفينة الشعر ينقل الحدث والواقعة الى الأجيال عبر بحور النظم وأوزانه.

توبة وندم فخر وحزن!
* يتصف الشعر الذي تبع واقعة كربلاء وبخاصة المنطلق من أفئدة الموالين لأهل البيت النبي (ص)، كما يقرر المحقق الكرباسي ومن خلال المتابعة اتصافه بالندم والتوبة، كما يتصف في كثير منه بالدعوة الى الثأر من النظام الأموي، فضلا عن سمة الفخر والحماس بخاصة أثناء المعارك، وتشبع المقطوعات والقصائد بالرثاء والحزن العميق على المصاب الجلل الذي حلّ بالإسلام والمسلمين بقتل سيد شباب أهل الجنة، أو قتل من يناصر النهضة الحسينية. ومن ذلك قول رفاعة بن شداد البجلي (ت 65 هـ) في معركة عين الوردة، من الرجز المشطور:
يا ربّ إني تائب إليكا
قد اتكلت سيدي عليكا
قِدما أرجّي الخير من يديكا
فاجعل ثوابي أملي لديكا
أو قول عبيد الله بن الحر الجعفي (ت 68 هـ) من بحر الطويل يقول في بعضها مخاطبا الحسين (ع) عند زيارته لقبره (ع):
فيا ندمي أن لا أكون نصرتُهُ ... ألا كلُّ نفس لا تُسددُ نادمه
وإني لأني لم أكن من حُماته ... لذو حسرة ما أن تفارق لازمه

ولليمن دورها
* اشتهرت عشائر عربية بالقتال والمبارزة، وبخاصة عشائر اليمن التي نزحت الى المدينة المنورة قبل الإسلام، ونزحت الى العراق بعده، فكان ذكر اسمها يرعب الآخرين، وقد استفاد أبناء هذه العشائر من هذه الصفة، في الاعتزاز بالعشيرة وبيان موقعهم النسبي فيها، بخاصة عند المعارك والأزمات، وهذا ما نلاحظه في الأدب العربي بعامة، والأدب الحسيني بخاصة. من ذلك قول نافع بن هلال الجَملي المستشهد في كربلاء العام 61 هـ، حيث اخذ يرتجز من (المشطور) حين نفذت سهامه:
أنا الغلام اليمنيُّ الجَمَلي
ديني على دين حسينٍ وعلي
إن أُقتل اليومَ فهذا أملي
أضربُكم حتى ألاقي أجلي
أو قول عبد الرحمان بن عبد الله اليزني المستشهد في كربلاء العام 61 هـ، وهو يرتجز من (المشطور):
أنا ابن عبد الله من آل يزن
ديني على دين حسينٍ وحسن
أضربكم ضرب فتى من اليمن
أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن

وقائع لها عودة
* وردت في مقطوعات وقصائد كثيرة، تؤرخ لحركة المختار الثقفي مصطلح "شرطة الله"، وهذا ما كان يطلق على شرطة الكوفة تمييزا لها وتعظيما إذ كانت هذا الكتيبة تتقدم جيش المختار في حركته العسكرية وخططه لبسط سيطرته على العراق انطلاقاً من مدينة الكوفة، فهي في عالم اليوم أشبه بالقوات الخاصة عالية التدريب.
 وربما استفادت "حركة قاضي السماء" في مدينة الكوفة والتي وأدتها السلطات العراقية في مهدها في الثامن والتاسع من محرم الحرام العام 1428 هـ (28-29/1/2007م)، من بعض مفاصل حركة المختار، ومنها التسمية، فأطلق قائدها مدّعي المهدوية ضياء عبد الزهرة الگرعاوي الذي قتل في الهجوم، على أفراده اسم "جند السماء" ووصف السرايا الخمسة التي شكلها في بساتين منطقة "الزرگة" بجند الرعب، استحضارا للإشارات التراثية القائلة بان جند الامام المهدي المنتظر (ع) منصور بالرعب ومؤيد بالنصر.

بين مدرستين
* في الوقت الذي يقرر الامام الحسين بن علي (ع) في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: (وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب (ع)، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومَن ردّ علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين)، يلاحظ في الطرف الآخر نكران صريح لرسالة الإسلام وجحود بنبوة النبي محمد (ص) وإقرار بان معركة كربلاء هي معركة اخذ ثارات بدر وحنين، حيث كان للإمام علي (ع) (ت 40 هـ) قصب السبق بالإطاحة برؤوس الشرك والكفر والنفاق في معظم حروب الإسلام الدفاعية. ومن ذلك، قول يزيد بن معاوية (ت 64 هـ) عندما اُدخل على مجلسه في دمشق رأس سيد الشهداء الامام الحسين (ع)، فأنشد من الرمل، مضمنا أبيات من قصيدة الشاعر الجاهلي ابن الزبعرى، في قصيدة، منها:
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جَزع الخزرجِ مِن وقع الأسل
لو رأوه لاستهلوا فرحا ... ثم قالوا يا يزيد لا تُشل
لست من خِندفَ إن لم أنتقم ... من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا ... خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل
قد أخذنا من عليٍّ ثأرنا ... وقتلنا الفارس الليث البطل
أو قوله من الكامل:
نَعَب الغرابُ فقلت صِح أو لا تصح ... فلقد قضيت من النبي ديوني
أو قوله من الرجز المشطور، وقد وضع رأس الامام الحسين (ع) في طست أمامه:
شفيتُ غِلّي من دم الحسين
كيف رأيت الضربَ يا حسين
وقد قضيتُ منك كلَّ دَين
فالأبيات حاكية بصريح العبارة عن عصبية جاهلية لم ينزع النظام الأموي قميصها، وحوّل نظام الخلافة الاسلامية الى ملك عضوض.

المرأة ريادة وبطولة
*لم تخلو قافية من قوافي الشعر التي تضمنها القرن الأول في جزئيه الأول والثاني، وبشكل عام من مقطوعة او قصيدة منسوبة للسيدة زينب الكبرى بنت الامام علي بن أبي طالب (ع) (ت 62 هـ) التي رأت في كربلاء مصارع إخوانها وأبنائها وأبناء إخوانها وعمومتها، كما شهد لها التاريخ بخطبها في الكوفة والشام، ولذلك لم يعدم الصواب من وصفها بأنها رائدة الإعلام الحسيني، واليها يعود الفضل الكبير في نشر مظلومية الامام الحسين (ع)، كما كان لها من قبل قصب السبق بنشر كامل خطبة أمّها فاطمة الزهراء (ع) في محضر الخليفة أبي بكر في 11 هـ، التي نتلمس من خلالها خيوط العلاقة بين البيت العلوي وسدة الخلافة، ومعالم الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي كانت عليه الجزيرة العربية قبل وأثناء وبعد رحيل والدها النبي محمد (ص).
من هنا فحينما ألقت خطبتها الشهيرة في الكوفة، وقلبت على السلطة ظهر المجن، ردّ عليها واليها عبيد الله بن زياد، وقال: هذه سجّاعة ولعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً. فقالت: (يا بن زياد ما للمرأة والسجاعة، وان لي عن السجاعة لشغلاً). وصدقت لأن أهل البيت (ع) منطقهم القرآن وقد زقوا العلم زقا كبيرهم وصغيرهم رجالهم ونساءهم، وتخرج الكلمات عندهم على سجيتها من غير تكلف، وفي "المجازات النبوية" و"نهج البلاغة" برهانان من محمد (ص) وعلي (ع). ولعل الشيخ الكوفي الذي كان يستمع اليها وقد اخضلت لحيته من الدموع كان اقرب الى الحقيقة عندما قال: "بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النّساء ونسلكم خير نسل ..".

وحدة الولاء الديني
* تكتشف من خلال المقطوعات والقصائد، أن ولاء أصحاب الحسين (ع) هو ولاء علوي محمدي، يجمع بين النبوة والإمامة، فلا ثنائية في الولاء، فالدين الذي يسيرون عليه هو دين الحسين (ع) وهو دين علي (ع) وهو دين محمد (ص)، كما أن السنّة التي يعملون بهداها هي سنة النبي محمد، وإنما ظهرت التنوعات المذهبية في القرن الثاني الهجري، ولم يتعد دائرة الصواب من وصف أتباع أهل البيت (ع)  والشيعة الإمامية بأنهم أهل السنّة، وهذا ما نلمسه بين طيات الأبيات. ومن ذلك قول المعلى بن العلى البجلي المستشهد في كربلاء العام 61 هـ، من الرجز المشطور:
أنا المعلّى حافظا لأجلي
ديني على دين النبي وعلي
أو قول نافع بن هلال الجَملي المستشهد في كربلاء العام 61 هـ من منهوك الرجز:
أنا الهِزبرُ الجَمَلي
أنا على دين علي
ودينه دين النبي
أو قول عون الأكبر بن عبد الله بن جعفر المستشهد في كربلاء عام 61، من الرجز المشطور:
أقسمت لا أدخل الاّ الجَنّة
مواليا لأحمد والسُّنّة
أو قول عمير بن مطيع المستشهد في كربلاء عام 61، من الرجز المشطور:
أقسمتُ لا أدخل إلا الجنة
مع النبي وقسيم الجنّة
مصدّقا بأحمد والسّنّة

ثنائية الولاء السياسي
 * لا ينحصر الفخر والاعتزاز عند النظم بالمرء وعشيرته او سلاحه، وإنما يتعداه الى الولاء السياسي والديني، وقد استطاع الإعلام الأموي أن يخلق تيارا مناصرا للخليفة عثمان بن عفان المقتول في العام 35 هـ على يد الجيوش القادمة من مصر والعراق والجزيرة العربية، ولهذا اشتدت في العصر الأموي الولاءات والعصبيات لهذا الشخص او ذاك، وكما يؤكد المحقق الكرباسي: "كان أكثر المسلمين بعد فتنة عثمان على قسمين، قسم مع الامام علي (ع) وكانوا يعرفون بشيعة علي وآخرون كانوا مع عثمان بن عفان فكانوا يعرفون بشيعة عثمان، واستمر هذا المصطلح الى ما بعد استشهاد الامام الحسين (ع)" بعقود كثيرة، وهذه الولاءات كانت ظاهرة في الشعر بشكل جلي. ومن ذلك قول رفاعة بن شداد البجلي (ت 66 هـ) من الرجز المشطور أنشدها وهو يقاتل أعداء الامام الحسين (ع) الى جانب المختار الثقفي:
أنا ابن شدادَ على دين علي
لست لعثمان بن أروى بِوَلي
لأصليَنَّ اليوم فيمن يصطلي
بِحرِّ نار الحرب غير مؤتل
وكان زهير بن القين المستشهد بين يدي الامام الحسين (ع)، معروفا بمناصرته للخليفة عثمان، وكان يشار اليه بأنه عثماني ومن قيادات الحزب العثماني، وقد التقاه الامام الحسين (ع) في منطقة "زرود" وهو في طريقه الى الكوفة، فانحاز الى الحسين (ع) وغيّر من ولائه السياسي مع أول لقاء مباشر به، ولهذا أنشد في معركة الطف قائلا من الرجز المشطور:
فدتك نفسي هاديا مهديا
فاليوم ألقى جدّك النبيا
وحسناً والمرتضى عليّا
وذا الجناحين الفتى الكَميا
وأسد الله الشهيد الحيّا

وأخيراً
ضمّ هذا الديوان، 169 قطعة شعرية لمائة وخمس عشرة شخصية، مع قطعة مستدركة من الجزء الأول تحت قافية الراء، وهو يحمل التسلسل رقم 125 من سلسلة دائرة المعارف الحسينية في 600 مجلد، وقد صدر منها حتى يومنا هذا 34 مجلدا.
وأنهى المحقق الكرباسي ديوان القرن الأول في الجزء الثاني كما في جزئه الأول بمجموعة فهارس تقود القارئ الى المعلومة الواردة بين دفتي الكتاب على مركب سهل، فيتابع من خلال فهارس المتن: فهرس الأعلام والشخصيات، القبائل والأنساب والجماعات، القوافي والروي، البحور والأوزان. ويتابع في فهارس الهامش: فهرس الأبيات وأنصافها، التأريخ، الناظمين والشعراء، الأعلام والشخصيات، القبائل والأنساب والجماعات، اللغة. وفي الفهارس المشتركة بين المتن والهامش، يتابع: فهرس الآيات المباركة، الأحاديث والأخبار، الأمثال والحكم، مصطلحات الشريعة، المصطلحات العلمية والفنية، الطوائف والملل، الوظائف والرتب، الآلات والأدوات، الإنسان ومتعلقاته، الحيوان ومتعلقاته، النبات ومستحضراته، الفضاء ومتعلقاته، الأرض ومتعلقاتها، المعادن، الأماكن والبقاع، الزمان، الوقائع والأحداث، المؤلفات والمصنفات، المصادر والمراجع، مؤلفي المراجع.
وكما هو دأبه، ضمّن في نهاية الديوان قراءة نقدية بقلم الدكتور محمد عبد الجبار بيك الأكاديمي في جامعة كامبردج البريطانية، وهو مسلم بريطاني من طائفة السنّة، خلص فيها الى: "إن المؤلف عمل بدأب ليس فقط على إجراء المقارنة بين الأبيات المقتطفة والأشعار القصيرة المعبرة عن عاطفة وتبجيل إسلامي أصيل وحب لأهل البيت وتقييمها، بل وقدّم في الهامش كذلك معلومات تاريخية موجزة عن كل شاعر وردَ شيء من شعره في الكتاب .. وكذلك تقديمه شروحات لكلمات عربية صعبة ونادرة، وملاحظات ذات صلة بسير حياة ناظمي الأبيات"، ووجد في نهاية تقييمه: "إن الكتاب يقدم كنزا ويعد جزءاً من التراث الاسلامي"، وهو كذلك، بيد أن التراث يتجدد، لأن النهضة الحسينية حية في قلوب الناس، ولذلك فلا عجب أن يفوق عدد زوار الامام الحسين (ع) في يوم الأربعين للعام الجاري 1428 هـ (2007م) التسعة ملايين مسلم، ازدحمت بهم شوارع وأزقة مدينة كربلاء المقدسة، أتوا من كل حدب وصوب من داخل العراق وخارجه، في أول سابقة من نوعها تشهدها البشرية منذ أبينا آدم (ع) والى يومنا هذا، ولذلك يصح أن تقيد هذه الظاهرة المليونية في موسوعة "غينتس" للأرقام القياسية.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
alrayalakhar@hotmail.co.uk
 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home