القلم الفكري

 

فلسطين.....حنين الغربة والسجن

زياد أبو شاويش وسامي الأخرس وزياد صيدم



فلسطين ... حنين الغربة والسجن.. وغربة الروح

بقلم : زياد ابوشاويش ، سامي الأخرس ، زياد صيدم

عندما يكون القمر مكتملاً أرى وطني فلسطين ، وعندما يكون نصف قمر أراه أيضاً ، وعندما يغيب القمر تضيئني أنوارك يا وطني ، يا سحر الروح وسر البقاء ، يا لهفة النفس ومنتهى مبتغاها . ويحضرني السؤال دوماً لماذا أنت أيها الوطن البعيد تسكنني ، وجرحك يفتح ألف ذكرى تمر في القلب مع دوران الدم ، وفي اليقظة والحلم ؟.
لماذا وأنت الهم والجرح النازف وبقايا التشرد ، وتهمة الانتماء، وأقبية السجن ، وأعقاب البنادق ، والحواجز ، وصرخات الثكلى ، وأنين الجرحى ،ومصارع الأحبة والقادة العظام ، لماذا وأنت السيف والقلم والدواة ، وجور الشقيق ودهاليز المحطات المعتمة ، ومطارات العار
وبقايا الإقامة المرذولة والتوتر ، لماذا وأنت الأرق والفكر المشتت وانتظار المجهول ؟؟؟؟؟؟
لماذا وأنت كل هذا وبعضه الآخر تلامس منا شغاف القلب ونحبك ، تختلط بأرواحنا ، ونقدسك ،تنير لنا ، ولا نرى الشمس والقمر إلا مقترنة باسمك ؟؟؟؟؟
ما أصعب أن يكون المرء بلا وطن ، وما أتعس أن يكون هذا الوطن على مرمى حجر ولا تستطيع لمسه ، كالحبيب الذي يملأ عليك الدنيا وعندما تقترب لتأخذه بين ذراعيك تصحو لتجده حلماً بعيد المنال .
أيها الحبيب الذي واعدته فأخلف وعده وهجرني ، وترد الروح والنفس والعقل ما بك تنوح وهو قاب قوسين وأدنى ، مد ذراعيك ... أكثر قليلاً ثم أكثر ، ستجده كما العهد قمراً وشمساً ودفئاً ، وكل الجهات وكل الفصول .
جلسنا ثلاثتنا ،فما شعرنا إلا ورابعنا يغوص فينا ، يحرك راكد مشاعرنا التي كادت أن تتحجر عندما تصارع الأهل واقتتلوا ، كان الدفق كبيراً كما الحب والشوق ، لم نتردد ، وهل للتردد أن يكون ونحن نتحدث عن حب الوطن والشوق لربوعه ، وكيف تكون الغربة وأنت فيه ؟؟
وبدون نقاش التقت النفوس كما العقول والوجدان . كتب كل منا أحاسيسه وتركنا للقلم حرية البوح والمزج مع شوق الغريب عن وطنه، وبعض ما يطفو من حزن القلب وتعبه، عندما يبكي الوطن ، وضيق الروح وانعتاقها عندما تصغر الجدران والأبواب، ولا يسمع سوى أصوات خطواتهم الثقيلة في أقبية الظلم ، وعندما تنشد الروح الوطن وتبعده إشفاقا أن يوضع معها في الزنازين ، ليبقى معطراً ويعطي للوقت رائحة المسك .  لم نتردد في البوح ولا اختلفنا على العنوان ، وربما راودنا السؤال عن كل الأمر كالعشاق في رسم الأولويات ، وأين الأهم؟ فلم نجد جواباً ، لأننا لم نسفر عن السؤال أصلاً ، ولان شوق الأوطان وحب الأوطان وعشق الأوطان لا حدود له ولا جدران ، ولان الغربة في المنافي ، تساوي الغربة داخل الوطن ، ولأنهما يتماثلان مع غربة قسرية داخل أقبية السجون الرطبة ، عند عدو لا يعرف مدى حبنا لفلسطين ، لا يعرف كيف نرسمها مذ تلدنا أمهاتنا، ويقطعون لنا حبل السرة،ليصلوه بخارطة وطن لا يغيب ، وطن يعرف أبناءه ، ويسافر إليهم أينما كانوا ولا توقفه حواجزهم ولا أختامهم  . فجراً تلو فجر، يعانقون خارطة الوطن المرسومة على جدران زنازينهم ، يتأملون مفاتنها ، وهي شاخصة تتحدي عواصف الموت ، ورائحة الأقبية ، يلمسون بأصابعهم السجينة أشعة الشمس ، المتسربلة من نافذة القيد بملامح الوطن الجميلة، لتدفئ ألوان البندقية وتشعل نور الأمل من نفق مظلم أقحموا به مصير وطن .
غربة روح يتدارك ألمها هذا المناضل وهو يدون بقيده غيماته بالعودة ، العودة للديار وللمزرعة ، العودة لوطن واحد أشتق أحرفة من الجرح ، والمصير المتعملق بعشق فلسطين. أنه زمن العودة ، من شبح الموت الذي أطل من قمرة التشرذم والقيد .. ومن عتمة الزنزانة وظلام القهر ، ليوحد صناع الوحدة ، أسرانا البواسل الثابتين خلف ثوابتهم ، متشبثين بثوابتهم التي أفنوا عمراً من أجلها ، ثوابتهم المقدسة التي رسمت بالآهة والجرح النازف من معصم الحرية.لا زالوا يعيشون بالأمل والإيمان بحتمية الوحدة تسكنهم فلسطين الواحدة ، فلسطين الانتماء والأرض والهوية ... فلسطين بلا تجنيس ، سيعودوا للديار ويدونوا ملحمة على صفحات المجد المشرقة ... عائدون .. بجرحهم بغربتهم ، بعتمة زنازينهم عائدون .. لتتلاحم شلالات الدم وتروي الثري الطاهر ، وتقتلع زناد الموت من شرايين الأرض . إنها الغربة التي اكتحلت بها أعين هؤلاء القابضين على قيدهم ، يشعلون النفق بقبس من الصمود والتحدي والعودة . ينظرون من خلف الجدران ، تخترقها أعينهم التي ما أغمضت عن حزن الأخ ودم الرفيق ، عن وجع الناس وبقية الوطن الصابر في انتظار عودتهم .
تشرئب أعناقهم فيروا ذاك المتسكع بين حوارينا وأزقة مخيماتنا ، فهل هذا أنت يا وطني ؟؟
لماذا أرى الدمعة لا تسقط من عينيك ولماذا كل هذا الحزن ونحن ما زلنا على العهد ؟؟ يا وطني أعرف أنك تلومنا لكنا والله لا نفرط حتى في هذا ، يا وطني يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : " المال في الغربة وطن والفقر في الوطن غربه " .أنت يا وطني منذ ذاك الزمان المال ورأس المال ، أنت كل الأنس وكل الأحباب ، لكنك أيها الحبيب النازف منذ نصف قرن ، ما زلت  تحت سياط المحتل وقسوة الجلادين من أهلة على أهله !! يشعرنا بالغربة ....عندما تهان كرامة الشعب على حواجز المهانة فيوقف رئيس ويصلب وزير !! عليه نشعر بالغربة...عندما تسيل دماء أبناءه المفتونين والمغيبة عقولهم والمسلوبة إرادتهم جراء جهل من أظلمت بصائرهم فإننا نشعر بالغربة.......  كثرت الوعود والتصريحات بانفراج الأزمة  متعددة الجوانب .... وتعدد أسماء الناطقين باسمه، كل يغنى على موال في رأسه لخدمة مصالح حزبية ضيقة بعيدة كل البعد عن مصالح الوطن، الذي ما يزال فلسطين في أحلامنا ومخيلتنا فينتابنا تشويش وتجريح ، لذلك رفقاً بنا يا وطني  وسامحنا لأننا والله  نشعر بالغربة..... عندما  يقبض أبناؤك على سلاحهم، وتهتز سواعدهم المضللة، لتطلق على الأخ والرفيق وينفلت الغضب ليطال الأهل فلم لا نحزن وهل تكون الغربة إلا بهذا أيها الوطن العظيم ؟ وعندما لا يجد هؤلاء موطىء قدم  في مؤسساته الوطنية والعلمية ويمنع استغلال أراضى المحررات (المستوطنات سابقا) وهى أراضى زراعية وأسفلها مياه عذبه فيستمر ضيق الأراضي الزراعية وشرب المياه الغير صالحة للشرب الآدمي لكل الناس نتيجة لزيادة الأملاح الضارة فإننا نشعر بالغربة......  عندما يكتب الأحرار عن الفساد بدموعهم ودمائهم منبهين محذرين من أخطاء قاتلة ومميته فيعرضون أنفسهم إلى خطر القتل من بعض  أهلهم أو يترددون في قول الحق نشعر بالغربة !!ويعتدى عليهم بالضرب والتكسير فتكمم الأفواه وتتحول إلى سياسة و نهج   خلقتها ظروف معينة فإننا نشعر بالغربة...... عندما نبتعد عن أهدافنا وحلمنا الكبير بسيادة وهوية واستقرار وأمن نتيجة قوى غاصبة تدمر وتخرب، وتأبى إلا أن تكون صاغرا تعيش بلا إرادة، وقد أعلنوا الفساد شرعة ورهنوك لمقاومة تجارية ولمآرب شخصية نشعر بالغربة....... عندما نفتقد الأمن والأمان في غياب شبه كامل لسيادة القانون  ...عندما نعانق قطع الحديد البارد في ليل حالك بلا كهرباء ونتظاهر بالنوم  الكاذب ، جراء عدم الاستقرار والرعب والفوضى والخوف على أبنائنا فلذات أكبادنا الذين غادروا فراشهم ليلا دون أن يشعر بهم أحدا في المنازل الحزينة ..!! عندها نشعر بالغربة .....  عندما نريد كبح جناح الظلم وتعرية تجار الدماء  بالكلام والتنبيه والإرشاد فلا نستطيع الإشارة إلى مواضع الخلل وأصحابه نشعر بالغربة ........ عندما يصرخ الكتاب وأصحاب الأقلام الحرة الشريفة منبهين للخطر القادم ولا يلتفت إليهم أحدا وهم لسان الشعب الصامت، ولسان الشارع المقهور حنقا وغيظا ..... وبرغم وجود مناصب لعشرات المستشارين الذين يغطون جميع جوانب الحياة فإننا نتساءل عن جهل القادة وغيهم ، وكلما تزايدت التساؤلات تزايد معها شعورنا بالغربة.
 عندما يطول المخاض لحكومة وحدة وطنية أو حكومة يتوخى منها الشعب الفرج والانفراج ويبدأ الوسواس الخناس في بث سموم الفرقة والتعصب والعصبية المقيتة ، وتقتل الأحلام الجميلة في عقول الفقراء والمحرومين ويعود شبح الاقتتال والفرقة وتعود هواجس الليل بظلامه لتهيمن في العقول،  وحلكته السوداء في العيون..عندها نشعر بالغربة...... عندما نبتعد عن قيم الفضيلة ورعايتها في مجتمعاتنا وتتحول قيم الخير والإنسانية السمحة التي هي  في صميم عقيدتنا وديننا إلى فتاوى من التشكيك والتخوين والتكفير والظلامية ، نشعر بغربة قاهرة ومريرة....  ولكن لن نكون من الهاربين في مواجهة التحديات فهذا نوع من خيانة وأنت لا تقبلها منا أيها الوطن الساكن فينا ، فمهما بلغت العواقب فان أبناءك الشرفاء والمخلصين عليهم قول الحق، ومقاومة كل التجاوزات، ومقاومة أسبابها، والتي يكون للمحتل الدور الأكبر فيها ،لهذا وجب علينا مواجهة الأمر بكل قوانا الحية والفاعلة، فالخطر الخارجي والداخلي متكاملان وهما ذات الخطر ، ولا يحمل معاني أخرى، فتحدى المحتلين والغزاة هو فرض عين  أقرته قوانين السماء على كل البشر وهو حق أوجبه القانون الانسانى، ويحاسب عليه أيضا . فالهروب معناه الخيانة للوطن فلا يحق لنا الاغتراب ولو فكرنا في ذلك ( وهذا من طبائع البشر) ، فالإنسان بفطرته  يخاف على أسرته وأطفاله بلا شك ولكن الاغتراب قاتل  وصعب ،فلا نقدم الحلول الأصعب ، لهذا فليكن الاغتراب في داخله ولنغلق أبواب الهرب بإرادتنا ، ولنرمي أحمالنا على الله ، فهو خير معين .
الوطن غال وان جار وطغى ، ونتأسى بقول الشاعر : " بلادي وان جارت علي عزيزة ....... وأهلي وان ضنوا علي كرام "
يكفينا بعد الأهل عن ذويهم ، وغربتنا القسرية بعد هجرات النكبة والنكسة التي ما زلنا نعانى من ويلاتها وآثارها السلبية المدمرة اجتماعيا وسياسيا حتى اليوم.
وماذا بعد ...... هل اكتمل ابتهالنا لفلسطين أن تضمنا بين جناحيها وتحلق بنا في سماء الحلم الذي طال انتظاره ؟؟، أم تبقينا على أبوابك الموصدة أيها الغالي؟؟ ، وكيف ومتى ستفتح لنا الباب على مصراعيه؟؟ ، نعطيك كل أمانينا وكل ما نملك ، فهل تحن علينا وتجود فنجرح هذي الغربة؟؟؟ . وسنبقى نقاوم غربتنا بالسجود في محرابك ، والركوع على أعتابك .. فلا تقصينا .
العاشقون : زياد ابوشاويش.. زياد صيدم.. سامي الأخرس
 

 


 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home