القلم النقدي

 

قراءة لقصة ( مع الغروب .. حكاية من الوطن ) ..

رحاب الخطيب




أولا : الق صة للأديبة لمى خاطر
مع الغروب ... حكاية من الوطن
قالت بعد لحظة صمت بدت لي طويلة جداً :
لا أظنه سيخرج هذه المرة ، و لا أظن أنني سأتمكن من رؤيته مجددا، لم أتخيل أبداً أن كل أحلامنا ستذوب هكذا و فجأة و أن المستقبل الذي رسمنا ملامحه معاً أصبح في حكم الضياع .
لا أدري أي قوة كبلتني فلم أستطع أن أجيبها بما يواسيها و يمسح من نظراتها قليلاً من ذلك الأسى ..
خلتُ حينها أن أي كلمة أقولها ستبدو تافهة لا وزن لها و لا قيمة ، اكتفيت بالصمت و رحلتُ بذاكرتي صوب فضاء ماض قريب أستحضر شيئاً من خطوطه :

كانت عيناها يومها تتوهجان بلون خاص ظننت أني أراه للمرة الأولى، أخبرتني أنهما سيكونان معاً أخيراً، و كانت كلماتها تفيض بالحياة و هي تحدثني عن المستقبل الذي سيأتي قريباً و عن الأحلام التي التأمت أخيراً بعد رحلة عذاب شاقة ..

كان قد خرج لتوه من السجن، و لم ينس أن هناك عينان انتظرتاه بصبر فريد، رغم أنهما لم يكونا قد ارتبطا بشكل رسمي ..
أذكر أنه أرسل لها يوماً رسالة يقول لها فيها أن لا تنظره أن تختار طريقها بعيداً عنه، و أن تعيش حياتها كغي رها فهو لا يعلم ما سيحل به و كم سيطول غيابه ..
بكت كثيراً في ذلك اليوم و اتهمته بالقسوة، و كتبت له بتلك الدموع أنها تريد أن تظل على العهد حتى لو بقي من الدنيا يوم واحد، و أنها تريد رجلاً حقيقياً يحمل ا لهم و لا يعيش لذاته و حسب ..

و منذ ذلك اليوم صار الصبر زادها و الدعاء في جوف الليل سلاح الأمل الذي ظل مرسوماً على ملامحها ..
و حين عاد كانت البشرى بيوم جميل تطوف مع دموع الفرح الذي لم يدم طويلا ..

قطعت تلك المشاهد الماضية على وقع كلمات هزتني من الأعماق ، قالت:
لا أعرف لماذا حين يقترب الجرح من الالتئام لا يلبث أن ينفتح من جديد ، لا أدري لماذا حين تقترب أجمل اللحظات من ذروتها تنقلب إلى النقيض ..

لم أنتبه لتلك الدموع التي غطت مساحات الوطن في عيونها ، كنت قد جلست بجانبها مطرقة على ذلك المقعد الخشبي تحت شجرة السرو التي حفظت عنا كل الأسرار و الأمنيات ..

ابك يا عزيزتي فما أجمل الدموع حين تطهر أرواحنا و تنثر في أجوائها شيئاً من الإصرار و الطمأنينة ، و تغسل مرايا العيون لعلّنا نرى بعدها الدنيا بلون جديد ..

كانت تدرك تماماً ما يدور بخلدي، و لهذا لم تنتظر مني إجابة و أكملت :
أعلم أن من يختار هذا الطريق عليه أن يتحمل تبعاته حتى النهاية، لكن لماذا عليّ أن أعيش لحظات متقطعة بين الألم و الأمل ؟ لماذا لا نأخذ الآه جرعة واحدة، لننعم بعدها بطعم حقيقي للسعادة ؟؟

أجبتها هذه المرة :
ربما لأننا تمازجنا مع الوجع حتى صرنا وجهان للنزيف ، و ربما لأن الذين ينعمون بالدفء و طعم الخبز الحقيقي لا يعلمون شيئاً عن القل وب التي فرقتها الحواجز و كبلتها الآه و السلاسل .فهؤلاء لا يعرفون إلا شكلاً واحداً للحياة .

لكن الحياة الحقيقية فيها من كل شيء لونان ، لا تظني أنك وحدك ، فأنت نموذج لآلاف الحكايا ال مشابهة ، لكن المهم أن يظل في القلب ركن يستطيع أن يستقبل النور حين يأتي ليرسم على الشفاه ابتسامة أكي دة

سألتها و نحن ننهض:
أتراك لن تنتظريه هذه المرة؟؟

ابتسمت و قالت :
و كيف سيكون للأيام طعم إذا كانت بلون واحد ؟ و هل هناك أجمل من أن نعيش بانتظار الأمل ؟

ودعتها.. و كان الأصيل يمضي بطيئاً كأنما يحاول أن يتشبث قليلاً بآخر خيط للشمس قبل أن تدهمها الغيوم السوداء التي لن تستطيع أن تحجبها حين يبزغ الصباح ، لكن المهم أن تظل الشمس متمسكة بح قها في الإشراق و لو بعد حين ...

ثانيا/ القراءة
( لا اعرف لماذا حين يقترب الجرح من الالتئام لا يلبث ان ينفتح من جديد ، لا ادري لماذا حين تقترب اجمل اللحظات من ذ روتها تنقلب الى النقيض ..)
اديبة من الوطن المحتل .. استطاعت ان تتعامل مع الاضداد بقدرة و ابداع كبيرين .. الا وهي الاديبة لمى خاطر .. فقد قدمت قصة جسدت فيها مرارة الواقع ومفارقاته بسبك و مهارة فائقتين .
قدمت لنا لمى عبر عناصر القصة عملاً ادبياً يعبر عن رسالة سامية .. رسالة شعب يئن ويتجرع المأساة ، شعب محروم من الحلم بحياة هانئة خالية من طعم المرارة والغصة الساكنة في الح لق . اجادت الكاتبة من خلال عرضها لعنصري الزمان والمكان .. فأظهرت بطء الوقت والساعات .. وعبرت عن موقف خاص للزمن حيث رسمته لنا في نهاية القصة على غير ما ألفناه في القصص التقليدية .. فالزمن جاء هنا ( وقت الاصيل ) وهذا اضفى على القصة بعداً شاعرياً مميزاً ..والاحداث في القصة لا بداية واضحة لها ولا نهاية فسيان البداية والنهاية .. لأنهما متكرران في كل لحظة وكل يوم في دوامة لا تنتهي ..!!
اما ا لمكان فهو المقعد الخشبي تحت شجرة السرو .. وذكر كذلك السجن الذي قتل ويقتل احلام الملايين من ابناء ا لوطن.
اما الشخوص بالرغم من محدودية عددهم واقتصارهم على شخصيتين منفردتين ( هي وهو ) فقط ..الا انهما جسدا الشعب بأكمله بأحلامه وآماله وتطلعاته وآلامه .. فلا حاجة للشخصيات الثانوية هنا ، فال شعب بكامله إما هو او هي !
والعقدة لا حاجة لوجودها في هذه القصة ، فالاحداث تتصاعد في القصة ا لتقليدية لكنها هنا متكررة في كل يوم فالشعب يناضل ويسجن .. والاحداث تتصارع في كل لحظة فهي متكررة كثي رة الحصول .. لهذا جاءت متداخلة هنا .. مشكلة النسيج الداخلي للقصة دون حاجة لعقدة واحدة مميزه ..فالاحداث اخذت بالصعود تارة والهبوط تارة اخرى من خلال عنصر تشويق بين استطاعت الاديبة حبكه بعناية في شعر القارئ انه في حاجة ماسة ليعرف ماذا سيجري استنتاجاً منه لما قد حصل لبطل القصة .. كل ذلك في قالب من الصراع الداخلي ( المونولوج ) المستخدم بعناية ..
ومن ابداعات الكاتبة كذلك انها استطاعت استخدام الصور المعبرة والمؤثرة في النفس لتوصل الهدف والغاية من هذه القصة .. فقد عبرت عن تلاشي الاحلام وعدم الأمل في تحققها بالذوبان فقالت : ( لم اتخيل ابداً ان كل احلامنا ستذوب هكذا … )
اما الشعور بالعجز فقد جسدته بمهارة في قولها : ( لا ادري أي قوة كبلتني فلم استطع ان اجيبها .. )
كذلك الدموع فقد ( غطت مساحات الوطن في عينيها .. ) وهذه صورة جميلة ، فالوطن متربع في القلوب و لا ترى غيره العيون .. وفي النهاية فقد رمزت للحزن والالم بالغيوم السوداء ..
صور عديدة عبرت من خ لالها الكاتبة وجسدت الالم فظهر جلياً محسوساً بآهاته ومتاعبه التي لا تنتهي ..
الا ان التشبث بالأمل لم يغب عن بال اديبتنا فأعطت بصيص امل بالرغم من ضبابية الحالة المعاشة عندما تحدثت عن ( رفض الشمس ان تحتجب خلف الغيوم السوداء حين يبزغ الصباح ) .. وفعلا نحن في امس الحاجة الى امل يعيد الث قة بالنفس .. وبأن الغيوم السوداء لا تستطيع حجب الشمس الى ما لا نهاية .. فالستة فصول اربعة ..
ومن ابرز ما استطاعت الاديبة ايضاحه والتعبير عنه هو شخصية الفتاة كما جسدتها شخصية الب طلة في هذه القصة .. فالبطلة هنا فتاة عادية تحلم بالاستقرار والطمأنينة في ظل رجل حقيقي يحمل الهم ولا يعيش لذاته وحسب .. فهي انتظرته وستنتظره وصار الصبر زادها والدعاء في جوف الليل سلاح الامل ..وهي صورة جميلة تعبر عن حلم الانسان البسيط الذي يواجه احداثا وظروفا غير طبيعية ..صورة للفتاة ال عربية التي تجد نفسها في صف النضال مختلفة عن رفيقاتها في بلدان اخرى واماكن اخرى ..فلم تعد تحلم بال فارس القادم على حصانه الابيض .. بل غيرتها الظروف واصبحت تشارك الرجل احلامه ونضاله وآماله وآل امه ..وهو نموذج جميل ومتكرر هناك في الوطن المحتل حيث نرى المرأة والرجل .. يمضيان معا نحو تحقيق الحلم و الامل . وحتى مشاعر الحب والاعجاب المتبادل مختلفة .. فالحب له طعم النضال .. والنوى والشوق بسبب ا لسجن والاعتقال والابعاد .. فالهم الخاص مرتبط تماماً بالهم الوطني العام ..
لقد عشنا قصة تحمل الهم العام في طياتها .. استطاعت الكاتبة من خلالها ان توصل رسالة واضحة عن شعب يحب لا كغيره من البشر .. يرتبط بالوطن فيقدم الوطن على نفسه .. شعب يتميز بصموده وصبره وكذلك بحبه وآلامه ..




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home