مقال

 

سوق فراس بين الحقيقة والخيال.

م. زياد صيدم



تناقلت مؤخرا كثيرا من الصحف المكتوبة والمقروءة أخبارا محزنة ومبكية عن سوق فراس خاصة بعد الحادثة الفريدة التى عرض فيه أحد المحتاجين من الآباء أولاده للبيع ؟!، فلم تكن الحادثة تمثل واقعة جدية بالمعنى الذي تناقلته وسائل الإعلام المختلفة، ولكنه بالجزم كان تعبيرا صادقا على تردى الوضع الإقتصادى العام في القطاع ....هذا السوق القديم الواقع في قلب مدينة غزة ، غرب مبنى البلدية مباشرة يبعد مسافة 300 متر عن المحطة المركزية لسيارات الأجرة التي تنقل الركاب إلى باقى مناطق قطاع غزة...وهو يحاذى شارع عمرالمختار من ناحية الجنوب وهو أكبر شوارع مدينة غزة وشريانها التجارى الرئيسى الذي يخترقها من الشرق إلى أن ينتهى غربا حيث شارع الرشيد على البحر. لا يختلف كثيرا عن الأسواق الشعبية التخصصية في عالمنا العربى عامة من حيث تنوع المعروضات ورخص أثمانها ، إنه سوق تخصصى بمعنى الكلمة بتفرعاته المختلفة كل منها يحتوى على أصناف متشابهة فنجد فيه سوق الأقمشة والسجاد والملابس وسوق للأخشاب والأثاث...وسوق للأسماك المثلجة والطازجة وسوق للخضار والفاكهة وسوق للروبابيكيا بأنواعها ،ونجد أيضا سوق للخراف واللحوم والدواجن وأسماك الزينة والطيور و سوق آخر لجميع الأجهزة الكهربائية و...الخ. إلا ما ندر وتميز عن أقرانه من الأسواق الشعبية في عالمنا العربى !! كما سنرى لاحقا. المهم قطعنا أنا وصديقى أقساما من السوق للوصول إلى قسم نبحث عنه فريد من نوعه حقا ألا وهو ناحية متخصصة في بيع أجهزة الجوال (الموبايل) المستخدمه فأصحابها إما يرغبون في تجديدها بأنواع أحدث منها أو بيعها نتيجة الحاجة والعوز، فقد ادخر إبنى يوسف( 13 عام) مبلغا وأكملت له الباقى وأراد شراء جوال الباندا بكاميرا فكان له ما أراد فهو متفوق بمدرسته وعنده وعى واضح وطموح أشجعه عليه. أكملنا جولتنا وإذ بصديقى يهمس لي لنذهب من هنا لأريك قسما آخر مستحدثا !! فقلت هيا بنا واخترقنا جموع من الناس والبائعين حتى انتهى بنا المطاف إلى شباب متزنرين بأسلحة رشاشة منهم الجالس قرفصاء ومنهم على كرسى ومنهم من انزوى على ناحية ملقيا ظهره على حائط فقلت لصديقى وهل نحن مشتاقون لرؤية المسلحين يا محمد ألا بكفينا..!! وأدرت وجهى قاصدا العودة وإذ به يوقفنى قائلا تمهل يا أبو يوسف هؤلاء ليسوا ممن تعرفهم... كلهم هنا لبيع ما بحوزتهم انظر جيدا وأنت تعرف ذلك...فتوقفت متمسمرا مذهولا، وقلت هل تمزح؟ كان سؤالا سخيفا له ...مشيت متفحصا ما بأيديهم وكأنى أبحث عن شيىء ما غير ما بحوزتهم من رشاشات متنوعة تلمع بزيتها فهي مهيئة للبيع حقا...وإذ بأحدهم يرقبنا وقد اهتم لنا فاقترب قائلا تريدون مسدسات أجبته لا وماذا عندكم غير هذا الذي تقول والذي أراه فتبسم ابتسامة الفصيح وكأنه عرف ما نريد فقال تعالوا إلى ناحية وأخرج من شوال كان قد تركه مع أحدهم بضع أنابيب ( أكواع ) وهى قنابل محلية الصنع فضحكت وأنا أقول لصديقى مازحا قد تكون هذه من صناعة أخيك علاء، أشعلت سيجارتى بعد أن فهم الفصيح أن هذا ليس بطلبنا فأخرج من كيس آخر قنابل وقال ضاحكا هذه مستورده فضحكنا سويا وبدأت بتفحصها ...نعم كانت صناعة إسرائيلية وروسية الصنع شيىء لا يصدقه عقل..... فأجبته متداركا للموقف فالوضع أصبح جديا وليس مزاحا...قائلا الحقيقة أننا نبحث عن تلسكوب قناص بمواصفات كذا وكذا...هل نجده عندكم؟؟؟ هز رأسه مقتنعا فأجاب لا يوجد الآن أما في الأسبوع القادم مثل هذا اليوم تستطيع أن تجده معى وسأكون بانتظاركم...وتركناه عائدين وقبل مغادرة هذا القسم العجيب توقفت بجانب أحدهم كان يحمل ضمة من( ليس ببقدونس أو جرجير) وإنما من طلقات الكلاشنكوف فتفحصتها وفعلا أغلبها جديدة من إنتاج التسعينيات وكانت خليط من صناعة مصرية وروسية وسودانية.... فأخذت منها ما تيسر عوضا عن الطلقات المحسوبة التي أهدرها إبنى أحمد (12 عام) في الهواء ابتهاجا وفرحة بليلة توقيع صلح مكة ،عندما أصر أن يكون البادىء الأول بالعزف احتفالا في الحى قبل أن يتبعه الآخرين، وتلحق بهم دموعنا إلى الشوارع فيما بعد نحن الكبار سويا من مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية. تابعت التجوال مع صديقى وأنا وللحقيقة لست مذهولا مما رأيته فهذا أمر يحدث بشكل عادى في زمن الحروب وعدم الاستقرار الذي تعودنا عليه ولكن تحديث وتجديد أقسام الأسواق حسب مقتضيات الزمن هو ما يلفت نظرك حقيقة فصدق المثل القائل " الحاجة أم الاختراع " ....خرجت و قد ارتسمت على وجهى ابتسامة لم أتبين طبيعتها حتى اللحظة..!!! فقد كانت جولة ما بين الحقيقة والخيال.




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home