القلم الفكري

 

هموم ثقافية

نبيل عودة



 

هموم ثقافية

 

مجتمع بلا أجندة ثقافية .. ما هو مصيره ؟!

 

بقلم : نبيل عودة

 

يشكل مسرح الميدان  في انطلاقته الجديدة علامة فاصلة في نهضتنا المسرحية ، ويمكن القول بدون تردد .. انه بدأ يأخد ابعاده الثقافية المؤثرة على مجتمعنا وانساننا . والى جانبه تنشط بشكل يبعث على الأطمئنان .. العديد من الفرق المسرحية والفنية المتعددة الاهتمامات .

تابعت الحركة المسرحية والفنية في البلاد منذ اوائل الستينات .. وأقول بأسف شديد ، ان عدم وجود مؤسسات عربية محلية قادرة على استيعاب الدور الحضاري المؤثر للمسرح وسائر الفنون الثقافية والفنية  ، أسفر عن ضياع جهود الطلائعيين الذين قدموا جهودا بطولية في ارساء القاعدة للتطور المسرحي .. وللأسف بعض الموهوبين الطلائعيين اصيبوا بحالة يأس واعتزلوا النشاط المسرحي الخلاق الذي بدأوا مسيرة حياتهم به .. وكرسوا احلامهم لرؤية تطور مسرح محترف وجماهيري . ولكنهم بدل ان يجدوا الدعم .. وجدوا الصد ومحاولات تقزيمهم . حدث هذا في مرحلة كان من المفروض ان تشهد مأسسة النشاط الطلائعي .. مرحلة الانتصارات السياسية للعرب في اسرائيل ، عبر السيطرة الوطنية على سلطاتنا المحلية ، واحداث تحول سياسي عميق في مجتمعنا .. ولكنها كانت ايضا بدء مرحلة الشخصانية ، مزقت المضامين التي قادتنا للانجازات الهامة .. وما تواصل منها كان بحكم قوة الاستمرار .. ومجموعة من الطلائعيين المتحمسين صانوا الأمل بصحوة جديدة ، وما زلنا نأمل  ان لا يصبح كل شيء متأخرا ..

الحياة لن تتوقف .. والانطلاق الدائم من جديد هو مميز بشري هام ، بدونه لا تطور ولا تقدم ولا حضارة ولا ثقافة ولا انتاج مادي وتطور علمي وعقلي .

الأمر الذي يقلقني حقا هو غياب التخطيط الثقافي من أجندة أحزابنا ومؤسساتنا وسائر هيئاتنا الشعبية ، والفهم العميق لأهمية هذا التخطيط  ، ليس الثقافية الحضارية فقط ، انما الاجتماعية والسياسية ايضا ، في كينونة الجماهير العربية داخل اسرائيل . وهي معادلة صحيحة ايضا لتطور اي مجتمع بشري آخر .. ولكني ، كأبن للمجتمع العربي داخل اسرائيل ، وعلى اطلاع واحساس بما يحدث داخل مجتمعي ، وصاحب رؤية ثقافية وفكرية ، وسياسية في الوقت نفسه ، يهمني ويقلقني في المقام الأول تطور مجتمعي وارتقائه وتنامي وعية . وغني عن القول ، ان المسرح يعتبر من أهم الأدوات ، وأكثرها فاعلية ، في اثراء الحياة الثقافية الاجتماعية ، والتأثير عليها .

في الشهر الأخير شاهدت مجموعة كبيرة ، وأقول هذا بفخر وتأثر .. من الأعمال المسرحية ، ومن المعارض الفنية ، ومن الكونسرتات الموسيقية الغربية ، ومن العروض الموسيقية والغنائية الشرقية ..

هذا اثراء غير مسبوق لحياتنا الثقافية والفنية . بالمقابل لا ارى تنامي الوعي ، لدى مؤسسات الجماهير العربية - داخل اسرائيل ، حول الأهمية الاستراتيجية ، بكل معنى الكلمة .. لدور الثقافة والفن الاجتماعي والسياسي , واضيف لدور الفن التربوي في تنشئة الأجيال الجديدة ، التي نريدها ان تنشأ مرتفعة القامة ، صلبة العود ، فخورة بانتمائها الوطني والحضاري ، وأن ترى بالثقافة والفنون والعلوم مقياسا لحضارة مجتمعنا .

اني ارى الترابط العضوي الكامل بين الحديث عن الابداع الثقافي ، وطرح قضايا واشكاليات هذا الابداع . والقصور الذاتي في توفير وسائل الدعم .

 

قرأت قبل ايام ، ما يسمى وثيقة الجماهير العربية ، أو كما سميت " التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في اسرائيل "  التي صدرت عن "لجنة المتابعة العربية العليا " .. وأقول جملة واحدة فقط لأصحاب هذه الوثيقة : انتم لا تستحقون مجتمعكم .

ان غياب اي برناج ملموس في الوثيقة ، للموضوع الثقافي ، وطرحة كالعادة في اطار شعارات لا معنى لها ، نعرفها عن ظهر غيب ،  يسقط شرعية هذه الوثيقة ، ويجعلها حبرا اسود على ورق .. لا قيمة لها ، ولا تخص مجتمعنا .. الذي تجاوز ، بوعية وتطوره الثقافي والفكري اصحاب هذه الوثائق .بالطبع بعض ما تطرحة الوثيقة من فكر (استعمل هذا التعبير  مجازا ) سياسي ، هو نكوص غبي وسلبي للمتطلبات السياسية الواقعية لمجتمعنا  . هذه الوثيقة تزيدنا انعزالا عن الواقع السياسي في اسرائيل ، وتخدم بكفاءة الليبرمانية ( القصد الفكر الفاشي للوزير افيغدور ليبرمان ).

استطعنا ان نطور ثقافة ابداعية بهرت العالم العربي .. ووصلت الى العالمية .. والفضل في ذلك يعود بالتأكيد لوجود قيادات اجتماعية وسياسية مثقفة وذات رؤية نهضوية شاملة ،قادت مجتمعنا في اكثر اوقاته مأساوية وتفككا( بعد نكبة شعبنا – 1948 ) ، ونجحت ، عبر رؤيتها النهضوية لأهمية الدور الثقافي ، في اعادة اللحمة  الاجتماعية ، والأنتماء الوطني الواعي ، ونشر الوعي السياسي ، الى احداث نقلة نوعية أفشلت بشكل مباشر او غير مباشر ، سياسة نشر العدمية القومية ، والأمية الثقافية ، وفقدان الوعي السياسي .   ورأت بالنشاط الثقافي سلاحا أبعد أثرا من مجرد الفعل السياسي المباشر ، فعلا يمتد الى البناء الاجتماعي لبقايا العرب الفلسطينيين الباقين في وطنهم رغم رياح التهجير والعنف الدموي ، المتعدد الأشكال  الذي مورس ضدهم . فعلا يعيد الثقة بالانتماء الوطني بكل مفاهيمه ، وعلى رأسها المفهوم الثقافي . مجتمع لا ثقافي هو مجتمع من السهل هزيمته وتفسيخه  .. وعزله عن محيطه الطبيعي .. وجعلة مجتمعا يعيش في محميات طبيعية ، أشبه بمحميات الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية . وهل نستطيع ان ننسى ما تفوه به لوبراني  مستشار رئيس حكومة اسرائيل الأول ، دافيد بن غوريون للشؤون العربية ، عن رؤيته ، وعمليا رؤية السلطة الاسرائيلية .. بان المخطط تحويل الأقلية العربية الباقية في وطنها الى " حطابين وسقاة ماء "؟!

فقط عبر الرؤية النهضوية الفكرية والثقافية المبكرة ، التي ميزت القيادات التاريخية للأقلية العربية ، استطعنا ان نهزم هذه السياسة ، وأن ننطلق في اجواء المعرفة والثقافة والعلوم ، لنتحول الى أقلية عربية متماسكة ..

ومع ذلك الظن ان معركتنا انتهت .. هو خداع للنفس . نحن في صراع دائم ومتواصل .. غير ان واقعنا ايضا يتغير للأسوأ .. غابت القيادات النهضويه ، وحلت مكانها قيادات شخصانية ، معزولة عن هموم الجماهير العربية ، ونموذج لآخر "ابداعاتها " هو " تصورها المستقبلي ".. الذي لا شيء من المستقبل فيه . هذه قيادات بلا رؤية ثقافية نهضوية . بلا مفهوم متقدم لأهمية الفعل الثقافي ، بلا فهم للربط بين الثقافي والسياسي في معركتنا الصعبة ، وغير المسموح لنا فيها ان نطمأن لما انجزناه . استراحة المحارب ممنوعة في حالتنا. ولكن كل " محاربينا الأشاوس " يغطون بنوم أهل الكهف !!

الذين يصعب عليهم قبولنا في وطننا ، لم يتنازلوا ، انما غيروا اساليبهم .. للأسف أقول ان بعضها يحقق نجاحات نحن غافلون عنها . أهم هذه النجاحات الفصل بين المشروع الثقافي والمشروع السياسي . وضرب انتمائنا الاجتماعي وجعله انتماءات طائفية ضيقة الأفق . واستطيع ان أقول اني اليوم غير متفائل بمصيرنا مع هذا التفسخ المعيب . نحن لم نعد مجتمعا واحدا .. قد يثير كلامي حنق البعض ، وارى ان اثير حنق البعض ( أو الكثيرين ) اهم من الشخير المطمأن لقيادات مجتمعنا ،بما فيهم اصحاب " الرؤية المستقبلية .. " الغائبة عن الوعي لمتطلباتنا الثقافية والأجتماعية ،والخاطئة سياسيا ، تكتيكيا واستراتيجيا . وعمليا لم تتجاوز طروحات القيادات  المشغولة ، بوقت كامل ، بمشاريعها الشخصانية ، والحزبية الانتخابية .. وهذا ينعكس بقوة في صياغات " الرؤية.. " ويثبت أن هموم " أحزابنا " اختصرت نفسها للبرلمان ( الصهيوني ) .. ويشكون من ابتعاد الجماهير من ساحة النضال؟

 أي نضال يا سادة ؟

 هل التظاهر من أجل التصفيق للزعيم على كلماته النارية هو نضال ؟

هل المشاركة بمهرجان للدفاع عن قيادة البعث في سوريا ، وتجاهل آلاف السجناء من المثقفين السوريين ، هو نضال وطني ؟

هل المشاركة بالنزاع بين أطراف متصارعة داخل تنظيماتكم الحزبية هو نضال ؟

هل التهريج وتغطية الحقائق المؤلمة والتضليل الممارس ، والمفضوح .. هو نضال ؟

هل عبادة الزعيم ، ورفعة (حيا او ميتا ) فوق الأكتاف .. هو نضال ؟

هل طرحتم ، في برامج احزابكم ، ما يجعلنا نتقدم الصفوف ، متراصين من أجل انجاز برامج ملحة لمجتمعنا  ؟

حسنا .. طرحتم شعارات .. ما قيمتها بغياب الأداة الحزبية ، التي تحولت الى اداة للشخص ، أو لمجموعة اشخاص متصارعين ؟

الشارع تجاوزكم بوعيه ، ليس الثقافي فقط ، انما بوعيه السياسي ايضا . هل بالصدفة ان الجماهير العربية في اسرائيل ، اكثر اعتدالا سياسيا من قياداتها ؟ وهل بالصدفة أزمة القيادة التي تعصف بمجتمعنا ؟

 ابدا ليست أزمة جماهير .. انما ازمة  انتهازيتكم الفردية !!

لا اعني بان الجماهير العربية داخل اسرائيل أكثر اعتدالا ، انهم اكثر استسلاما ،العكس هو الصحيح .. انهم  أكثر وعيا لواقعهم  ولمتطلبات تطورهم الاجتماعي ، والحصول على الحقوق . أكثر فهما للأحتياجات الثقافية ، الغائبة عن رؤاكم .

في سنوات الستين المبكرة بدأ يتطور المسرح الغنائي ، وقدمت مجموعة مسرحيات غنائية فولكلورية على نسق المسرح الرحباني .. ربما كانت تقليدا في بعض ما قدمته .. ولكنه ابداع باهر في ابعاده ومستواه .. كان من الممكن ان يرسي تطور المسرح والموسيقى .. وكان على رأس هذا العمل المرحوم مارون أشقر، الذي كتب ولحن وأخرج .. ولكنه لم يستطع ان يواصل نشاطه لغياب الدعم المطلوب .. وما زالت في ارشيف اعماله المحفوظة مسرحيات غنائية وألحان لأغنيات لم تقدم ..

كتبت عن الموضوع قبل سنوات ، مع وفاة الموسيقار مارون أشقر ، محاولا لفت النظر الى أهمية اعادة احياء مشروعه الموسيقي والغنائي .. بتقديم اعماله من جديد ، والعمل على اخراج اعماله التي لم يستطع تقديمها . ولعل الأخوة في مسرح الميدان ، او المسارح الأخرى ، وبالتعاون مع الموسيقيين ،  يقوموا بهذه المهمة الثقافية الفنية الهامة .. وما زلت اعتقد ان اعماله التي قدمت قادرة  على التوهج من جديد ، واثراء مسيرتنا الثقافية ، من ابداع وفنون مسرحية وموسيقية .

ومرة أخرى لا بد من التنويه الذي كررته سابقا .. ان المسؤولية في احداث نهضة ثقافية فنية هي من واجب مؤساستنا الرسمية والشعبية .. بتوفير الدعم المطلوب ، ووضع الموضوع بمكانة متقدمة في مشاريعها .. والا ، لا ارى آفاقا مطمئنة ...

نبيل عودة – كاتب ، ناقد واعلامي فلسطيني – الناصرة

mostkbel@netvision.net.il

 

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home