مقال

 

اللغة الفصحى

معمر منير العاني



كلامنا بين الفصحى والعامية                                 

معمر العاني

من المعلوم أن في كل أمة، بل في كل دولة من الدول لغة فصحى وبجانبها لهجات عامية محلية (إن لم يكن العكس) والتي يجري التعبير عنها مجازاً بأنها (اللغة الثانية) إلى جوار اللغة الفصحى، وهناك خلاف بين اللغويين والإعلاميين والأدباء والأكاديميين والشعراء حول موقع كل من الفصحى والعامية في العصر الحاضر في ظل العولمة وسيطرة القنوات الفضائية واستخدام لهجات متنوِّعة، مما أدى إلى ظهور نوع جديد من اللغة ليست عامية ولا فصحى، بل هي وسط بين هذه وتلك.

وتساءل البعض: هل الصحيح أن تكون الفصحى وحدها لغة الإعلام؟ فرأى فريق من المختصين ضرورة الرجوع إلى الفصحى وتدريب العاملين في الإعلام وإعدادهم إعداداً جيداً لاستخدم الفصحى دائماً في الإعلام، نظراً لأنها اللغة التي يفهمها كل الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، وطالب أن تتخذ الحكومات موقفاً حاسماً في طريق ذلك للحفاظ على هويتنا وقوميتنا والواقع أن هذه الازدواجية اللغوية أمر بالغ الخطر، إذ إن الاهتمام بالعامية ومحاولة الإكثار من استخدامها له مخاطر على الفصحى لسهولة العامية ومرونتها وقدرتها على استيعاب كل أجنبي دون تمحيص أو تدقيق، فأصبحت هناك لغة تتردد على ألسنة الشباب، لا هي عربية خالصة ولا أجنبية ولا شرقية ولا غربية أي لا هوية لها، لهذا فمن الخطورة بمكان أن يستخدمها بعض المثقفين من خلال إقحام بعض المصطلحات الأجنبية في أحاديثهم وكتاباتهم، حيث يلوكونها في أشداقهم متباهين بالانتماء لثقافاتها،


وما لا شك فيه أن هذه القضية ليست قضية سهلة، بل لها أبعاد كثيرة، فقد اهتم الغرب بدراسة العاميات أو اللهجات العربية منذ زمن قديم، وكان لذلك بواعث كثيرة لعل أبرز هذه البواعث من أهمها ما يتصل بالتبشير ويتعلق بالاستعمار والندوات والمؤتمرات التي تتناول العامية وتجعلها حيَّة متحركة غير جامدة وبذلك تفقد اللغة الأطر البلاغية والبيانية .

لذا نقول أن وجود اللغة الثالثة يعد من أهم وسائل التقريب بين الفصحى والعامية، لأنها اللغة العربية السهلة والميسرة التي يفهمها العامة والخاصة، ووجودها في المجتمع مع الالتزام بضرورة أن ترقى لتقترب من الفصحى ولا يندرج في مصطلحاتها وألفاظها مصطلحات أجنية إلا ما عرّب منها، سيساعد على استيعاب أشكال الحضارة الحديثة وجوانبها الاجتماعية والاقتصادية والفنية. ولكنني أرى في النهاية أن اللغة الثالثة التي أقصدها ليست لغة بجانب اللغتين الفصحى والعامية قائمة بذاتها، بل هي لغة تستند في أسسها وضوابطها على اللغة الفصحى، مما يؤدي إلى وجود فصحى واضحة ومبلغة لمضمون رسالتها، (فاللغة الثالثة) المقصودة عندي هي الفصحى في ثوبها السهل الجديد الذي يكون في متناول الجميع، فالواقع أن هناك لغة عربية فصحى واحدة ولهجات محلية وليست لغات محلية متعددة، لهذا يجب الارتقاء باللغة الفصحى باستعمالها وتبسيطها بعيداً عن التكلف .

وقد نتساءل بعد ذلك عن حقيقة (الفصحى) ما هي ؟ وغاية ما يمكن أن نقوله هو : أنها مستوى من الأداء اللغوي ملتزم بالنمط القرآني، حفاظاً على شكل الكلمة العربية وزناً ومعنى، ووصلاً ووقفاً وضبطاً والتزاماً بالمعجم الذي يشير إلى الجائز والممتنع، مع عدم تجاهل ما أوصت به المجامع العربية اللغوية.

ولعل من عجائب القرآن أن تقوم بحفظ وإتقان أدائه ألسنة أعجمية لم تذق حرفاً عربياً، ومع ذلك نجد أطفالاً وشباباً، ذكوراً وإناثاً يحفظون عن ظهر قلب، بل ويجيدون أداءه بأحكام التجويد، وهم لا يفهمون جملة واحدة من جمله، أو آية من آياته.

فاللغة كائن حي يتطور باستمرار، تموت منها ألفاظ وتتولد ألفاظ جديدة، و بالاحتكاك باللغات الأخرى يتم التلقيح وتوالد واستعارة ألفاظ أجنبية وتعريبها. واللغة العربية بالذات هي أقدم اللغات الحية التي لا تزال موجودة حتى الآن قبل وبعد ظهور الإسلام. و لا تزال اللغة العربية حية حتى الآن لسببين : القرآن الكريم و تأدية الصلاة اليومية. ولكن ديمومة اللغة العربية

واستمرارها جعل لها مستويين : اللغة الفصحى و اللهجات المحلية في كل قطر عربي، كما جعلها تختلف في ألفاظها من عصر إلى آخر، بل من مكان إلى آخر. وأدى الاتصال والتفاعل الحضاري بالآخرين و تكوين الفرق والطوائف الدينية والمذهبية إلى توليد الكثير من المصطلحات وتغيير معان كثير من الألفاظ و موت مئات الكلمات ليحل محلها آلاف الكلمات والتعبيرات الأخرى. هذا التغير الكمي والكيفي حدث ويحدث للغة العربية بينما يظل القرآن فريدا محتفظا بلغته ومصطلحاته التي لا يمكن فهمها إلا من خلال القرآن الكريم نفسه. ولولا القرآن الكريم لاندثرت اللغة العربية كما اندثرت الآرامية قبلها، وكما اندثرت السريانية واللاتينية بعدها.

ويمكن القول إن للغة العربية معاجمها المتميزة، و قد تم تدوينها بعد القرآن بقرون، وهى خير دليل على أن اللغة العربية كائن متحرك تختلف فيها معاني الألفاظ من عصر لأخر، ومن مكان لأخر. ومثال ذلك كلمة(عميد ) ظلت حتى العصر العباسي تعنى (المريض حبا )، وفى ذلك يقول الشاعر :" وإني من حبها لعميد.."، ويقول الفيروز آبادى، في معنى كلمة عميد  هدّه العشق أي أمرضه العشق. فأصبحت كلمة ( عميد ) اليوم تعنى مرتبة عالية في الجيش أو في رئاسة الكليات الجامعية.

ومثال أخير يدلل اتصال الألفاظ السابقة بالدلالة الحاضرة فلفظة الدين في مفهوم القرآن يعنى الطريق، والسبيل، والصراط، والطريق قد يكون مستقيماً وقد يكون معوجاً. وقد يكون الدين أو الطريق معنوياً، أي العلاقة بالله تعالى. وقد يكون الدين أو الطريق حسياً مادياً كقوله تعالى عن أهل المدينة في عصر النبي يعلمهم فن القتال ?وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ? (التوبة 122) فالآية سبقتها وتلتها آيات فدى سياق القتال وتتحدث هذه الآية الكريمة عن النفرة للقتال، وضرورة إرسال فرقة استطلاع تتعرف على الدين أو الطريق ثم تنذر الناس وتحذرهم. ومن الخبل أن نفهمها على أن يترك المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ثم يذهبوا للتعليم خارج المدينة، وهى موطن العلم بالإسلام، وكان غيرها مواطن الشرك في ذلك الوقت ولكن مصطلحات التراث جعلت التفقه قصراً على العلم بالشرع، مع أن مفهوم التفقه في القرآن يعنى العلم والبحث العقلي والمادي في كل شيء.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home