مقال

 

رؤىً سيابية في مفهوم الخيانة

كريم الاسدي



 رؤىً سيابية في مفهوم الخيانة

كريم الأسدي

 

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون..!

 

من قصيدة "غريب على الخليج" لشاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب نقتطف هذا المقطع لنتوقف عنده، نفكر فيه، ونعلق عليه:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون

أيخون إنسان بلاده؟

إن خان معنى أن يكون فكيف يمكن أن يكون؟

هذا المقطع السيابي يتوسط تماما قصيدة أبي غيلان "غريب على الخليج"، فكان هذا المقطع روحها ومضمونها، وهو بالفعل كذلك، بل انه من أكثر المقاطع السيابية فتنة وخلودا.

لغة شعرية  ثرة وهائلة رغم خطابها المباشرـ أو الذي قد يبدو مباشراً ـ  تضمر مضمونا فلسفيا كبيراً هو السؤال عن الكنيونة الإنسانية التي يربطها السياب بالانتماء لكينونة المكان ولزمان المكان. هناك تعريف فلسفي مضمر لمكان الكائن الوطن، لا باعتباره البيت الكبير للإنسان فقط، بل باعتباره كينونة.

انه إعادة طرح السؤال الكبير: ماهو الوطن؟

وبعد طرح السؤال، تأتي الإجابة عليه: الوطن هو معنى كون الإنسان. انه الإنسان نفسه.

من يقدم على خيانة الوطن فهو خائن لنفسه وناكرٌ لوجوده وكينونته. انه صفر وعدم، وإذا كان فهو مسخ من المسوخ.

يمهد السياب لهذا المقطع بمقطع آخر لا يقل جمالا وروعة، إذ يقول:

لو جئتِ في البلد الغريب إلي ما كمل اللقاء

الملتقى بك والعراق على يدي... هو اللقاء!

شوق يخض دمي إليه كأن كل دمي اشتهاء

جوع إليه.. كجوع كل دم الغريق إلى الهواء

شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولادة!

هناك مسالة فلسفية جمالية تخص تذوق الإنسان للجمال وتمتع الإنسان بالحب في آن واحد.

يربط السّياب هنا مسألة تذوق الإنسان لجمال الحياة والإحساس به بمسألة وجود الحبيب في المكان الجميل، فيقول:

لو جئت في البلد الغريب إلى ما كمل اللقاء

الملتقى بك والعراق على يدي... هو اللقاء!

 لماذا لا يكتمل اللقاء رغم أن المحبوبة قادمة له؟!

لا يكتمل اللقاء لان المحبوبة ليس في المكان الذي يعشق، ليس قي المكان الذي هو جزء من كينونة الشاعر، والشاعر جزء من كينونته.

اللقاء المفترض سيتم في الغربة، لذا فهو لا يتم ولا يكتمل!

أما اللقاء المؤمل والمتمنى فهو في الوطن، في العراق.

يتداخل الحب بالجمال، والجمال بالحب هنا في أروع صورة و أبهى شكل.....إنه تلاحم جوهري.

فالشاعر والمحب والحبيب يريد أن يلتقي بحبيبته في المكان الأجمل لديه،وهو يعتبره الأجمل على الإطلاق،إذ يقول مباشرة بعد انتهاء المقطع الذي يتضمن البيت" إن خان معنى أن يكون فكيف يمكن أن يكون؟ "ما يلي

الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام ـ حتى الظلام ـ هناك أجمل فهو يحتضن العراق.

إن أروع مدن العالم و أماكنه تبدوا مقفرة خالية من الجمال دون حب، ودون وجود حبيب. ولكن عند الشاعر أيضا حتى لحظات وجود الحبيب لا تعوض عن المكان الجميل، والمكان الجميل الذي يتوج الحب ويمنحه ماهيته عند الشاعر "العراق".

نحن ـ مع شاعرنا السياب ـ بإزاء حالتين من الحب، حب الحبيبة وحب الوطن وهما يكتملان إلا معاً. اكتمالها يشكل ذروة الحب وجوهر الحب، وعرس الحب.

لم يكن حنين السياب إلى العراق حنينا إلى المكان فقط، إنه حنين مركب:

فهو حنين إلى المكان وحنين إلى الزمان الذي ارتبط بالمكان، أي حنين إلى الزمان المكاني إن صح التعبير، وهو حنين إلى ما احتواه المكان وزمانه من ماء وضياء وتراب وهواء، من أُناس وعلاقات وأحاديث وجلسات سمر، من جداول وأنهار وبساتين، من همسات وبسمات ودموع ووصايا، من نخيل وأشجار وحشائش وحيوانات، من سهول وسهوب وحقول مزارع ...إنه حنين إلى التفاصيل الكلية التي تشكل كينونة الإنسان .

حب المكان الذي ينشأ فيه الإنسان بتفاصيل هذا المكان جميعها هو حب ضروري كي يكون الإنسان إنساناً. إنه حب يؤنسن الكائن البشري. لو لم يكن هذا الحب لفقد الإنسان القدرة على الحب نهائيا وأصبح مسخا من المسوخ، أو لأصبح مجرما، ولذا اقترنت الخيانة بالجريمة.

ففي خيانة الوطن خيانة للحب وكفر بأسمى آياته.

أما السياب فيضيف إلى تعريف الخيانة شيئا آخر :اعني كونها تخل بالكينونة الإنسانية.

لمن ينتمي الإنسان إذا خان بلاده؟!

السؤال هنا لم يكن على صعيد المكان فقط، بل على صعيد الزمان أيضا. إن خيانة الإنسان لبلاده تتضمن خيانته للطفولة باعتبارها مرحلة زمانية متعلقة بالمكان وأناسه وحيثياته، ولا يخفي على العراف دور الطفولة في التكوين الإنساني عامة والتكوين الإبداعي خاصة.

وخيانة الإنسان لبلده تعني خيانة لأسرته،لامه وأبيه وإخوته وأخواته وأقاربه،وهذه الخيانة،خيانة البلاد تعني خيانة الإنسان لمحلته ومدينته والأماكن التي نشأ وعاش فيها، فالأسرة والمحلة والمدينة هي صور مصغرة من البلاد ـ الوطن، فإذا اخل الإنسان بالإخلاص لبلده ومصائر أهله، أخل لهذه الصور المصغرة جميعاً، إذ لا يمكن أن يحدث الخراب الشامل للكل وتبقى الأجزاء سالمة، وأدراك هذه المسألة وفهمها  يتعلق باستيعاب ابسط قواعد المنطق: فالكل يساوي مجموع أجزائه. والوطن هو الكل، العراق يعني لنا نحن العراقيين الكل. هو النخلة والبستان ومجموعة البساتين. هو الساقية والجدول والنهر ودجلة والفرات. هو القرية والناحية والقضاء والمحافظة..... هو بغداد والبصرة والموصل وكركوك وديالى والنجف والناصرية وكربلاء والرمادي ودهوك و السليمانية. هو الإنسان العربي والكردي والتركماني والآشوري والكلداني والأرمني. هو المسلم والمسيحي والصابئي والايزيدي. و هو السني والشيعي والمسيحي الكاثوليكي و الارثدوكسي. هو أشجار النخيل والجوز والبرتقال والتين والرمان والتفاح والمشمش.هو حقول الرز والحنطة والشعير والذرة والدخن والتبغ. هو لقاءات الأحبة وسمر السامرين ومجالس الندماء و أماسي الشعر والشعراء وأغاني الصيادين في أعماق البحيرات وعلى ضفاف الأنهار ومواويل الفلاحين ذاهبين إلى الحقول والبساتين، منهمكين في العمل فيها أو عائدين منها. العراق هو حفلات الأعراس وأهازيج النسوة و"هوسات" الرجال وسحر الابوذية والدارمي والميمر والعتابة في الاماسي المسحورة بنور الكواكب والنجوم والقمر. العراق هو أور وأوروك وبابل ونينوى وبغداد وما أنجبت هذه المدن من حقبات رائعة جعلت العالم كله يقف على رؤوس أصابعه مبهوراً محبوس الأنفاس. العراق هو البلاد الذي يسميه الآخرون قبل العراقيين بـ "مهد الحضارات" أو "مهد البشرية" أو" مهد الإنسانية" أو" حدائق عدن ".

هذا هو العراق الذي يحترق الآن، عراق السياب والجواهري، عراق المتنبي والشريف الرضي وهارون الرشيد وأبو جعفر المنصور،عراق ككامش و اينانا،عراق الأشعار والملاحم والأساطير والذي كلما تحدثت عن أفضاله على العالم والإنسانية كان حديثك ناقصا وبحاجة إلى تتمة. هذا هو العراق الذي يحترق الآن هنا كرداء قديم ويذوي هناك كزهرة ذابلة وتدور عليه الدوائر وتجتمع عليه الدنيا وكان علوم الخليقة كلها لم تنشأ يوما في دارته، ولم تنبت على ضفافه: اختراع الكتابة الذي مهد إلى الصعود إلى الكواكب، إرساء أسس الرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء والطب والعمارة والموسيقى والري والزراعة والاقتصاد وتخطيط المدن. إنه العراق مؤسس الشعر ومجترحه ومهد الموسيقى ووحيها والبدّاء في المسرح والرسم والنحت.

انه عراق العباسيين وعراق ألف ليلة وليلة حيث مجلس علم يجاور مجلس أدب يجاور مجلس موسيقى. من أين تتأمل هذا المكان، ومن أين تقرأ هذا الزمان، ستتوه بك الخطى في الآفاق الرحيبة المديدة اللانهائية. أمثل هذه البلاد جدير بالتقديس أم جدير بالخيانة؟!

أمثل هذا الوطن خليق بالحب أم خليق بالكره؟!

فإلى أين يريد بك الخونة من بنيك الذين رافقوا الحاقدين على مجدك وعزك وثرائك ليقطعوا وتين قلبك وهو وتين قلوب أهلهم وأجدادهم.

وإلى أين يريد بك الخونة الذين يرمون توزيعك حصصاً في المزاد وتقطيع أوصالك، يا عراق!!!

إني إلى لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون

هكذا تساءل أبو غيلان قبل أكثر من خمسين سنة فماذا عساه يقول الآن ؟

كريم الأسدي

شاعر عراقي/ برلين

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home