مقال

 

التطرف ومنهجية التقديس

محمود الباتع



التطرف ومنهجية التقديس

محمود الباتع

لا يوجد إجماع على تحديد مقومات التطرف كما أنه ليس هناك تعريف مطلق له، فالتطرف صفة تطلق غالباً على بعض الناس من قبل البعض الآخر دائماً ولا يوجد بين المتطرفين من يعرف أو من يعترف بأنه شخص متطرف كما أنه من الصعب أن تجد بين الأشخاص أو الأحزاب أو الحكومات من يصف نفسه بالمتطرف، فالتطرف إذن مسألة نسبية تخضع في التقييم إلى المنظومة الاجتماعية بكاملها وما تنطوي عليه من بنود العقد الاجتماعي المعتمد لديها، وربما تجد أمراً قد يعد تطرفاً في مجتمع ما يكون في مجتمع آخر اعتدالاً محبباً ومرحباً به وذلك بحسب اقترابه أو ابتعاده من مجموعة القيم الاجتماعية المتعارف عليها ضمن مجتمع بعينه.

والتطرف كما لا يخفى صفة عامة تتخذ أشكالاً عدة ويمكن أن تنسحب على كل الميادين، فهناك التطرف السياسي والتطرف الاجتماعي وكذلك التطرف الديني وحتى التطرف الاقتصادي. وفي الواقع فإن استخدام هذا الوصف ضد جهة ما تجعل من هذه الجهة موضوعا للشبهة والارتياب كون هذه الصفة لا تشير إلى شيء محسوس يمكن تلمسه ورؤيته بالعين لدى أولئك المتهمين به ولكن ما يظهر جلياً عليهم هو انعكاس هذه الصفة على تصرفتهم تجاه غيرهم من هنا يأتي الحكم على المتطرفين بالتطرف من الآخرين فقط، لذلك يسود الاعتقاد بأن تهمة التطرف تطلق على البعض جزافاً ومن باب محاكمة مغرضة لنوايا الخصوم وغالباً لأغراض سياسية بحتة من أجل إقصاء أو الحط من قدر المنافسين الذين يرفضون بدورهم هذه التهمة. وعموماً فإن التطرف أمر غير جميل كما ينطوي على أمورٍ غير محببة ومهما كان ميدانه فهو كله ملة واحدة خصوصاً عندما يقترن بانتهاج العنف أسلوباً لترويج أو لفرض ما يعتقد المتطرف أنه صحيح. وفي هذا الصدد يقودنا الشاعر والفيلسوف العربي الأكثر إثارة للجدل أدونيس إلى بيت القصيد عندما يقول "أن البشر برغم كل ما أنجزوه من تقدم يبدون وكأنهم يعيشون في تجمعات وحشية يريدُ كل منهم أن يستولي على هذا العالم ويتملكه مدخلاً إياه في خرم عقيدته !" في تعبير واقعي لسلوك المتطرفين جميعاً حيث لا يرى الواحد منهم بقية العالم إلا من خلال نفسه وعبر ما يعتقد بصحته وبحيث يكون الحكم عليه من خلال هذا المعتقد دون غيره، حيث ينظر المتطرف الأيديولوجي إلى العالم من حوله نظرة أحادية استعلائية فيها الكثير من الازدراء والتحقير إلى لآخرين كما تنحصر رؤيته لغيره في أولئك الذين يعتنقون فكره دون غيرهم وترفض بل وتعجز بصيرته عن إدراك من عداهم ويكون عنوانه في ذلك "نحن أو لا أحد" وأيضاً "من ليس معي فهو ضدي" وما إلى هنالك من التعبيرات المشابهة.

الحقيقة أن المتطرف هو شخص يصدق بشدة ما يقول وشديد الإيمان بما يعتقد بل ويتناوله فوق ذلك بكثير من التقديس ويبدو على استعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل فرض عقيدته تلك أو الدفاعِ عنها، وأخطر ما في الأمر هو اعتبار ما يظن أنه صحيح حقيقةً مطلقة ومسلمة لا تقبل النقاش وأنه لا مناص للجميع من أن يعتنقوها ويؤمنوا بها إن طائعين أو صاغرين وبشكل دوغمائي أعمى لا يقبل مجادلة أو نقاش، ويتخذ المتطرف من هذا النهج دستوراً لنفسه وللآخرين يقيّمهم ويحاسبهم ويدينهم أو يبرؤهم على أساسه، وليس صدفة أن نجد أن الأنظمة الاستبدادية القمعية على مر التاريخ كانت جميعها وبشكل أو بآخر أنظمة تتبنى أيديولوجيا متطرفة لا فرق في استبدادها بين نظام ديني أو إلحادي أو قومي أو علماني، فالاستبداد والديكتاتورية هما الوليد الشرعي للتطرف ولا جدال، فالدول الثيوقراطية المأدلجة والأنظمة الديكتاتورية المنبثقة عنها تعمل على الإطاحة بكل المقدسات لصالح مقدسها الخاص بها وهنا مكمن الخطر، فاختزال المقدس الاجتماعي في شخص الزعيم أو الحزب أو الجماعة أو النظرية سيؤدي بالضرورة إلى أن تلتصق أخطاء وربما جرائم ذلك الزعيم أو الحزب أو الجماعة أو النظرية بتلك القيمة التي أريد لها أن تكون مقدسة وستكون في نهاية المطاف الضحية الأولى لذلك الاستبداد والقمع الذي أقيم باسمها ومن أجلها وفي سبيلها.

توجد في علم النفس نظرية تقول أن الإدراك البصري للأشياء ينبع من الاحتياج الوجداني لها فالجائع مثلاً لا يرى في الأسواق إلا الأطعمة وكذلك المتطرف فهو لا يرى في من حوله إلا من هم على شاكلته فيقع في حسبانه أن الناس جميعاً قد آمنوا بما يؤمن واعتقدوا بما يعتقد مما يبرهن له أن أيديولوجيته قد أصبحت هي الحقيقة المطلقة وأن من تبقى من البشر إنما هي حثالة ضئيلة لا بأس من تهميشها أو تجاهلها أو حتى التطهر من أرجاسها بالقضاء عليها، ولا تلبث أن تستبد الفرحة العارمة بذلك المتطرف سواءً كان شخصاً أو منظومة، ليذهب في ما يشبه الخدر اللذيذ الذي يعميه عن إدراك الأخطاء التي يأتي بها ويرتكبها مشايعوه بل ويزينها له باعتبارها إنجازات خارقة للعادة ! كما تأبى عليه القدسية التي يخلعها على نفسه وأفكاره من المراجعة والمحاسبة وتصحيح الأخطاء وبهذا الشكل تتراكم الأخطاء والأمراض دون علاج لتؤدي في الختام إلى انهيار منظومة التطرف تلك بشكل تلقائي ودراماتيكي، وقد رأينا كيف أن إمبراطورية الاتحاد السوفييتي العظيمة لم تتمكن وهي على ما كانت عليه من الصمود في وجه التاريخ لأكثر من ثمانين عاما وهي مدة لا تتعدى سن الفطام الحضاري للدول العظمى، وأزعم أن الفضل يعود في ذلك إلى استبداد التطرف الذي استشرى فيها منذ نشأتها فحملت في ثناياها بذور فنائها. 

لقد أفرز واقع الحال لدينا شبكة واسعة من المقدسات الجديدة التي أفرزتها الممارسة الاستبدادية على غرار ما تقدم، فاختلط الديني بالاجتماعي والفكري بالسياسي وأصبح التطرف سمة غالبة لكل هذه المعاني مما أدى إلى تطرفها وبالتالي إلى إنشاء كم من المقدسات الفكرية التي تحولت مع الوقت إلى تابوهات محظورة، انشغلت أمتنا بها ومن خلالها في صراعات ثقافية وفكرية عقيمة بل وحتى حروب عسكرية أدت بنا إلى أن نتأخر عن الركب الإنساني أشواطاً طويلة، الأمر الذي يدعونا بكل جدية إلى مناقشة ونقد وإعادة اكتشاف مقدساتنا حتى نتمكن من فرز الأصيل منها عن الدخيل وصولاً إلى تحديد هويتنا واكتشاف ذواتنا من جديد لنستطيع مواكبة المسيرة الإنسانية في قطارها الذي فاتنا منه الشيء الكثير. والحقيقة أن أزمة القيم التي نعيشها اليوم هي أزمة أضحت تطال كل المجالات فمن الشأن الاجتماعي وموضوع حقوق المرأة إلى الاقتصادي في ظل تغول رأس المال وتزايد الفقراء والعاطلين إلى السياسي ومسألة الديمقراطية والحريات العامة وصولا إلى الديني واستفحال التكفير والطائفية وهوية الدولة والمجتمع والفتاوى والفتاوى المضادة، تقف مسائل جدلية شائكة تستنزفنا كل يوم حضارياً وفكرياً بكل ما تنطوي عليه من معاني وقيم كثيراً ما نعتبرها مقدسة وهي ليست من القدسية في شيء.

لقد أصبح نقد المقدسات ولا أقول انتقادها ضرورة ملحة حفاظاً عليها من الوقوع بين براثن التطرف والمتطرفين الأمر الذي سيؤدي بها حتماً إلى الضياع، فعندما نتحول إلى متسولين تحت شعار حرية رأس المال واقتصاد السوق وعندما نعامل كعبيد حفاظاً على مكتسبات الثورة والتحرير مثلاً وعندما تكتم أنفاس المرأة وتحرم من الحياة الطبيعية باسم الحفاظ على التقاليد وعندما تجبر على السفور باسم التحرر والحداثة وعندما نذبح على الهوية باسم أهل السنة والجماعة أو تقرباً لأهل البيت فأية قداسة تبقى لكل هذه المعاني وأي قيمة أبقاها لنا المتطرفون لنعمل على تقديسها؟ وكذلك فعندما يقدم متطرفوا القومية العربية على الإمساك بتلابيب مواطنيهم والتنكيل بهم في سراديب التحقيق هل ينتظر من هؤلاء المواطنين إلا أن يكفروا بالعرب وبالعروبة معاً ؟ وعندما يقدم متطرفون دينيون على الإجهاز على كل القيم الدينية باسم الدين، ألا نخشى أن يأتي علينا يوم نجد فيه أنفسنا بلا دين ؟ حدث هذا فعلاً وكم أخشى أن يحدث أكثر منه لو لم نقف وقفة جادة مسئولة قبل أن نصبح بأدياننا ومقدساتنا جميعاً في خبر كان. وتقبلوا مودتي،

elbatie@hotmail.com




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home