القلم النقدي

 

عيد المرأة العالمي في مكة المكرمة

زياد أبو شاويش



عيد المرأة العالمي .. في مكة المكرمة !

بقلم : زياد أبوشاويش

في الثامن من آذار(مارس) عام 1986 استيقظت مبكراً كالعادة من النوم لأخذ جرعة الدواء في موعدها ، ومن ثم لتناول طعام الإفطار في المستشفى رقم 13 بموسكو .

كنا قد وصلنا قبل هذا التاريخ بأسبوعين للمستشفى ، في منحة علاجية مع بعض الرفاق من خريجي المعتقلات الصهيونية ، الذين وصلوا إلى دمشق في أشهر عملية تبادل للأسرى بين المقاومة الفلسطينية والعدو الصهيوني عام 1985 ، والتي كانت فيها الجبهة الشعبية " القيادة العامة " طرفاً فلسطينياً ما زلنا نعتز بقدرته على فرض شروطه المؤلمة على العدو . وكنت الوحيد ممن ليسوا ضمن هؤلاء الأسرى حيث كنت أقيم بدمشق قبل خروجهم من الأسر .

غادرت حجرتي بالمشفى إلى فسحة الطابق لإعطاء فرصة لتهويتها لفترة محددة ككل يوم ،وحيث الجو في هذا الوقت من العام  يكون بارداً والأرض بيضاء يكسوها الثلج في كل بقعة ، ولا تستطيع المشافي أو غيرها ترك الشبابيك مفتوحة لأكثر من فترة محدودة  لأن درجة الحرارة ستصبح أقل مما يمكن تحملها ، وخصوصاً في مثل هذه الأماكن العلاجية .

فور مغادرتي الحجرة لفت انتباهي حركة غير طبيعية بالممر وبالاستراحة كما بين الممرضات والأطباء من الجنسين ووجدت نفسي أمام مناسبة هامة وكبيرة اسمها الاحتفال بعيد المرأة العالمي بالمشفى . الممرضات يرتدين ملابس جميلة بخلاف المناوبات اللواتي يرتدين الزي الأبيض التقليدي ، كما بوجود كمية كبيرة من باقات الورد سواء في المزهريات المنتشرة بالفسحة أو في يد هؤلاء النسوة . وكنا قد احتطنا قبل أن نغادر إلي موسكو لهكذا مناسبات بأخذ كمية معقولة من قطع الشكولاته والعلكة والإكسسوارات ، وهي الخبرة التي اكتسبها من سبقنا إلي تلك البلاد بحكم التجربة والاختلاط . المهم أني سارعت بإحضار ما تيسر من الحجرة وقمت بتوزيعها على السيدات بالقسم الخاص بحالاتنا في المشفى ، ومكثنا نراقب جو الاحتفال ونستمع إلى بعض الشرح من الأصدقاء لأهمية العيد وخصوصيته ، كما تأكدنا  منهم أن هذا العيد يعتبر من أهم الأعياد في الاتحاد السوفييتي بعد عيد العمال في حينه .

أردت بهذه المقدمة أن ابدأ حديثي عن عيد المرأة العالمي في وطننا العربي ، كيف نراه ، وكيف يمكن أن نجعله مهماً كأهمية المرأة في حياتنا ؟ .

عيد المرأة هو في جوهره العيد الذي يعبر عن كل ما تعنيه المرأة في حياتنا : ألأم والزوجة ، الأخت والصديقة ، الحبيبة والزميلة . المهندسة والطبيبة ، المدرسة ومضيفة الطائرة ، مربية الأطفال وربة المنزل . هو عيد كل المرأة في كل مواقع تواجدها ، وسواء كانت هذه المرأة مظلومة أو تم إنصافها فان عيدها يكتسب دائماً نكهة إنسانية خاصة ، لأنها الأصل في كل شيء

وبالقدر الذي ظلمت فيه المرأة عبر التاريخ ، بعد سيطرة الرجل على مقاليد المجتمع والدول ، بنفس هذا القدر يكون عيدها مناسبة للوفاء لها على ما قدمته للحياة من دفقها وروحها المعطاءة والتي أقر بها كل الأنبياء كما كل الديانات والفلسفات ، وكما يكتسب عيدها بعده الكوني يكتسب أيضاً قدرته على التعبير عن كل ما يمت للحياة بصلة ، وللرجل على وجه الخصوص .  ولا يقلل من هذه المعاني أن أكثر من نصف نساءنا العربيات المسلمات لا يعملن ولا يخرجن من البيوت إلا لضرورة ، ولا خضوعها لبعض التقاليد والعادات غير الحضارية .

وقد تعددت الاجتهادات في كيفية تجاوز هذا الواقع ، ولعب التقدم التكنولوجي دوراً محموداً في معالجة بعض هذه الظواهر الكابحة لإبداع المرأة وعطاءها الفريد .

إن العمل المنزلي المبرمج والتواصل عبر الانترنت قد خلق فرصاً جديدة لها لتحصيل العلوم في مستوياها العليا خصوصاً في مجتمعات وبين عائلات محافظة وتتمسك بالتقاليد بشدة .

وقد لوحظ أن المرأة أكثر ميلاً للمكوث في منزلها من الرجل ولذا فهي أكثر ميلاً لدخول الانترنت الذي يحتاج لوقت طويل لتحصيل الفائدة المرجوة من استخدامه ، ونحن هنا نتحدث عن الاستخدام الرشيد للانترنت وليس العشوائي .

لعل المرأة العربية قد استوعبت المرحلة وأهمية انخراطها أكثر في المجتمع والإنتاج ، حيث نرى فهماً أعلى للحرية ، وحرصاً أكبر على نيلها ولن يتأتى ذلك إلا عبر الإصرار على صعود الجبل حتى قمته . يقول المثل : " الناس تسخر من المرء وهو يصعد إلى الجبل ولكنهم يصفقون له عندما يصل إلى القمة " . وهذا يدركه الجميع ، ومناسبة عيد المرأة يشكل ذلك الحافز الهام على تسلق السلم والوصول إلى نهايته . إن أهم ما يمكن أن نقدمه للمرأة للوصول إلى ما نبتغيه ، هو إتاحة الفرصة لها للتعلم عبر مستويات مختلفة من العلوم والثقافات .

إن وصول المرأة إلى قمة الجبل سيكون العيد الأكبر للرجل ، هو اليوم الذي ينعتق فيه من كل وزر الماضي وزنازينه العفنة الرطبة . هو يوم يصبح فيه العيد للرجل مثلما للمرأة . وكما هو واضح فالأسر والحرية المفقودة يعانيها الرجل العربي والمسلم بذات القدر الذي تعانيه المرأة بل يزيد . أنهما أسر المسؤولية المنفردة في أسوء تجلياتها ، وكبت الحرية بأسر العقل بمفاهيم خاطئة وشوفينية تجاه شريكته المرأة . انه بهذا رهين المحبسين ، وإنما القوامة  المزعومة هي ذلك القيد الذي فهم بطريقة مقلوبة فزاد السجن ضيقاً على ضيق .

لابد من الإقرار أن هناك قدرات للمرأة تتفوق بها على الرجل كما العكس ، وهذه سنة الله في خلقه ، والأدوار موزعة ومتكاملة بطريقة بديعة لو أحسنا الاستفادة منها بشكل جمعي وكلي .

إن حساسية المرأة ونفاذ بصيرتها تجاه موضوع البنوة والأمومة يشكل عصب الحياة الرئيسي لملامسة المستقبل وضمان صيرورته ، وهي الأقدر والأكثر شفافية على معرفة الخبيث من  الطيب تجاه ما هو صالح للطفل وللرجل على حد سواء . وهي بهذا تستطيع أن تقدم للجيل الشاب ولمستقبله الكثير .

ومن التكرار أن نتحدث عن حرية المرأة ارتباطاً بحرية بلدها أو قومها وأمتها ، فهذه أصبحت مفهومة وهي عناوين كل البرامج التقدمية من أجل انخراط أعلى للمرأة في مهمات النضال التحرري الذي تخوضه الأمة والدولة  ضد أعدائها من قامعي حريتها بالاحتلال المباشر أو بالاستغلال الجائر لقدراتها ، وناهبي ثرواتها عبر أشكال العولمة الاستعمارية الجديدة .

وقد ترسخ مفهوم الحرية الجمعي أو الكلي بربطه بحرية طرفي المعادلة المجتمعية ، وبالشق الداخلي منها كما بالخارجي .

إن عيد المرأة العالمي هو مناسبة للتفكير الجدي في تطويعه ليخدم أهداف امتنا وديننا الإسلامي الذي نرجوه وعاءً لكل تقدم وازدهار ليس فقط لامتنا بل ولكل العالم غربه وشرقه .

لقد خبرنا مهرجانات الشباب العالمية ، ورأينا كم تقرب الدول والأمم من بعضها وكيف يتم اكتساب الخبرات والثقافات على تنوعها من خلال ذلك الاندماج الإنساني في هدف أسمى عنوانه نشر الحب والسلام بين الشباب في كل العالم ، وضد التوحش ، وضد ازدراء الآخر .

وفي هذا المقام نتساءل متى ستتمكن المرأة في وطننا العربي خصوصاً في السعودية ودول الخليج من تجاوز واقعها المتخلف لتقدم يد العون للرجل وللمجتمع عموماً .

نحن هنا لا نتحدث عن أجازات السوق أو السفور على أهميتها وضرورتها ، لكننا نتحدث عن مساهمة فعلية وملموسة في تحمل أعباء الحياة بكل صورها ، في البيت كما في الغيط ، في المدرسة كما في المعمل ، وفي النشاط الجسدي كما العقلي ؟.

إن كوابح هذه الحرية وذرائعها الاجتماعية لا علاقة لها بالدين الحنيف ، ولن يستمر تدفق النفط إلى ما لانهاية ، فكيف السبيل إلى بقاء المستوى المعيشي الممتاز لهذه الدول في ظل تعطيل نصف المجتمع ، والأمر هنا ليس له علاقة بالضرورات التي تبيح المحذورات فقط ، وهي القاعدة الفقهية الإسلامية الشهيرة والعظيمة ، بل بمفهوم تطرقنا له يتعلق بحرية الرجل وهو النصف الآخر من الكوب الذي لابد أن  نحرص عليه ممتلئاً . ولأنه عيد المرأة العالمي فلا ضرورة للدخول في متاهات الفتاوى والتشريعات التي توضع عادة ليس قيداً على حرية الممارسة بل على حرية العقل وإعماله الضروري لكل تقدم وحياة سوية إن لم نقل عصرية .

إن مهرجاناً للمرأة في عيدها العالمي بعد عدة سنوات من التحضير في مكة المكرمة ربما يعطي للإسلام عشرات أضعاف كل ما يبذل الآن من دعاية لرفع الظلم والغيوم السوداء عنه وعن كل مفاهيمه الإنسانية التي تسوق بشكل مغلوط وبظلامية كريهة وغير منصفة .

 

ودعونا نتصور كالحج على سبيل المثال ، أن عشرات الآلاف من النساء توافدن على المملكة العربية السعودية ، ومكة تحديداً ، للمشاركة في مهرجان للنساء على مستوى العالم ، وتم الإعداد له بشكل جيد ومحكم ، ووفرت له الإمكانيات والأماكن المناسبة ، وبما يليق بحضارتنا العربية التي قدمت ذات يوم أفضل ما أنتجته البشرية على كل الصعد .

تصوروا أن يحدث هذا ، فكيف ستكون النتيجة ؟ أعتقد أن دنيا أخرى سنراها ، بل تغيراً إنسانيا حضارياً غير مسبوق ، وعودة إلى مجد أمة تعاني الآن كل أنواع البطش والحصار والتنكيل من مشرقها إلى مغربها .

إنها دعوة جادة وصادقة ، فان كانت الظروف الآن لا تسمح بمثل هذا المهرجان ، وان كنا لا نزال لا نعرف قيمة هذا العيد ، فان المستقبل والحرية التي تحدثنا عنها تستوقفنا وتنبهنا إلي ضرورة أن نبدأ بخطوات محسوبة ومدروسة من أجل هذا المستقبل وهذه الحرية .

في عيد المرأة لابد أن يعمل العقل والخيال ، العقل بالدراسة المتأنية والمدروسة لخطواتنا ، والخيال في وضع الأحلام الممكنة التحقيق والأهداف الصحيحة .

وفي الختام نوجه التحية للجمال والعظمة والعطاء الذي تمثله المرأة ، في يوم عيدها وفي كل الأيام ، ولمهرجانها الكبير بمكة ........ سنبقي الحلم مشرعاً .

زياد أبوشاويش

Zead51@hotmail.com

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home