القلم الفكري

 

بن بركة من أجل أرماندوانطرالغو

إدريس الجبروني المصموي



بن بركة من أجل أرماندوانطرالغو

 

 ترجمة/ ادريس  الجبروني المصموي


1-أشكال الكفاح في إفريقيا.

 - تحالف العمال والفلاحين

 -العنف

 - أخطاء الحركة الوطنية. 

"... نعلم أن الاستغلال الاستعماري قام عندنا على اغتصاب المعمرين للأراضي الزراعية الذي نتج عنه استفحال البطالة في القرى، وهجرة الفلاحين للمدن. وهم الذين دخلوا أفواجا في الحركة الوطنية، بينما منبع سخطهم ومصدر قوتهم الثورية خارج هذه المدن وفي وسط الأرياف. ولذلك فبمجرد ما تصل حركة التحرير الوطني إلى هذه الأرياف نكون قد أقفلنا الحلقة، وتصبح الطاقة الثورية المتجمعة في كلا القطبين الحضري والبدوي قوة لا مرد لها...". 

                 (  بن بركة)

 

لم تكن القارة الإفريقية، عند انتقال الاستعمار الأوروبي إلى مرحلته الإمبريالية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، غير بلاد فلاحين يعيشون على الفلاحة المعاشية، وكانت هذه الميزة مسيطرة على حقيقة مركبة –حسب كاتب إنجليزي- لو كانت هذه الدول اتبعت تطورا طبيعيا دون تدخل العنصر الأجنبي، كان سينتج عن هذه الاقتصاديات المعاشية بنيات اقتصادية عصرية. غير أن دخول العنصر الأجنبي الأوروبي أفلس الفلاحة المعاشية ومعها أفلس الفلاح الإفريقي، الذي سلبت منه الأرض وسلمت للمعمرين الأوروبيين، وأصبح الإفريقي صاحب الأرض مجندا في خدمة المالك الجديد للأرض أو مجندا للبحث عن المناجم في قلب أفريقيا، وهكذا وجدت الأشغال الشاقة وظاهرة العامل المهاجر، كما عرفت المدن الإفريقية نموا مدهشا، خاصة في فترة ما بين الحربين العالميتين.

في سنة 1931، كان عدد سكان مدينة "داكار" (السينغال) 54 ألف نسمة، وبعد ثلاثين سنة ارتفع إلى 383 ألف نسمة، وفي نفس الفترة، ارتفع عدد سكان "أبيدجان" من 10.200 إلى 180 ألف نسمة، و"باماكو" (مالي) من 19.400 إلى 180 ألف نسمة، و"أكرا" من 60.700 إلى 325.000 نسمة، و"ليوبولد فيل" من 30.200 إلى 389.500 نسمة و"نيروبي" من 29.800 إلى 250.800 نسمة و"سالسيبوري" من 20.100 إلى 192.800 نسمة إلخ ...

وإذا كانت السلطات الاستعمارية تحتاج إلى اليد العاملة المأجورة في المراكز الحضرية، فهي من جهة أخرى كانت تخشى وتيرة نمو هذه المراكز، وكما يقول بن بركة، إن أفواج الكادحين المكدسين في الضواحي الفقيرة المعروفة بمدن القصدير، كانت له نتيجة إيجابية، وهي نشوء طبقة عاملة، جعلت من المدن الإفريقية في عقد الخمسينات عبارة عن بركان من الإضرابات والمظاهرات. وهنا يجب التذكير بحالات "أبيدجان" و"لاغوس" و"أكرا" والدار البيضاء و"بريتوريا" و"سالسيبوري" الخ...

وكما يشرح ذلك بن بركة "إن منبع سخط هذه البروليتاريا يوجد في الأرياف. والعامل المهاجر إلى المدينة والمطرود من أرضه هو في حد ذاته تركيب التحالف بين العمال والفلاحين، هو تعبير عن إخلاء الأرض الإفريقية من سكانها، نتيجة غياب التصنيع، وفك الارتباط بالإنتاج الفلاحي وقلة المواد الغذائية.

من بين هؤلاء السكان المكدسين في مدن القصدير برزت النواة الأولى من مناضلي الأحزاب السياسية الأولى، تلك الأحزاب الوطنية التي كانت تتزعمها عناصر من البورجوازية الصغيرة، بقياس وسطهم كانوا مستغلين من طرف الاستعمار. أما الجماهير التابعة لهم فكانت تعكس "مواقف رجال ونساء، أغلبيتهم لم تكن في هذا العالم أو ذاك. لم تكن في العالم القروي القديم، ولا في عالم المنافسة الحضرية". وفي ما بعد بدأت هذه المواقف، مع مرور الزمن، تتخذ طابعا طبقيا عبر سيرورة بطيئة وثابتة. أما المشكل الثاني الذي يوضح هذه المرحلة أكثر، والذي عبر عنه بن بركة في إحدى المناسبات بـ "إن النضال الثوري ضد أي نظام اقتصادي واجتماعي لا بد أن يكون مزيجا من الوسائل السياسية والعسكرية، وتأرجحا مستمرا بين الأساليب القانونية، والأساليب غير القانونية". وهنا يتفق فكر بن بركة مع فكر "فانون" : "بعد أعوام من اللاواقعية، وبعد تثوير بين أشباح لا تصدق، فإن المستعمر حمل الرشاشة ليواجه القوات التي أنكرت كيانه، أي القوات الاستعمارية. والشاب المستعمر اكتشف الواقع وحوله إلى حركة عملية في ممارسة العنف".(فرانز فانون)

 

 

إن القارة الإفريقية المقسمة اليوم إلى أفريقيا التي تحكمها الأقلية العنصرية، وأفريقيا المستقلة وأفريقيا الاستعمار الجديد، عليها أن تطرح من جديد، وفعلا فإنها تطرح هذه المشاكل بما فيه سخط الجماهير وعودتها للنضال لأجل تغيير الوجه والعمود الفقري لهذه الوضعية. و بن بركة كان يلح على طرح هذه المشاكل في محيط أفريقيا الاستعمار الجديد، كابن من خيرة أبناء المغرب الذي يعاني من وطأة المصالح الأجنبية أكثر من السنوات الأولى التي حصل فيها على استقلاله. إن الاستعمار الجديد، الذي سنعود إليه فيما بعد، أحكم قبضته على هذه الدول بتواطؤ ورضا "سياسيين وطنيين لم يلحوا أبدا على ضرورة استعمال القوة، لأن هدفهم لم يكن هو التغيير الجذري"، "بالنظر إلى الحلول التي يطرحها العنف، فإن النخبة تكون غامضة".

                                                                                         *(فرانزفانون)

يشير بن بركة إلى الخيبة التي أصابت الأحزاب السياسية الوطنية التي حصلت على استقلال بلادها عن طريق المفاوضات، وتأتي هذه الملاحظة من عند بن بركة، بعد ملاحظته بانوراما الحكومات التي لا لون لها، والتي لم تكن غير كراكيز كثيرة العدد داخل منظمة الوحدة الإفريقية. إن نقده لبعض العناصر داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالمغرب، وهو نقد ذاتي في نفس الوقت، قدمه المهدي بن بركة في الستينات، ظل صائبا في هذا السياق.

" يظهر لي أننا في الماضي قد انزلقنا نحو ثلاثة أخطاء رئيسية، سوف تكون قاتلة لا محالة إن لم نتداركها في الظروف الراهنة ".

- الخطأ الأول، يرجع إلى سوء تقديرنا لأنصاف الحلول التي كنا مضطرين للأخذ بها.

- الخطأ الثاني، يتعلق بالإطار المغلق الذي مرت فيه بعض معاركنا بمعزل عن مشاركة الجماهير الشعبية.

- الخطأ الثالث نشأ عن عدم الوضوح في مواقفنا الإيديولوجية وعن عدم تحديدنا لهوية حركتنا ".

إن الأحزاب الوطنية المترددة التي وصلت إلى السلطة السياسية في بعض الدول الإفريقية لم تعرف كيف تفي بالوعود التي أعطتها للشعب قبل الاستقلال، وأحزاب أخرى انتقلت إلى المعارضة العلنية أو السرية، وجدت نفسها مضطهدة من طرف حكام ديكتاتوريين أو من طرف رفاق الأمس، كان عليها أن تستوعب النقد الصائب للزعيم المغربي، الذي كان يقول : " لا التفاؤل الثوري ولا الثقة الكاملة في النتائج النهائية للكفاح ضد الإمبريالية يجب أن يمنعنا من القيام بتحليل للجزر الخطير الذي تعرفه الحركة الثورية في بعض الجبهات ".

و سبب هذا التراجع يكمن بالنسبة إليه: " بين الطموحات والقدرات الثورية للجماهير الشعبية من جهة والشروط الذاتية التي تمنحها المنظمات الحالية بشعاراتها وبرامجها، التي غالبا ما تكون غير قادرة لدفع الجماهير إلى مستوى المهام التاريخية ".

في أكثر من بلد إفريقي حصل على استقلاله دون كفاح مسلح، فإن شروط العمل الذاتية للمنظمات التقدمية المناهضة للاستعمار الجديد لم تعط انطلاقة حركة شعبية قوية وارثة لتكتيك نضالها، وشاهد على هذا سلسلة الانقلابات العسكرية التي تعرفها القارة الإفريقية، وأفضل تفسير سببي معروف ومقبول هو الضعف الملازم والغريزي للبورجوازية البيروقراطية التي ورثت الحكم عن الاستعمار، وكذلك التناقضات الداخلية التي تعيشها الأحزاب ذات المصدر والبرنامج الشعبي.

 

2)-بعد الاستقلال:
- الاستعمار الجديد أو الاشتراكية أو رأسمالية الدولة
 

إن الفكر السياسي عند المهدي بن بركة يولي أهمية خاصة لتلك اللحظة العظيمة والمليئة بالريبة والشك، وهي يوم إعلان استقلال الدول المستعمرة سابقا، إنها لحظة عظيمة كخطوة أولى، ومع ذلك يذكرنا بن بركة بأن اعتبار الحصول على الاستقلال شيئا تقدميا قد مر، و " فقط يحمل معنى تقدميا المضمون السياسي والاقتصادي لهذا الاستقلال ". وإذا أشرنا إلى أنه ما بين غشت ونونبر 1960 حصلت الدول التي كانت تشكل منظمة "الأفرومالغاشي" على استقلالها من فرنسا، فهي لم تتخل عن كونها تابعة للاقتصاد الأوربي المشترك، وعلينا أن نتفق مع بن بركة على أن غياب صبغة "اقتصادي" بجانب اسم "الاستقلال" يفقده ويفرغه من كل معانيه.

هذه المسألة أساسية لفترة ما قبل الاستقلال ومرتبطة بطبيعة الحكم في الدول الجديدة ولها علاقة بشكل الحركة الوطنية التحريرية التي وصلت إلى السلطة.

يقول بن بركة: " يجب تحديد هل الذين بيدهم الحكم هم تعبير للإرادة الوطنية أم هم ممثلون للمصالح الاستعمارية... المسألة الأساسية في كل حركة وطنية هي مسألة السلطة السياسية: يجب السهر على أن يترجم الاستقلال مباشرة إلى انتقال السلطة الفعلية والكاملة إلى الممثلين الحقيقيين للثورة الوطنية في البلدان المعنية...".

مثال : في سنة 1960 تحولت الوديعة الفرنسية الكامرون إلى "جمهورية الكامرون". وإن الحركة التحريرية التي هيأت الشعب للكفاح المسلح مبكرا في سنة 1955 وعجلت به سنة 1958 تعرضت لهجوم مضاد بدون رحمة من طرف الاستعمار الفرنسي وكراكيزه المحلية. وبعد موت الزعماء "روبين أوم نيبو" و"فليكس مومي". عرفت منظمة "اتحاد شعوب الكاميرون"، التي كانت تقود حرب العصابات خيانات عديدة من بينها خيانة القائد السابق "للماكي" في منطقة "ساناغا – ماريتيم" وحاول نواب رئيس المنظمة التصدي للرجعية غداة شهر يناير سنة 1960، وهكذا ففي مطار "دوالا" بضواحي "ياوندي" كان للضيوف الأجانب للرئيس "أحمادو أحيجو" الذي وضعته فرنسا في رئاسة الجمهورية فرصة مشاهدة الوطنيين الكاميرونيين الذين أطلقوا النار علامة على رفضهم للاستقلال المزيف. والآن أصبحت حكومة الكاميرون السند الثابت لمخططات الاستعمار الجديد، أما منظمة "اتحاد شعوب الكاميرون"، بعد أن راهنت على تطهير ذاتي كان مصيرها المنفى، وهي تحاول الآن العودة إلى الواقع لإخراج الثورة الكاميرونية من الطريق المسدود، ويمكن ذكر عدة أمثلة في هذا الصدد كالنيجر والملاوي وكينيا إلخ...

إن الواجب الأول لكل ثورة وطنية يكمن قبل كل شيء في الاستيلاء على جهاز الدولة وتسخيره لخدمة الشعب. يقول بن بركة: " في أفريقيا كل سياسة لا تمر من استئصال جذور الهيكل الإقطاعي والرأسمالي الاستعماري إنما تخدم مصالح الاستعمار الجديد، رغم ادعائها بالعمل على التصنيع والتخطيط وحتى الاشتراكية".

إذا كانت في بعض المناسبات كلمات مثل "التخطيط" تصلح لرأسمالية الدولة كما يستخدمها الاشتراكيون الطبيعيون، فإن تلك المناسبات هي انتقالية، وإذا كان التخطيط عبارة عن أداة رأسمالية الدولة. "هذا فقط يمكن قبوله عندما تكون القوات الشعبية قد تركت الفرصة تمر دون فرض إرادتها".

 لقد حاولت بعض الاتجاهات الظهور أثناء مناظرة الاشتراكيين العرب التي أقيمت بالجزائر، وكان هدفها الرفع من درجة تزييف وتمييع الفكر الثوري في العالم العربي وإظهار أن البناء الاشتراكي يحقق نجاحات كبيرة في دول مثل العراق، لو كتب النجاح لهذه المناورة لكان من الواجب القبول كذلك بالظاهرة "الفكاهية – المأساوية" المسماة "الاشتراكية الدستورية" للحبيب بورقيبة ... ومن يدري؟ حتى "الميكرو – بورجوازية" المالية القوية بالكويت ستبدأ بأداء دورها بين الاشتراكيين العرب.

يقول بن بركة في هذا الصدد : " إن برنامجا لتنمية قومية شاملة، ليس معناه أن يخدم جميع مصالح فئات المجتمع أو بالأحرى مصلحة إحدى فئات المجتمع دون سواه ا" ويضيف : " وإن دور حزب ثوري في الساعة الراهنة ليس هو رفع يافطة الاشتراكية، وإنما هو أن يثبت الخصائص التي تتميز بها أهدافه القومية الأصيلة عن الاشتراكيات المزيفة التي يملأ طنينها أرجاء القارة الإفريقية، فمن الضروري إذن أن نقاوم بشدة الانحرافات والتضليلات التي تتستر تحت اسم الاشتراكية وهي في الواقع ليست سوى أنظمة شبه فاشية أو إقطاعية أو عميلة للاستعمار ".

ولماذا يملأ الاشتراكيون المزعومون اليوم القارة الإفريقية بأصواتهم الرنانة؟ كيف يستطيعون التحدث في إفريقيا عن الاشتراكية نظام شبه فاشستي –الكامرون والنيجر- أو "دول إقطاعية" أو "ربيب للإمبريالية" – السنغال، كينيا – وأيضا بعض دكتاتوريات البوليس والعسكر؟.

وكما درس المستفرق الهندي (المهتم بالشؤون الإفريقية) "جيتندرا موهان"، ففي معظم الدول الحديثة في إفريقيا، الطبقة المسيطرة هي نتاج تام وخاص عن الوضعية الاستعمارية، تتميز بعدد ضئيل من الأفارقة : قدماء البيروقراطيين من المستوى الثاني في الإدارات الاستعمارية، أصحاب الامتيازات من ذوي المهن الحرة – أطباء، صيدليون، معلمون، أطباء الأسنان، التجار (التجارة الوسيطة) والفلاحون الصغار والمتوسطون (الفلاحة التسويقية). لا يتعلق الأمر ببورجوازية وطنية بحصر المعنى، ذلك أن أسلوب الاستغلال الاستعماري تفادي احتمال تراكم الرأسمال في أيدي افريقية. لكن بفضل الفرص الوحيدة للتعليم والأداء السياسي المتوفرة من قبل الاستعماريين، تميزت هذه الطبقة المسيطرة بـ "وعي طبقي متفوق" على وعي جماهير الفلاحين والعمال التابعين لنظام العمل المتنقل السائد في إفريقيا، نفس التردد في مواقفهم الفاصلة ينعكس في تصرفاتهم السياسية قبل الاستقلال وبعده.

وبالرغم من أن الطبقة الإفريقية المسيطرة حاليا كانت هي صوت الدعوة الوطنية إلى الاستقلال، فإن هذه النزعة الوطنية لم تكن تعبر عن أكثر من رغبتها وقرارها لتصفية الحكم الاستعماري الذي كان بأي حال يقمعها في مستواها الثاني، ثم لممارسة السيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على شعبها ذاته. هذه المجموعة لم تر في الحصول على الاستقلال المرحلة الأولى للتحرير الشامل للبلاد، وهذا الاستقلال لم يكن سوى نقطة الانطلاق لنموها التام كطبقة مسيطرة، لم تحاول إذن تحطيم النظام الاستعماري، بل تعويض النخبة الاستعمارية الأجنبية بنخبة إفريقية، ومن ثمة جاءت دعواتهم المتكررة بأفريقانية الإدارة، ومع ذلك، ففي قارة تعتمد على الفلاحة ويشكل الفلاحون غالبية سكانها، فإن عصرنة الفلاحة والفلاحين هي أساس كل تقدم. إن الطبقة الحاكمة في الدول الحديثة، بدون قوة أخرى اقتصادية، لأن الباقي لا يزال في أيدي أجنبية، عليها أن لا تكل في محاولة إقناع الجماهير بالدور المسير للدولة في النمو الاقتصادي، كما ستطلب منهم بذل مزيد من التضحيات، يجب في نفس الوقت أن تذكرهم بتأكيد بمدلول "الوحدة الوطنية"، حينذاك سيظهر مفهوم "الاشتراكية الإفريقية"، الذي سيعبر بإيقاع عن "المساواة، ورفاهية الأمة، وتقديم كل ما هو اجتماعي، تقليدي وجماعي على المصلحة الفردية". كل ذلك مصحوب بالنداء المتكامل لـ "إفريقيا بدون طبقات".

إن مسيرة النمو في أفريقيا، تجعل بالخصوص مفهوم التخطيط مقبولا بالنسبة للطبقة المسيطرة التي تتحدث عن "الاشتراكية الأفريقية" و أيضا عن الجماهير المعدومة و الطامحة في الحصول على منا فع الحياة العصرية – و هكذا فا لتخطيط يتحول كما قال أحد الاقتصاديين  إلى معوض للتغيير الجدري للبنيات ، أو بعبارة أخرى للثورة الأفريقية.

لقد أشار بن بركة إلى أنه "لابد من مرور فترة طويلة أو قصيرة بين نهاية معركة التحرر السياسي وبين النقطة التي يمكن أن تنطلق منها حركة ثورية حقيقية، وغالبا ما تطول هذه الفترة اللهم إلا إذا استطاعت الحركة التحريرية أن تحطم هيكل الدولة الاستعمارية مثل ما وقع في "فيتنام الشمالية".

 

3) - التغييرات الطارئة على الاستغلال الإمبريالي لإفريقيا

 –  مساوئ النمو

 

إذا بحثنا في الماضي، كيف تحققت هذه الاستقلالات الإفريقية بعد الحرب العالمية الثانية، إذا استثنينا الأمثلة المعدودة في مصر سنة 1952 و"غانا" 1957 (مع تحفظات بسبب الوقت الذي مر بين حملة العمل الإيجابي لسنة 1950، وبالقبول التام لحكومة "نكروما" من قبل الإدارة الاستعمارية البريطانية في مارس 1957)، في "غينيا" 1954 والجزائر 1962، إن الكفاح المسلح الطويل هو الضمانة الأفضل، والثورات المجهضة بطعنة الحربة وحيل وكيد الأوروبيين في الكامرون والنيجر والمالاوي، وكينيا والكونغو " لابد من طرح هل جاءت هذه التحررات بفعل الانتصار على المستعمر أم بالتعاون معه ". علينا أن نأخذ في اعتبارنا، عند تقييم أو إصدار حكم على الدول الإفريقية والشرق أوسطية حاليا  " إن ما كان غير نزعة إمبريالية بين الحربين العالميتين (خلق المملكة المستقلة بالعراق سنة 1932 مثلا) تحول إلى سياسة مدركة بوضوح ومطبقة بمواظبة، حيث برز المصطلح المعروف بـ "تصفية الاستعمار".

إن التفسير الاقتصادي لبن بركة يأخذ قاعدته في التغييرات الطارئة على الاستغلال الإمبريالي لإفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية و" لم يكن هذا الاتجاه الجديد مجرد اختيار في السياسة الخارجية للدول الأوروبية، بل هو تعبير عن تطوير عميق في أسس الرأسمالية الغربية ذاتها نتيجة لما حدث بعد الحرب العالمية الثانية من تغيير في أوربا تحت تأثير مشروع "مارشال" والتداخل المتزايد للاقتصاد الأمريكي مع الاقتصاد الأوروبي مما جعل هذا الأخير يفقد خصائص القرن 19 التي كانت تميزه، ويحاول التشبه برأسمال الولايات المتحدة، فمن الطبيعي إذن أن ينهج نفس الأسلوب فتبحث أوربا عن أمريكا اللاتينية خاصة بها ". وعن نماذج "الخطة الجديدة" أو الاستعمار الجديد مع متاعب التخلف الذي تركه الاستعمار القديم، والتي يعبر عنها بمصطلحات "الاشتراكية الإفريقية" و"التخطيط" تبرز الحقائق المؤسفة لهذه الجمعيات الإقليمية "من أجل النمو الإقليمي" معلومة حاليا من قبل الإمبريالية الأمريكية كما كانت من قبل من طرف أوربا، كالاتحادات الجمركية لإفريقيا الغربية وإفريقيا الاستوائية، الفرنسيتين سابقا، وكذلك مشروع نهر السنغال، وأيضا مشروع (الميثاق) التحالف، كإتحاد أفريقيا الشرقية والمنظمة الإفريقية الملغاشية المشتركة، بحيث أن تجسيد أسلوب العمل الاستعماري الجديد ذي الطابع الأوروبي هو بلا ريب معاهدة ضم الدول 18 الإفريقية إلى الجمعية الاقتصادية الأوروبية، أو اتفاقية "ياوندي" [التي انتهت سنة 1969].

إن لفظ النمو يستعمل كتبرير لأية اتفاقية أو التزام للاستعمار الجديد : "حقيقة عميقة، إلى الآن مخيفة، ولكن أساسية " في نظر بن بركة، وأفكاره في ما يخص هذا الجانب يمكن أن نوجزها في الأسلوب التالي :

1) الوسيلة الوحيدة لتجنب فسخ تعبئة الجماهير الإفريقية بعد الحصول على الاستقلال (الممنوح والفارغ) هو إقناعها بأن هذا الاستقلال يقاس بمدى العمل الذي تبذله لأجل النمو والتقدم.

2) يجب رفض التعبير الحسابي للنمو في عالمنا "هناك جانب إنساني – اجتماعي وثقافي يهم إطلاقا تحديده للوصول إلى تحليل ملائم..

3) انطلاقا من النقطة الثانية، "الطريق السليم هو الذي يعد الرجال وفي نفس الوقت الأشياء لأجل نمو مستقل، وفي المستوى الثاني أكثر ضمانا وفعالية".

 

4)-الحياد

 – عدم الانحياز

 

إن مثال عدم الانحياز الإفريقي – الأسيوي الذي نشأ في باندونغ عام 1955 عرف تجارب ساخنة في سنة 1956 (السويس) 1960 (الكونغو) 1962 (أزمة  الكاريبي) و 1964 (الفيتنام). وفي صيف 1967 واجه أزمة الشرق الأوسط، في الوقت الذي تقلص فيه عدد زعمائه المرموقين دوليا : وفاة "جواهر لال نهرو"، الإطاحة إثر انقلاب عسكري "بسوكارنو" و"قوامي نكروما"، الرئيس جمال عبد الناصر كان يجتاز فترة دقيقة من حياته الرئاسية، لم يجن في تلك الأوقات سوى ثمار قليلة من روابطه القديمة مع غير المنحازين، داخل العالم العربي ساندت سوريا والجزائر ج.ع.م بينما قوات أخرى داخل الجامعة العربية تتحرك لعقد "سلم إقليمي" الذي يضع خطر المشاركة بين حكومة ج.ع.م. والفلسطينيين، وثوار شبه الجزيرة العربية [ثوار ظفار وعمان. وقد تمكنت قوات قابوس من مراقبة هذه المناطق]. وهكذا فمؤتمر قمة الخرطوم المنعقد في شتنبر 1967 كان مثالا واضحا للاواقعية عدم الانحياز العربي الذي لم يستطع إيقاف الاعتداء الإسرائيلي فقط، وإنما الآن يتردد في إعلان الحرب الشعبية لطرد جيش الاحتلال الصهيوني. "الحياد –كما قال بن بركة- كان له في فترة معينة دلالة واضحة عندما كان دالاس وزير الخارجية الأمريكية ينعته باللا أخلاقية وكان يرمز إذ ذاك إلى اختيارات واضحة في ميدان السياسة الخارجية بالنسبة للمستقبل. فلقد كانت المعركة ضد الاستعمار محدودة جغرافيا ومتواضعة في أهدافها الاقتصادية، ولكن الدول القليلة التي كانت ترفض إذ ذاك الانحياز المطلق للكتلة الغربية هي التي فتحت سبيل التحرر في وجه بقية الشعوب". لكن السنوات مرت، والاعتداءات الإمبريالية تزايدت، وحركة التحرير الوطني للقارات الثلاث قطعت مختلف جوانب سياق النضج الإيديولوجي في وقت سريع. لذلك يضيف بن بركة "ولكن بعدما اتسعت أرجاء المعركة ضد الاستعمار واضطرت الدول الغربية كنتيجة لخطة الاستعمار الجديد أن تسمح لمستعمراتها السابقة أن تعلن ظاهريا سياسة عدم الانحياز لم يعد يجدي الاكتفاء برفع شعار الحياد، بل أصبح المهم اليوم هو المواقف الواضحة إزاء كل مشكل محدد".

 

5)-الوحدة
 

إن أطروحة بن بركة حول الحاجة لجعل عدم الانحياز "باندونغ" يساير العصر لها صلة مباشرة مع مشكلة أخرى تزعزع بعض العناصر التقدمية في إفريقيا والشرق الأوسط. مشكلة الوحدة، كما وكيف تطرح في الجامعة العربية، وفي منظمة الوحدة الإفريقية، الأحداث في الشرق الأوسط خلال حرب يونيو وبعدها، وفي إفريقيا جنوب الصحراء بعد سلسلة الانقلابات العسكرية، والتصريح الانفرادي بالاستقلال المزعوم من جانب العنصريين الرودسيين في 11 نونبر 1965 [استقلت حاليا وأصبحت تعرف بزمبابوي] وضعت أفكار مؤسسي الدول المستقلة في العالم العربي والإفريقي في قفص الانتقاد، ولم يفلت أي اجتماع للجامعة العربية أو لمنظمة الوحدة الإفريقية من شر عدم التماسك بين القول والفعل، بين اليمين واليسار بين النظرية والتطبيق. الوحدة عند بن بركة يجب ملاحظتها بين واقعين : وحدة قد تحققت، وهي للإمبريالية (يعني وحدة الاستغلال والعبودية)، والانشقاق وليد الإمبريالية التي تنهش القارة حسب شهوات ونزاعات الاحتكارات الرأسمالية، الوحدة – يضيف الشهيد المغربي – يجب ربحها رويدا رويدا في صيرورة الصراعات العويصة، وليس اعتبارها خلاصة النتائج المحصلة. وبالرغم من أنه يقبل بأن تصفية النظام الاستعماري والانسجام المتدرج للسياسة الاقتصادية هما غاية العمل المضني، بالإمكان إذا توبع العمل بحزم، ومن جهة أخرى يشير "وقد أدرك الاستعمار خطورة هذا الشعار فقد يتسابق في اتجاه معاكس مع الجماهير الإفريقية وقادتها وطرح شعار الوحدة الفورية الشكلية على مستوى القارة، أو في المجالات الإقليمية، وهو بذلك يسعى فقط لتثبيت الأوضاع أي سيطرة الاستعمار، وإن خطورة هذا الأسلوب تحتم على المنظمات الثورية أن تقاوم هذا المفهوم الفاسد للوحدة الذي لن ينتج عنه سوى تدعيم الأنظمة الرجعية وإعطائها وجها يخفي تبعيتها للاستعمار الجديد".

ولمواجهة الإصلاحية التي تساعد النسق الرأسمالي الاستغلالي على الاستمرار، يقول بن بركة: "إن سياسة مناهضة للإمبريالية في الداخل كما في الخارج وحدها ستسمح لنا بأن نكون في مستوى مهامنا".

 

-أرما ندو انطرالغو
 Pensamiento Critico, N° 11 -1977                     

عن المجلة الكوبية الفكر   الناقد عدد 11                                                                               

 

 

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home