مقال

 

تشكيل حكومة .. أم طبخة بحص؟

زياد ابوشاويش



تشكيل حكومة .. أم طبخة بحص ؟

بقلم : زياد أبوشاويش

يطل علينا كل يوم ناطقون باسم الحكومة من حماس ، ويطمئنونا أنه لا عقبات وأن الأمور تسير على خير ما يرام في تشكيل الحكومة ، ثم تأتي تصريحات الناطق باسم الرئاسة لتؤكد الخبر بأن الإعلان سيأتي حالاً وانه لا مشكلة مع الإخوة في حماس ، ولكن المشكلة كل المشكلة مع الشعب الفلسطيني الذي لم يبتلي بقيادة شبيهة منذ قرن من الزمن ، قيادة لا تسمع أنين الفقراء ولا صراخ المأزومين من رعاياها ، قيادة تدعي العفة وهي منها براء .

ولعل الناس معذورين في سخطهم وحنقهم تجاه هذا التلكؤ ، وكأنها حقاً حكومة ذات سلطة أو نفوذ ، وكأنه لا يستطيع أي حاجز صهيوني تعطيلها .

ويتساءل الناس ما دام الاتفاق قد جرى وانتهى على الصعيد السياسي وتم تثبيت السقف الهابط لهذه الحكومة على ساقي فتح وحماس ، فما الضير لو كانت كل الحكومة من هؤلاء أو هؤلاء ؟

إذن هناك شيء له علاقة بالنفوذ ، وماذا سيقول الناس عمن ادعى الزهد بالسلطة ووصفها بأقذع الصفات ، بل جعلها أسوأ من الرجس نفسه؟ ، وفي المقابل ما الذي يدعو من جربها وخبر حدودها وعرف مثالبها للتمسك بها وبمحاصصة مخجلة مع من كانوا المعرقلين والقتلة ؟؟؟؟ وهل ينتظر الطرفان أوامر من جهة لا نعلمها حتى ينتهيا من تعذيب الناس ؟ وهل هما حقاً لا يدركان حساسية الأمر وتعطيل المصالح ؟ الا يعلمان أن الوقت كالسيف حاد ؟ وأن شعبنا الذي ابتلي بهم يتقلب على نار الخوف صابراً محتسباً ، لكن بدون أن يمنحهما بركته ؟.

وتأتينا قصة العجوز التي تلهي أولادها بطبخ الحصى حتى يناموا ، وهي تخادعهم مضطرة لفقرها وعوزها ، فهل الأمر عندنا كذلك؟ هل ينتظر القادة العظام وصول الأموال حتى يعلنوا نهاية أشهر الرمادة التي طوقتنا بالهم والألم في مقتل أبنائنا وفي معيشتنا الضنكة ؟.

لا أعرف نتيجة بهذه القسوة لديمقراطية مزعومة ، وهل القصد أن نكفر بها ؟. تحت الاحتلال  نعم نكفر بها . والنتيجة التي نراها الآن تجعلنا نكفر بها ، ونرجوا أن يتوقف المتنفذون عن هذه الوصفة ويبحثون لنا عن توافق ، يوحدنا في معركة المصير ، ويجعل أيامنا أقل عسراً وسوءاً. هل تقبلون صراحتنا ؟ أنتما لا تثقان ببعضكما البعض ، وتتمنيان أن تأتي ظروف تجعل من هذه الشراكة مستحيلة ، ونحن لا نشكك في الرغبة لديكما لوقف الاقتتال، فهذا جربتموه وعلمتم كم هو مدمر وليس فيه أي نصر أو فائدة . لكنكما  تتمنيان  كل منكما أن تتهيأ الظروف للتخلص من الآخر ، وسامحونا فكلام كادركم خارج الاتفاق ينم عن هذا ولا يدع مجالاً للشك في دقة ما نقول . وعندما يقول ناطق باسم فتح أن الإعلان بعد أيام أو نهاية هذا الأسبوع ، ثم يأتي هنية ليقول مع نهاية الأسبوع القادم فهو يشير لما توصلنا له ، وقبل ذلك عشرات التصريحات حول عدم وجود عقبات ... الخ من حملات العلاقات العامة التي تمارسها حماس ، وبصورة أقل وعلى مضض حركة فتح ، والتي تدرك أنه زواج عرفي وللضرورة ، ودعونا من كل الترهات حول الأخوة والوحدة في مواجهة العدو وغير ذلك من عبارات التشاطر التي بدأنا نسمعها منذ توقيع الاتفاق .، فهي لم تعد تنطلي على أحد . إن الرغبة الحقيقية في الوحدة والتماسك الذي يتحدثون عنه يستدعي نمطاً آخر من الحديث والعلاقة والسلوك اليومي ، ولو صح... فقد كان عليهم أن يعلنوا تشكيل الحكومة منذ الأسبوع الأول ، فمواقف الفصائل واضحة ومن يرغب في المشاركة واضح ومن يرفض واضح ، والبرنامج السياسي وكتاب التكليف صيغ بموافقة الطرفين ، إذن أين العطل في مسيرة الوحدة الظافرة ؟ في تقاسم الغنائم أليس كذلك ؟ وهل هذا يثبت ما نقول أم ينفيه ؟.

عشرات علامات الاستفهام نرسمها بصراحة أمام المعنيين بأمر هذا الشعب المضحي ، والذي يستحق وبشهادة كل الدنيا قيادة أفضل وأكثر نضجاً .

العسكريون لم يحصلوا على رواتبهم منذ تسعة أشهر ، والمدنيون لا يعرف كم نسبة ما تسلموه الا الله ، وغداً يضرب قطاعاً واسعاً منهم عن العمل بسبب كذب الحكومة في تنفيذ الاتفاق ،أو سميه عدم وفائها بالتزاماتها تجاههم حسب صيغة معاهدة الرواتب الشهيرة ، والتي دخلت التاريخ من أضيق أبوابه ، ضيق معيشة الناس وابتلائهم منذ نجحت حماس وليتها ما نجحت.

ويتساءل المواطن الفلسطيني أيضاً : أين صار برنامج مقاومة الاحتلال ؟ وأين صار برنامج تفعيل أو تدوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ؟ وإذا كانت حكومة بلا طعم تأخذ كل هذا المد والجزر ، وكل هذا العنت والتصريحات ، فما الذي ينتظر شعبنا في تأسيس أو إعادة وتجديد هيئات المنظمة لتمثل شعبنا في الداخل والخارج ؟.

والآن لنرى كيف تكون الأمور مع الخارج وعلاقاتنا الدولية في هكذا تجاذب وتلكؤ .

والسؤال الذي يخطر على بال أي متابع أو مراقب لمجريات الأمور عندنا هو: هل يؤدي هذا الأسلوب أو بالأحرى التعطيل والمراوحة الى تعزيز صمود قيادتنا في وجه الضغوط والحصار الخارجي أم العكس ؟ وهل مثل هذه المساومات والقلق الذي نلمسه يومياً منذ بدء مشاورات تشكيل هذه الحكومة يؤسس لعمل متماسك ومجدي لاحقاً ؟ الا يدرك الإخوة في الطرفين أن ما ينتظرهم من استحقاقات تفوق طاقتهما على التحمل ، وأن هذه الثنائية القلقة والمترددة وغير الواثقة ستجعل مناعة مقاومتنا أقل وأضعف ؟ وهو ما نوجهه لحماس صاحبة مشروع المقاومة الذي نجحت عليه في الانتخابات وليتها ما نجحت .

إن بعض المؤشرات توحي بان هذه الحكومة ستكون حكومة محاور ومناكفات ، وبشفافية اكبر سنجد أن الثنائية الخاطئة متجسدة في ارباكات عمل هذه الحكومة ، وعندما ندعو لثقة بين الإخوة وندعو لكسب الوقت وإنجاز الأمر السهل تمهيداً لما هو أعقد وأصعب ، فإنما نتحدث وفي أفق نظرتنا وجود العدو أمامنا وقدرته الهائلة على إدارة معركته ضدنا بعقيدة صهيونية موحدة ، وبقيادة أيضاً موحدة ضدنا ، وتعرف ماذا تريد .

لذلك يفترض المرء أن طرفي المفاوضات الفلسطينية الداخلية يعرفان ذلك ويضعاه في حسابهما لمرحلة ما بعد التشكيل ، فبرغم كل المرونة بل والتنازل في كتاب التكليف والبرنامج السياسي ، تصر حكومة العدو على عدم التعاطي مع هذه الحكومة و حتى مع وزراء فتح .

وبالعودة لما يطلبه الشارع الفلسطيني من هؤلاء الإخوة ، ترى هل يدفع الطرفان من ميزانيتهما الخاصة لتوفير رواتب الرعية ؟ أم سيستمران في إخفاء الحقيقة عنهم بالقول أنه لا توجد لديهم نقود تغطي ؟ ولماذا نرى في الخارج مخصصات حماس وكل متفرغي الفصائل تسدد لهم بينما من يحصلون على معيشتهم من رواتب السلطة والمنظمة في مأزق ؟ وتصل بهم الحالة الى ما يحرجهم بين الناس ، وهم على قلتهم من موظفي منظمة التحرير أو من مناضلي الشعب القدماء ، والذين تشردوا في كل مكان من أجل قضيتهم وشعبهم .

أليس الأصوب أن تعلن القيادة في الداخل بشكل صريح وواضح أسباب تأخير الإعلان عن الحكومة ، وتكون شفافة أمام الناس ليحكم هؤلاء بينهم ؟ أم أن الحقيقة إن تم معرفتها من الجمهور ستجعل الطرفين يخسران ، بل يفتضحان ؟

وإذا انتهت المشاورات ، أو التجاذبات الى نتيجة ايجابية بعد أن تتقطع أطراف الحقائب الوزارية ويسقط منها بعض الملفات المهمة ، فهل سنرى في بيت أمنا العجوز ما نأكله أم تستمر في طبخ البحص وتقديمه لنا ؟ نتمنى أن نكون مخطئين في كل تخوفاتنا .

زياد أبوشاويش

Zead51@hotmail.com




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home