القلم النقدي

 

في الشعر والشارع

عائشة الرازم



في الشعر والشارع

بقلم : عائشة الرازم

في كثير من الأحيان يسهم الشارع بتلبيس القصيدة كسوة من روحه ونفسه ويلصقها فوق جلده فتصبح ثوبه الذي يتزين به أمام الملأ ..! وتصبح مغناته التي يرددها في المناسبات والحواريات ، وتصبح زهرة يزين بها ياقته بفخر في حالات الجدل الصاخب ليسري بألوانها وأزهارها وشذاها عن النفوس المشدودة ..! وتصبح طيراً مغرداً على كتفه قريباً من لسانه وعلى مسمع من الآذان التي لا بد لها من أن تصغي للشعر...!وتصبح ذلك الثوب الجذاب الحضاري ، الذي يجتذب التأمل والتعمق في خطوطه المنسوجة بحرص وفن ، ليتهادى صاحب الثوب كمن يمر وسط عبق من الموسيقى التصويرية المفعمة بأبيات سميت بالقصيدة .
فينشد إليه الجمع ويكبر في أنظار المارة وفي عيون الجلساء أيضاً ..! وهي الأنظار ( العيون ) المحبوسة في الشارع تترقب ذاك الهروب من أزقتها حينما تبدأ بالتعرف على مسمياتها ( الشارع ) ، وهنا تتعاظم الثقة بأن هذا الشارع يدرك حجمه ومحله من الإعراب ! ويبدأ يعلن على الملأ الشاعر بأنه ( يشرِّع للشاعر ) ويضع له العلامة على استجابته .. فالأستاذ يصحب نفسه في عمق الشارع ، ليحمل صفة الموصوف ..! حيث لا يقل عن ملك الشعور أبهة وأنفة ، طالما تلقى مكنوناته وتحرز عليها ، وشرع نفثها وضبطها وقوننتها، في وقت أتقن ملك الشعور كيفية الدخول إلى مسارب النفس الإنسانية في هذا الشارع ..! ومن المحال أن يلتفت الشارع لحامل غصن محطوم وجاف يلقيه في محرقة ولا يقف أمام أهل الشارع يعلمهم أسلوب رش الندى ونفح الروح في ذاك الغصن المقطوع من شجرة لتخضيره من جديد ..! فالشارع لا يحلم بمحرقة للجذوع والأغصان ، كما لا يحلم بمحرقة للأوراق بقدر ما يحلم بشجرة وارفة يستظلها أطفال الشارع الهاربين من حرارة الزنازين والسقائف الواطئة .. ! فالشارع هو المشرع بابه ، والشارع وحده مفتوح الأزقة والنوافذ ومفاتيحه لدى أهله متوفرة ، لذا ففلذات كبده تتفنن بالتشريع ، فهي التي ترمي زائرها المترنم بالصوت والكلمة والموسيقى بإيقاع الورد فرحاً بمقدمة ، وهي التي ترمي المخادع  والدجال والصانع للدمع بالحجارة ، لتخرجه من صفحة التشريع المفتوحة ..!
 فبورك من تلقفه الشارع ، وبورك من رماه الشارع بورده وتزين بكلماته من قصيدة ..! وفي غمرة الإحساس عند أي قارئ لقصيدة كتبت بأنفاس الناس ، وبقلب نابض بنبض الناس ، يقال بأن ملك الشعور اسمه (شاعر ) ، وبذلك يكون هذا الملك مسؤولاً عن الاستشراف والتنبؤ ومعرفة المخبوء في زوايا الشارع ، وكأنه جهاز استشعار قريب وبعيد يناط به استدراك الأمور السوداء والرمادية قبل حلولها ، ودون مشاهدتها بالعين المجردة ..! ومن هنا يتولد نزاع عند هذا القارئ المرصود في الشارع والذي لم يتشرف الشاعر بمعرفته ، فيتصبب رجل الشارع بعرق الفرح ، كمن عثر على رئتيه فجأة ويتنفس بانطلاق ، ويجري على هواه وذلك لعثوره على ضالته التي ضاعت في زحمة ضياع القدرة على التعبير والانكسار ، وانتشار الصوت والصدى والبكاء والضحك والتألق تحت أعمدة الضوء المنكسرة في عمود الشارع الفقري ..! فأكبر الواجبات تلقى إلى الأبد على كتف ملك الشعور، بحيث يؤمن الجميع بأنه لم يولد لوظيفة بمكافأة ، ولم يولد ليحلم بالهرولة وراء انحدارات المصالح فيرتجي الشارع منه مثالية الواعظ أمام مسجد شيد صدقة جارية تماماً كحياة ملك الشعور..! هنا لا يسهل النزاع ، بل يشتد ، وخصوصاً لوقوع ملك الشعور (الشاعر ) تحت سيطرة الواثقين به والمتشبثين بأغاريده الحكيمة ، التي لو غنيت ورقص عليها الملايين وحاول الدهاة إفسادها فلن تتلوى ولن تفقد حكمتها طالما أن الشاعر هو ملك المشاعر ، إذن هو ملك الصدق والإحساس والوفاء ..! وينجب الملك أمراء من صلب قلبه حين يعبئ رئاتهم بأنفاس الحرية ..! فيصبح الأمير المنطلق مقيماً حواراً مع نفسه كشاعر مبهم ، وكخلاق لهذه القصيدة التي ارتدى ثوبها وأصبح هاجسه أن يعانق ناسجها الأصيل ، أو يشد على كفه بصفته صديقاً حميماً له في الشارع ، وربما يشعر أنه ولد توأماً معه ..! أو يصبح هاجسه أن يحدق به بين الصفوف غاضباً لعدم اندفاع الشاعر نحوه ببريق عينين حميمتين فاتحاً ذراعيه لذلك المتلقي الشارعي ! من هنا يصبح النزاع على أشده بين ناسج أصيل وناسج يقف ليشرح هذه الخيوط ، ويلفها على أصابعه ككرة مشدودة قابلة لأن تصطدم في وجه الشارع أو جبينه ..! أو تلتف حول عنقه بانحلال الخيوط ، أو يغزل منها شالاً أو عباءة لتلقى بأبهة على ظهر الشاعر ، وهو يمط عنقه كالطاووس ويشمخ سعيداً بين الصفوف ، كل ذلك لتلقيه هدية من متلقٍ لا يعتبرها رمزية بقدر ما يعتبرها المتلقي ..! فالشاعر يتصيد الحب ، والشاعر يتصيد عطاءه وأحاديثه وهو على استعداد لأن يهيم في الشارع أكثر مما يهيم بمحبوبته .. ! وللمتلقي هذا الحق بإلباس الشاعر من كرة الخيوط حباً وكساءً أو لطماً ، وللشارع صاحب تلك القصيدة الاستسلام ..! وحتى أعظم الشعراء وأكثرهم نيلاً لحب الشعوب يتنسمون أريج كلمة إعجاب ، ويعودون إلى صدورهم يربتون عليها في حال سماعهم كلمة شكر أو مديح أو تحليل أو اهتمام من قارئ غريب ، فكيف يكون الحال حينما يمتطي الشاعر جواد الهواء وهو يستمع إلى ذلك القارئ يلقي قصيدته غناءً وبكاءً ويدافع عنها ويحميها بشهامة الفارس المشرع لموعد أزوف المعركة أو السلام والمتخفي لحماية أميره ؟ ؟ ؟

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home