قصة

 

الزهر والجوع

عبدالعالي بن علال أبوجليل



 

الزهر والجوع

 

 

 

جذب عباءته البالية على وجهه وبقيت قدماه عاريتين  . انكمش في بعضه  كسلحفاة تدغدغه الشمس بأشعتها  الدافئة  ، عرى وجهه من جديد ليسمع صخب الأطفال   ووشوشات بعض النسوة وهن يتمسحن بالضريح  وينفحن بعض الدريهمات  والبيض والشمع  حيت هناك من يبتهلن إلى  الله بان يمنحهن البركة في الإنجاب والبركة  لازواجهن في العمل والتجارة وبعضهن يستنجدن بان لا يأتيهن بضرات جديدات، وأخريات  يطلبن تزويج بناتهن العوانس.

 

جلس يفرك عينيه بعدما هرب عنه ظل الحائط  الذي قضى تحته ليلة حالمة في عز الصيف ممددا يديه إلى  أعلى متأوها  بفم بلا أسنان كأنك لا ترى من وجهه سوى شاربه الكثيف العريض الطويل . حك بطنه بقوة . استجمع حوائجه  بطريقة عسكرية ليرحل من هذا المكان  الذي  بدأ يضيق بتكاترالاطفال المشاغبين  وهم يلهثون وراء الفراشات في هذا الصباح المشرق وازدحام النساء على باب الضريح ولغطهن المتزايد .

 

مرَّ  من وسط المقبرة  المليئة بالوافدين لزيارة موتاهم يوم الجمعة مرتلين بعض الآيات القرآنية على شواهد القبور , موزعين  التين المجفف على الدراويش والأطفال ,أخد نصيبه معهم ليكمل فطوره

 

انحدر إلى نهر تيفلت حيت جلس يغسل أطرافه, استل آلة الحلاقة من جرابه ليحلق دقنه على صفحة الماء الشفافة الواضحة كالمرآة . أخد شربة من النهر العذب  كأنه ماء  معدني. اشتد به  الجوع وليس له طعام يتغدى به في استراحة  هانئة تحت ظل الصفصاف فوق  العشب الأخضر بجانب هذا النهر الجميل المنبسط تحت أقدام  هذا الولي الصالح  ونهر اسمانطو على كتفيه يجريان كأنهما دجلة والفرات وهذه النخلة السامقة الوارفة الظل كأنها شامة على خده. لا يعكر صفو هذا لمنظر الخلاب سوى هذه الغابة الصفيحية لدوار الشانطي القابع في باسه منذ زمن غابر.

 

عليه أن يفكر في عمل شيئا ما ليسد به رمقه لان أمعاءَه بدأت تقرصه من شدة الجوع .  ليس له،  في الغالب، حظ  يذكر في حياته . كان دائما يجيب من يُلقي عليه  تحيةً من معارفه دعك عني ,ماعندي زهر. رغم انه يبيع الإزهار التي كان يقطفها من البراري لبعض العائلات الثرية حيت  تقدم له في المقابل  بعض من فضلات الطعام .أما اليوم المزدهر عنده  هو عطلة نهاية الأسبوع .حينما يقدم باقات من الزهور  للجنود الأمريكيين الوافدين على مقهى (مدام فيليب) المتجهين  إلى القاعدة العسكرية ..يعطونه بعض الدولارات الرثة وما تبقى  من الجعة

 

التفت إلى  يمينه فشد انتباهه غابة خضراء  تتخللها حبات البرتقال المتلألئة كمصابيح حمراء في وضح النهار.على جانبها (فيلا  مدام لكار) الضخمة تحيط بها حديقة الأزهار  كأنها جنة لاينقصها سوى رضوان، سال لعابه من اجلها .هرول بخفة إلى اقرب فجوة متردمة من الحائط  ليتلصص بشاربه الكثيف العريض الطويل  يمينا ويسارا , ولما تبين له بأنه ليس هناك أي احد قفز ليجد نفسه في الحديقة. بدأ يقطف من الأزهار أجملها وأبهاها ليضع  في سلته التي كانت معه  حتى امتلأت  عن آخرها. تراجع من حيت أتى فادا بيد غليظة تقبض عليه من قفاه واردته بقوة على الأرض، قال له صاحبها حارس  الحديقة )تبا لك يا ابن (....), الم تجد عملا  تتقوت به يا ابن (.....)  سوى هذه الجريمة النكراء ؟) ثم بدا يضربه ويرفسه بقدميه ويلطمه على خده بصفعات قوية  ، وهو يصيح و يستغيث . وقعت جلبة كبيرة ,خرج على أثرها خدم وحشم (مدام لكار) التي كانت آخر من يعلم ,خرجت هي أيضا  تضرب على فخضيها المكتنزتين  المشحمتين تولول وتصيح (ياله من متوحش غير متحضر لقد أتى  على كل أزهاري  الجميلة بعدما رعيتها واعتنيت بها منذ مدة  طويلة  لأقدمها  لضيوفي  الكبار القادمين من (أوروبا) تطوع كبير الخدم مشكورا على عمله.

  ليهاتف رجال الشرطة الذين هرعوا إلى عين المكان ليجدوه مربوطا بحبل مثل كبش يستأهل كل هذه الضجة .اخدوه  لينطلقوا به  في  سيارتهم بزعيقها المتقطع مسرعين به كان الأمر خطير جدا.

 

ما إن أوصلوه  حتى قذفوا به في الزنزانة بعدما صرصروا عليه بمفاتحهم الحديدية.

وجد نفسه فوق اسمنت بارد , لكن لحسن  حظه هذه المرة لم يكن وحده في الزنزانة . كان هناك سجين أخر,إلا أن الغريب في أمر هذ الأخير انه كان يذرع  الأرض  جيئة وذهابا , سأله عن حاله (ما بك يااخي ؟) أجابه (خليني عليك ماعندي زهر لقد وعدني رئيس المخفر بأنه سيطلق سراحي  لكنه تأخر عني  ما عندي أزهر)  فرد عليه باستغراب (لكن ها انذا عندي سلة من الأزهار ومن اجلها قدفوبي السجن). 

 

 

 

عبدالعالي بن علال ابو جليل

 

aboujalil99@hotmail

***

ك.خ

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home