القلم النقدي

 

إضاءة على ( الأم ) عند بدر شاكر السياب ومحمود درو يش

رحاب الخطيب




أحن إلى خبز امي
وقهوة امي
ولمسة امي

كم نظم الشعراء ..! وكم كتب ال ادباء عن الأم ؟ .. الام ذلك الجذر الأصيل المتجذر ‏فينا .. هي امتداد الزمان عبر عصور تربط حاضرنا بماضينا لحظة بدء الخليقة ، لهذا نرتبط ‏دوماً بلمسة حنانها .. بحضنها الدافئ ..بحاجتنا الى الطمأنينة بقربها .. بحب عفوي لا ‏مصلحة فيه ، بشوق متبادل .. بعاطفة لا تعلوها عاطفة ..‏الحنون التي شغلت ال شعراء فعبروا عن دفء مشاعرهم نحو اسمى انسان في حياتهم ..الام ‏التي لا تنسى .. وبفقدها يخلع الانسان من جذوره .. يتزعزع في داخله توازنه الروحي .. ‏لهذا دائماً نجد الشعراء يعودون ادراجهم نحو الطفولة لما لها من التصاق بالعزيزة الغالية ..‏
في قصيدته ( الى امي ) نجد شاعرنا محمود درويش يؤكد على الحنين الى الأم .. الى ‏الاشياء المادية التي ترتبط بها .. لخبز الأم طعم خاص .. ولقهوتها مذاق مميز .. حتى لمسة ‏الام .. لها شكل آخر ، كل ما في الطفولة يسترجعه الشاعر بدقة وهي ذكريات لا تنسى ‏مهما تقدم بنا العمر ..‏وهذا ايضاً نجده عند السياب في قصيدته ( انشودة المطر ) .. فالسياب فقد امه مبكراً وهو ‏طفل لم يكمل عامه الأول .. فهو اذن لم يعرف امه .. ولهذا فقد كانت صورة الام لديه ‏غائمة .. وقد اثر فقدان امه المب كر في حياته كثيراً وترك اثراً حزيناً لم يستطع التخلص منه ‏في حياته .. فقال في انشودته :‏تثاءب ال مساء والغيوم ما تزال
تسح ما تسح من دموعها الثقال
كأن طفلاً بات يهذي قبل ان ينام
بأن امه التي افاق منذ عام
فلم يجدها ، ثم حين لج في السؤال
قالوا له : بعد غد تعود ‏‎…‎
لابد ان تعود
وان تهامس الرفاق انها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها و تشرب المطر..‏

فالسياب يرفض حقيقة وفاة أمه وظل يؤكد لنفسه انها ما زالت هناك وستعود .. بل لا بد ‏ان تعود .. وهذا امر طبيعي لمن يفقد اعز الناس ‏الأم تسمو لتعلو وتعلو عند محمود درويش ل تصبح الوطن بدفئه .. بكرامته .. بعزته وبحبه ‏الكبير . فدرويش يربط نضال صغار العصافير بدرب رجو عهم لعش الكرامة والاباء ‏فالام عنده هي مصدر النور الذي يمده بنجوم الطفولة .. دعاؤها يرده الى شبابه ليحلق ‏نحو الضياء :‏
هرمت ، فردي نجوم الطفولة
حتى اشارك ‏
صغار العصافي ر
درب الرجوع
لعش انتظارك ..!‏

فالأم عند درويش هي الوطن وهي مصدر الحنان والدفء والعطاء .. فالوطن والأم لا ‏انفصال بينهما يمدان الابن بالقوة والقدرةعلى التحليق نحو الحرية ..‏
الصورة مختلفة قليلاً عند السياب فالسياب يعبر عن غربته .. غربة الوطن وغربة الأم وما ‏ اصعبهما ان اجتمعا معا ..!‏في قصيدته ( غريب على الخليج ) يقول السياب :‏
والبحر دونك يا عرا ق
بالأمس حين مررت بالمقهى سمعتك يا عراق ..‏
وكنت دورة أسطوانة ‏
هي دورة الأفلاك من عمري ، تكور لي زمانه
في لحظتين من الزمان وان تكن فقدت مكانه
هي وجه امي في الظلام
وصوتها ، يتزلقان مع الرؤى حتى انام ‏‎…‎

هنا يتحدث السياب عن الغربة .. ومعاناة فقد الام والتي تأججت في غربته عن الوطن ‏فالوطن والام كلاهما واحد .. احدهما يذكره بالآخر .. الآخر الذي لا ينفصل عنه ‏
فوطنه بعيد عنه يتذكره اغنية في اسطوانة بعيدة بعيدة .. كذلك وجه امه التي فقدها في ‏الظلام ، فقد عبر عن بعد صورتها بقوله بأن وجهها في الظلام ، فلا يرى بوضوح ‏وكذلك صوتها الذي يرافقه ليشعره با لطمأنينة كعادة الاطفال حين ينامون ‏اذن فالام عند الشاعرين هي الام الحقيقية التي تمتد لتشمل الوطن .. الوطن الذي يسكن ‏في اعماق الروح نتنفسه كرامة وحبا وشوقاً .‏ابدع الشاعران الكبيران ( السياب و درويش ) في رسم ملامح الأم لتعبر عن الوطن ‏الساكن فينا .. الا انها جاءت صورة مكتنزة بالحرقة وال مرارة عند السياب .. على غير ما ‏جاءت به عند درويش وذلك لاختلاف التجربة ومرارتها والتي لا يستطيع تخيلها الا من ‏عاشها ..‏اما جزئيات العلاقة التي تربط الانسان بأمه فقط ظهرت مرسومة بشكل اكثر وضوحا ‏وتفصيلا عند درويش .. وذلك لطبيعة التجربة ، فالسياب لم يعرف دفء حضن امه ولا ‏لمستها ولا ق هوتها أو شكلها .. فقد فارقته وهو في سنته الاولى من عمره .. لهذا نجد ‏العلاقة الحميمية عند درويش اوضح واكثر تفصيلاً ..‏
خذيني ، اذا عدت يوماً
وشاحاً لهدبك
وغطي عظامي بعشب
تعمّد من ط هر كعبك
وشدي وثاقي
بخصلة شعر
بخيط يلوّح في ذيل ثوبك

فالعلاقة قريبة لدى محم ود درويش من خلال ذكر تفاصيل تربط الشاعر بأمه ( خصلة ‏شعر ، خيط في ذيل ثوبها ، تنور نارها .. وحبل ا لغسيل على سطح دارها .. ) وهذه ‏معان ابدع درويش في الاشارة اليها والتعبير عنها بحرارة اتسعت ل تشمل كما قلت الام ‏الحقيقية لتمتد إلى الأرض ، ارض الوطن الذي يسكن قلب الشاعر . وهذه الدلالات تفرد ‏بها محمود درويش عن السياب الذي كانت صورة الام لديه صورة غامضة .. غارقة في ‏الضباب ..والعتمة :‏

هي وجه امي في الظلام
وصوتها
يتزلقان مع الرؤى
حتى انام ..‏

وهكذا نجد صوراً جميلة عميقة في التعبير عن الام لدى الشاعرين .. وتبقى قصيدة ( إلى ‏امي ) لمحمود درويش .. و ( انش ودة المطر ) للسياب .. من اكثر القصائد العربية تأثيراً ‏وجمالا .. حيث احتلتا مكانة مميزة منذ كتبهما الشاعران الكبيران ..‏
للشاعرين كل الاعجابوللأم والوطن كل المحبة والحاجة




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home