قصة

 

رسالة وداع

جبران الشداني



رسالة وداع

 

سيدتي العزيزة: ( ف )

 

أنا مضطر هذه المرة لحجز تذكرتي في الباخرة،دون أن انتظرك في أي مكان بهذه المدينة الخريفية  ..تقولين لي بعد ذلك الاتصال العابر.. لماذا  جئت ، بعد أن تعودت على غيابك ؟  و أقول لك أني هنا فقط لأني اشتقت إلى المشي مرة أخرى.. من- القامرة- إلى اطلال الحي القديم، و إلى التدافع في الحافلة رقم 34 ..و الخوف من الغرق و أنا اطل من أعلى صخور الكوزنيش ،على مغارات ترافق البحر اسفاره اللانهائية..

  صديقتي  انا اكتب إليك فقط كي أقول باني مللت منك  .. و  بأنني لم اعد أحب النساء الثوريات ..لا ادري إن كنت تدخنين دائما  تلك السجائر الملطفة بنكهة النعناع، و أنت تقرئين قصائد درويش،  لا ادري إن كنت لا تزالين مصرة على عدم النوم  مع أي رجل لا يحب الشعر  ..لا ادري  إن كنت  مصرة على سماع  موسيقى- حسني- كلما عضبت علي...و لا ادري ان كنت تعرفين اني خلال كل ذلك كنت أخونك مع امراة اخرى . بفرح اكبر كل مرة و كلما ايقنت انك لا تزالين على براءتك الأولى ..

لم تكن علاقتي بك علاقة أي رجل يهوى امرأة ، ربما كانت حبا و لكنها اقرب إلى الحب الذي يكنه نحاث لتمثال امرأة يتشكل تحت أنامله، و ابعد ما تكون عن الجنس أو العشق، و انا لا اسعى من خلال هذا القول، إضفاء شرعية على ما قمت به مع تلك المراة ، فلا شيء كان بيرر هذه السفالة التي أقر  بها و لا انفيها ، سوى كوني رجلا يهوى الخيانة إلى ابعد الحدود ،فانا لم استطيع أبدا التوقف عند ضفاف امرأة واحدة ، أنت تدركين هذا ربما ..منذ لقائنا الأول، و تدركين أيضا باني لم اخف عنك كل ميولي المرضية الأخرى ..فانا في الغالب اعشق  أحذية صديقاتي أكثر مما اعشق  عيونهن و أهدابهن ..و اعتني أيضا  بملابسهن الداخلية أكثر مما اعتني بركام الرسائل و بطاقات العيد ...

هل تذكرين حين اضطرك المرض ذات يوم لملازمة الفراش عند أهلك،حين كنت تعانين ألاما مفصلية حادة بسبب البرد،بعد كل تلك الليالي المجنونة التي لم نكن نفعل فيها شيئا سوى التدخين و ممارسة الحب في غرفة بلا أثاث .  خرجت ذلك اليوم وحيدا لأتمشى تحت المطر، كما أحب دائما ان أفعل ،ثم حين أحسست بالتعب اتجهت إلى الحانة ..لمحت صدفة صديقتك أسماء تحتمي من المطر تحت شرفة منزل قريب و كانت تحمل تنورة جينز أنيقة كتلك التي تحتفظين بها في حقيبة ملابسك  الوحيدة ، ما أثارني فعلا كان حذائها الصيفي الأحمر و أصابع قدميها الصغيرتين المطلية ايضا بالأحمر، و التي كانت تغرق في بركة شتوية صغيرة.. عرضت عليها الاحتماء بمظلتي ..و حتى تلك اللحظة لم نكن قد تحدثنا معا ..كانت تملك رنة صوت تذكرني بمذيعات الراديو الليليات . لقد مشينا طويلا و كنت أتمنى أن لا يتوقف المطر أبدا عن السقوط .. و حين بدأت السماء ترعد قالت لي بأنها تخاف منذ طفولتها من صوت الرعد، و لم اهتم إن كان هذا صحيحا، أم مجرد عذر مزيف لتزداد اقترابا برأسها من صدري .. دخلنا معا حانة باريس، لأنه لم يبق أمامنا في تلك اللحطة سوى ذلك الفندق القريب من محطة القطار ..شربت كثيرا من الجعة، أما هي فكانت لا تتوقف عن التدخين . كانت سجائرها سيئة للغاية ،و شعرها كان فوضويا و كانت أصابعها أحيانا تمتدان لمسح خيط من المخاط يسيل من انفها ..كانت تبدو كطفلة صغيرة خائفة ..لم نتحدث عنك أبدا، لأننا قررنا بشكل غامض ، اننا لا ندين لك في تلك اللحظة بأي شيء ...تحدثنا عن المطر، و عن كحتها الصغيرة، و صوت ارتطام سنونو بنافذتها صباحا.. تحدثنا عن جواربها الوسخة المرمية منذ ايام تحت سريرها، في ركن لا تستطيع الوصول اليه.. تحدثنا عن سجائرها المكسرة و احمر شفاه لا يمكن فتحه ،منذ سقط في كوب القهوة.. و عن أظافرها التي تقطعها باسنانها .. و عن الجريدة النسائية التي صارت اكبر من سرير صديقها...

كانت تلك إحدى احلى لحظات مقامي بالمدينة الجامعية  ،خصوصا انك كنت ساعتها نائمة ،و كانت هي تستطيع أن تحدثني عن أخبار مغنيات تافهات، انحدرن الى الحضيض و أخريات انتحرن ..كانت تفعل كل ذلك دون ان تجعلني اشعر بان الموسيقى قد صارت، مسالة انثوية .و كنت و أنا أستمع اليها ، اشعر بدفء جنسي غريب لم اشعر به من قبل معك، ربما لان أنثويتك أنت كانت واضحة جدا، لا تترك مجال للمناوزة .. او التأويل ..رغم كل ذلك . لا يجب ان تفكري اني خنتك لهذا السبب، او لاي سبب أخر.. لا يجب ان تنظري الى الخيانة و كانها  رد فعل على  خيانة اخرى ..انها فقط مجرد نزوة،.. وكما كنت اقول لك و نحن في ( بيت سلا ) نتحدث مع الآصدقاء عن المرأة و الموت و المكان و عن أشياء أخرى  : لا تناقض بين ان تكون محبا و ان تكون خائنا إلا من وجهة نظر من يتجه إليه الحب و من ينصرف عنه .   

لقد اتصلت بي  أسماء هاتفيا منذ شهرين ،و كانت أخبرتني بأنها تريد إن تراني متى عدت للمدينة، قالت انها صارت اما دون أن تتزوج . و لم تشرح لي كيف حصل ذلك ،لكني فكرت أنها ربما تكون قد أخذت طفلا من الخيرية ..لقد حصلت على الطفل اولا ، وبعد  ذلك ستبحث له عن أب.. بدا لي كل هذا غريبا ..لكني قررت ان اذهب لأراها ، البشر دائما يحبون ان يروا  كيف يبدو  أصدقاؤهم بعد إن يرزقوا  باطفال ،في نفس الوقت لم اكن أتصور أبدا أنني يمكن ان أكون أبا لأحد من الناس ، و خصوصا لطفل مجهول الهوية، بل انا لا افهم ما تعنيه هذه الكلمة بالتحديد..التقينا عند مقهى الاسكا لانها ربما ،كانت تتعمد أن لا نمر مرة ثانية أمام تلك الحانة ،كانت قد صارت اكثر بدانة بالطبع ..لكنها لم تتوقف عن التدخين ،احمر الشفاه كان مختلفا لكن التنورة ظلت هي دائما نفسها، قبلتني على خدي الأيسر، نظرت إلي  بقليل من الخجل و التردد.. ثم قبلتني على جبيني  ..لا يمكنك ان تتصوري، سيدتي ، كيف يمكن لذكرى خيانة صغيرة ان توحد بين شخصين عجوزين ، في الطريق إلى بيتها اتفقنا أن تقدمني للطفل باسم احمد لأنها كانت قد قالت له ان أباه يسمى كذلك ، على ان تقول له بعد اسبوع اني سافرت لبلد بعيد، و استسمحتني في  ان تمنحه عنوان بيتي في غرناطة ، كي  يبعث لي رسومه و رسائله حين يبدأ الكتابة..  بعد نصف ساعة ، جاء صديقها  فخرجنا معا.. انفردت بها لحظة، لأني كنت اريد ان افهم لماذا لا يقوم صديقها بمهمة الاب، لكني لم اسألها.. لأني لم أكن اربد أن أبدو  غبيا  خصوصا بعد أن فهمت أنها  و صديقها لا يلتقيان إلا  حين يكون الطفل في المدرسة..   تعشيت معهم  ،دون أن أتكلم كثيرا  ،صديقها كان زجلا بشعا للغاية ، لم يتحدث طوال العشاء سوى عن المنافسات الأوروبية للرقص على الجليد ، قال انه مضطر للذهاب صباح الغد الى بيت صديقة ما ،تملك اشتراكا في القناة الرياضية ، اسماء كانت تستمع اليه طول الوقت ، دون أن تعقب على شيء ،اما الطفل فقد ظل صامتا منذ رأيته أول مرة، التفتت الي و قالت :

---انه يعاني من تأخر ذهني خفيف ..ربما كان يجب ان تعرف ذلك

 مسحت الكراميل التي غطت منخريه و اختلطت  بالمخاط ، أردت ان اقول لها اني أشكرها لثقتها في ،او اني اعتقد انه سيتحسن ..لكني فقط ابتسمت ،كانت عيناها تتنقلان بين صديقها و طفلها ، فجأة قالت مخاطبة عشيقها :

--اذن فأنت لن تكون غدا صباحا في البيت ..

أجابها عشيقها :-- كلا  ،يمكنك غدا ان  تفعلي ما تشائين..

هذه المرة كانت ابتسامتي هي الأكثر بلاهة منذ بدأنا هذا العشاء، قلت للنادل أني أريد قهوة سوداء

تساءلت أسماء و كانها تتذكر شيئا مهما نسته منذ زمن :

--ماذا عن  ( ف )   هل تعرف اين هي الان؟

--لا أعرف لكنها حتما هناك .حيث تريد أن تكون..

--ماذا ياترى، ستفعل لو اكتشفت يوما ان كل الذين نامت معهم كانو شعراء سيئين..

 انفجر صديقها ضاحكا مما أوحى لي بأنه يعرف كل شيء عنا نحن الثلاثة.

شربت قهوتي ، ثم خرجت إلى الشارع ،كنت أريد أن أتمشى لوحدي .فكرت أن الأب الحقيقي قد يكون في الحقيقة احد أصدقائها الكثيرين ، لا اعرف إن كان هذا الطفل سيكتشف ذات يوم بأن أمه قد خانته ،.و بأني أب مزيف. ، تذكرت أن  أسماء طلبت مني أن ابعث صورتي مكبرة الى الطفل،  ..أنت أيضا ، في الماضي كنت تطلبين مني دائما ان ابعث إليك بصورتي ..للأسف  لم أجد أبدا ما يكفي من الوقت لأبحث لك عن صورة..هذا هو قدرنا.. أن نفترق دون أن يحصل أي منا على صورة للآخر...

جبران الشداني




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home