مقال

 

بين كرامة الوطن وكرامة المواطن...أين يقع

زياد ابوشاويش



بين كرامة الوطن وكرامة المواطن... أين يقع" القادة"؟

بقلم : زياد أبوشاويش

لا زال المواطن الفلسطيني يدفع ثمن فلسطينيته وعروبته ممتزجتان في نسيج موصوف ومتميز ليخرجا بعبعاً يخيف بعض حكامنا العرب ،ولأن الأمر زاد عن حده وصفعنا جميعاً على وجوهنا رأيت أن أكتب اليوم ما أشعر به ممزوجاً أيضاً ببعض ذكريات العزة والكرامة التي كان يصنعها الفلسطيني لامته ولشعبه ، بشجاعته كما بدمه ، بجوع أولاده كما بحريته التي كان يقدمها طائعاً مختاراً ، وقد حرك كل هذا ومعه غضب الحليم الذي طال تلك الأسرة الفلسطينية التي ما فتأت تبحث عن مأوى لها بين مطارات حكامنا الأفذاذ ممن هزموا بوش وحموا العراق وحرروا فلسطين ووحدوا الأمة ، وأعادوا مجدها التليد .

وحتى لا نتهم بإثارة الكراهية أو الضغائن بين أبناء الأمة ونحن دعاة وحدة ومتهمون بقوميتنا ، إنسانية كانت أو شوفينية نود أن نؤكد على صادق محبتنا لامتنا ولشعبنا العربي المعطاء ولا زالت شواهد قبورهم تعلن في مقابر الشهداء هنا وهناك صدق ولائهم ومحبتهم وكرمهم ، وهل هناك من هو أكرم ممن يقدم روحه لفلسطين ؟.

لقد عايشنا منذ النكبة جملة من الأخطاء لسلطات عربية متنوعة ومتعددة الولاءات والسياسات تجاه شعبنا المنكوب بظروفه القاسية ، وكنا نلتمس للبعض العذر في تمويه مقصود حول الحفاظ على الهوية الوطنية وعدم ضياع القضية ورفض التوطين ، الى آخر تلك الذرائع التي أرهقت شعبنا وزادته رهقاً على رهق .

ومرت علينا نماذج غريبة ومتعددة وفي أماكن مختلفة من التنكيل بأبناء شعبنا الفلسطيني ، كان بعضها نتاج لصدام سياسي واختلاف رؤى وآخر بدون أي مبرر سوى الانتقام أو الخوف أو الغيرة وغيرها من الأسباب . وتكررت الإهانات وكان أشدها تلك المتعلقة بقذف المواطن الفلسطيني وأسرته في أحد ممرات المطار في هذه الدولة أو تلك لأيام عديدة قبل أن تجد لها مكاناً يقبلها أو قراراً يسمح لها بدخول البلد المعني .

ولا زلت أذكر رفيقاً مناضلاً بقي على متن الطائرات بين هذا المطار وذاك لفترة تصل الى الشهر وأطلقت عليه الصحف الفرنسية وغيرها في وقته لقب " الفلسطيني الطائر" وبعد أن مكث في أحد المطارات العربية والتي سمحت له بالنزول من الطائرة على أرضها ثلاثة أشهر مضرباً عن الطعام ، أدخلته الى ذلك البلد العربي ولكن الى السجن وبعده الى الإقامة الجبرية لثلاث سنوات ومن ثم ترحيله خارج البلد المذكور، وكان ذلك في السبعينات وبعد معارك أيلول والأحراش في الأردن وخروج المقاومة من الأردن ، على يد النظام الأردني الذي خاض معركة شرسة ضد المقاومة مدعوماً من الغرب عموماً ومن الرجعيات العربية في حينه . والحال أن هذه المأساة تتكرر بين الفينة والأخرى ولا تجد لها حلاً .

المؤلم في الأمر أن هذه الدول تسمح بدخول اليهود الى أراضيها سواء كانوا يحملون الجنسية الإسرائيلية أو الأمريكية وغيرها من الجنسيات السوبر عند حكامنا الميامين .

وبالعودة لأصل المشكلة ماذا نرى ؟ نرى مواطناً فلسطينياً لايجد غطاءً من أحد فيبطش به المسئول بهذا لمطار أو ذاك بتعليمات عليا من ذوي الأمر والنهي ، ويتم التنكيل بأسرته والاستخفاف بها ومعاملتها بلا رحمة أو شفقة ، ومع الأجنبي كل الاحترام وكل التسهيلات ، وبالتأكيد لابد أن يوجد تفسير لمثل هذه الحالات المتكررة والدائمة ، وليس أكثرها فظاظة قصة هذه الأسرة التي لولا روايتها على قناة الجزيرة لبقيت طي الكتمان مثل آلاف الحالات الشبيهة .

إن أهلنا القابعين في العراء على الحدود الأردنية والسورية والهاربين من بطش عصابات القتل الطائفية في العراق ، كما أبناءنا المرميين على طرقات أجهزة الأمن في العديد من المطارات يستحقون من أهل مكة نظرة أخرى تثبت حقاً أن قيادة هذا الشعب تستحق ثقته ، وأنها حقاً أمينة على مستقبله وكرامته ، فلا كرامة لوطن وأبناءه يهانون ليل نهار في مطارات هذه الدول وعلى حدودها ، ولا كرامة لهذه القيادة وابناً واحداً من أبنائها يعتقل أو ينفى بغير حق ، ولا حجة لأي مسئول فلسطيني تجاه هذا .

إن الدول والحكومات المحترمة لا تسمح بذلك مطلقاً ولا داعي لسرد الكثير من الوقائع التي تدل على احترام الإنسان وعدم السماح بإهانته مهما كانت الذرائع والأسباب ، وقد جاء بيان اللجنة العربية لحقوق الإنسان أفضل من كل البيانات التي صدرت حتى الآن ، وهي نادرة، لشجب هذا السلوك المفضوح تجاه أبناء الشعب الفلسطيني الأبي، والعربي بامتياز .

وحتى تتضح بعض معالم المرض الذي نعاني منه لابد من عودة للوراء ، حين كانت الثورة الفلسطينية قوية وقادرة على حماية أهلها وكرامتهم فكيف كانت الصورة ؟ أنا هنا فقط سأذكر حقائق يعرفها الكثير ممن عايشوا تلك الفترة .

لقد كان الفلسطيني يدخل العديد من الدول العربية بدون جواز سفر ، بل بمجرد أن يحمل هوية فدائي وإجازة عسكرية ، ومن المطارات في أحيان كثيرة . كان المرء يأخذ إجازة فدائي في الأردن ومن ثم يمر بها الى سوريا فلبنان والى الكويت ومصر أحياناً والعراق وغيرها من الأقطار العربية ، وليس هذا فقط بل كانت المقاومة تجبر أي دولة أوروبية على الإفراج عن المعتقل الفلسطيني حتى لو كان خاطفاً لطائرة أو مهاجماً لوكر موساد صهيوني، وهناك العديد من الأمثلة مع ايطاليا وبريطانيا وفرنسا وغيرها ناهيك عن الدول العربية التي لم تكن تحتجز أي فلسطيني مهما كان( جرمه) لأكثر من بضعة أيام ثم يطلق سراحه .

ونحن إذ نقول هذا فإنما للدلالة على أمر أظنه شديد الوضوح .  وليس لأمريكا أو لغيرها من الدول الكبرى أن تفرض احترام مواطنها الا عبر القوة سواء كان ذلك بالسلاح أو بغيره ، وهذه شريعة عالم متوحش وغير منصف مع الشعب الفلسطيني .

إن الإساءة لأهلنا لا يمكن حسبتها على المواطن العربي في هذه الدولة أو تلك لأننا نعرف يقيناً أخلاقنا العربية وتوق أهلنا في المغرب والمشرق لرؤية فلسطين محررة وعربية خالصة .

إن مقاومتنا لا تطلب الخاوات التي كانت تدفعها بعض الدول، المتنمرة الآن، للبعض ممن يحسبون على الإرهاب والإرهابيين.

كما لم تقم المقاومة الفلسطينية بأي عمل يضر بمصالح تلك الدول التي تمارس ساديتها المقيتة على شعبنا فلماذا التنكيل بأهلنا ؟ لماذا وشعبنا يمد يده طالباً العون من الجميع وبلا حساسيات ؟.

ألم يحن الوقت لتتوقف هذه الممارسات ؟ وهل يثقل على هذه الدولة أو تلك وجود بضعة آلاف من الفلسطينيين على أراضيها ؟ وهل من اللائق أو من المنطق والأخلاق والدين أن تقوم دول غير عربية وغير مسلمة بمعاملة الفلسطيني أفضل من أشقائه الحكام( الأفذاذ أصحاب النخوة والضمير)؟ ولماذا يترك المقيم الفلسطيني في السعودية أو الخليج تحت رحمة من يسمون بالكفلاء؟ ولماذا يتم تجاوز كل الأعراف الدولية في نهب ثروة هذا الفلسطيني أو ذاك أو تبديدها لمجرد أن الكفيل يريد ذلك ؟

لقد كان هذا واضحاً في قضية المواطن الفلسطيني وأسرته المكونة من احد عشر نفساً .

وأخيراً وحتى لا يحملنا الغضب أكثر الى مجاهل لا نريدها، ونجعله مفيداً ، نخاطب قيادتنا الجديدة، والتي أنتجت اتفاق مكة وتنهمك الآن في تشكيل الحكومة العتيدة : نتمنى عليكم القيام بواجبكم تجاه هذا الأمر، وأن تضعوا كرامة المواطن الفلسطيني فوق كل الحسابات السياسية والعلاقات البروتوكولية ، ضاماً صوتي لكل من نادى بطرح المسألة على القمة العربية القادمة ، ولمن لا يحترم شعبنا من السلطات العربية لابد أن يتحمل مسؤولية ذلك ، ولا عذر لأي قائد فلسطيني في هذا ولا كرامة الا إذا كان همه حقاً ليس فقط صون حقوق شعبه واستعادتها بل صون كرامته واحترام إنسانيته . ولكل الدول التي تعامل أهلنا بكرامة وإنسانية ، وعلى قدم المساواة مع أبنائها وبالخصوص سوريا الشقيقة كل المحبة والتقدير . ونتمنى على الإخوة في المملكة العربية السعودية أن ينهوا مشكلة هذه العائلة وهذا واجبهم ، وأن تتوقف كل الإجراءات الظالمة بحقنا، هنا وهناك ، في هذا المطار أو ذاك ، وليس الغرب أرحم ليستقبلنا مهاجرين ، فاتقوا الله... وكفى بالله وكيلا .

زياد أبوشاويش

Zead51@hotmail.com

 

 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home