مقال

 

انطولوجيا للشعراء المغاربة الراحلين

جواد وادي



 

جديد إبداعات الدكتور جمال بوطيب

" جور الغياب : ديوان من صمتوا " من الشعراء

 

 جواد وادي

شاعر ومترجم عراقي مقيم في المغرب

       جميل ان يؤسس الوفاء بين المبدعين لهذه الوشائج الضاربة في الصدق والمحبة والإعتراف بما أسداه المبدعون الراحلون من عطاء أغنى المشهد الإبداعي بكل أجناسه بشكل عام، والشعري منه على وجه التحديد، وجميل أيضا أن يسعى المبدع لإحياء ذكرى أقرانه ومجايليه وحتى من سبقوه ممن أسسوا للبنات الإشراقات الشعرية الأولى، ليفتحوا منافذ للأجيال اللاحقة ليواصلوا ذات المشوار ويغترفوا من ذات النبع الشعري العذب ويضعوا اقدامهم على عتبات جديدة، موقعين بلمساتهم الخاصة حالة إبداعية قد تكمل المشوار وقد تساهم بإضافات تريح رقدة من سبقهم. وهذا ما فعله المبدع جمال بوطيب، كونه شاعرا وباحثا جادا واكاديميا ذا مواهب تدريسية مشهود لها، حين أقدم ولأول مرة في المشهد الإبداعي المغربي على سابقة لافتة، بتذكر أؤلئك الرائعين، الذين تركوا تجارب إبداعية متميزة في المشهد الشعري المغربي، فمنهم من غادر الدنيا بحصيلة شعرية وافية، ومنهم من رحل وهو لما يزل يتلمس خطواته الأولى في عالم الشعر الأرحب والأسمى في زمن موبوء بالرث والحروب والمتاهات اللاإنسانية القاتلة.

    إن " جور الغياب " هو الكتاب الثامن في سلسلة إصدارات المبدع جمال بوطيب، والعنوان يحيل القارئ دون عناء الى وفاء المؤلف لأولئك الغائبين جسدا والحاضرين بنفسهم الشعري الذي ما زال يلهج نقاء وفتنة بلحظات الحمولات الشعرية التي احسها وعايشها وباتت من خلجاته الفياضة لأحبة مبدعين بقيت ذكراهم تحفر في نفسه الكسيرة وجعا غائرا وهو يحمل في وجدانه هؤلاء الراحلين واحدا إثر آخر، بالم وحسرة وتوجع وهذا لعمري وفاء قلما نجده في واقعنا الأدبي الراهن حيث لا نلاحظ غير الفردانية وعشق الذات وإقصاء الآخر، وهذه الحالات باتت من التوصيفات المؤلمة للعلاقات الشائنة في المشهد الثقافي العربي، كجزء من تردي الأوضاع في تفاصيل حياتنا البائسة.

  الكتاب اعتبره المؤلف " ديوان من صمتوا" ، لا بمعنى الصمت الروحي الدائم النفاذ الى وجدان القارئ، انما بالمعنى الجسدي الحسي، وكأني به يريد ان يقول انهم يعيشون بيننا وفي حنايانا، يرتبون لنا طقوس الكتابة ويسعّروا فينا وهج العطاء.

      صدرالكتاب عن منشورات المركز الوطني للإبداع  المسرحي والسينمائي في حجم متوسط وبلغت صفحاته 130 صفحة وتناول 15 شاعرا من الذين صمتوا جسديا لكنهم ظلوا حاضرين بنصوصهم التي بقيت متداولة وأسماؤهم طاغية بين شريحة المبدعين المغاربة. فمن منا لا يتهادى شغفا بقراءة نصوص عبد الله راجع وأحمد المجاطي ومحمد خير الدين ومحمد الطوبي والكوكبة تطول .

       في تقديمه للكتاب يقول الناشر( جور الغياب) " تجربة مغايرة في الإشتغال الأنطولوجي بالمغرب، لأن انتباهها إلى نصوص الغائبين من شعراء المغرب المعاصر، واستحضارمبدعيها، في انطولوجيا خاصة يعد التفاتا عميق الدلالة ، لأنه اهتمام اولا، وتكريم ثانيا لشعراء المغرب الصامتين، وقبل ذلك – ويقينا – هو تكريم للأحياء من شعراء مغربنا المعاصر" .

     أما مؤلف الكتاب المبدع جمال بوطيب فيقول في مقدمته للكتاب التي عنونها (الحيرة الشعرية): " قد يرتبط الكلام بالحي، بينما يرتبط الصمت بالميت، لكن نريد للأموات ان يواصلوا كلامهم ونلتمس من الأحياء أن يصمتوا ليستمعوا اليهم من خلال نصوصهم. (جور الغياب) يقول المؤلف هو ديوان (من رحلوا) و(من صمتوا) من شعراء المغرب في غفلة من القصيدة، ليتركوها خرساء بعد ان صمتوا صمتهم النهائي والرهيب" . ثم يواصل بتعريفه لجور الغياب:"  ليس فقط كتاب(أنطولوجيا)لمن مات من شعراء المغرب في العقود الثلاثة الأخيرة،ولكنه (كلام الى الصامتين) ممن حرموا من إمكانية القول كطاقة خاصة ومميزة، وحرموا من سلطة الكلام كمنجز فردي مفعّل للغة الكائن الميت الذي رفضوه في نصوصهم" .

    تناول الكتاب خمسة عشر شاعرا مرتبين حسب أبجدية أسمائهم وليس لسنوات رحيلهم، والشعراء هم :

أحمد بركات-أحمد الجوماري-أحمد المجاطي-عبد اللطيف الفؤادي-عبد الله راجع- كريم حوماري-كمال الزيدي-محمد الحلوي-محمد خير الدين-محمد الخمار الكنوني-محمد زفزاف-محمد السبايلي-محمد الطوبي-محمد منيب البوريمي-محمد الوديع الأسفي.       

    أن هذه الأنطولوجيا الشعرية هي إضمومة لأسماء سيظل الشعر المغربي يتأسى رحيلهم لأنهم غادروه في صمت وهم في أوج عطائهم ويظل يعاتبهم هذا الرحيل المبكر، فكم تركوا ورائهم من نصوص ظلت خميرة عطاء وإضافات ما أحوج الشعر المغربي لها، إنما هي المشيئة ولا مرد لها.

   لكن الأسئلة تظل دائمة الإشتعال والوشائج الرافدة لهذا العطاء تزداد عمقا وشساعة بين هؤلاء الرائعين ممن صمتوا وبين متلقيهم، ويظل الخيط الرابط لهذه العلاقة المقدسة هو من فكر، فغامر، فأقتحم هذه التجربة الرائدة، فأخرج هذه الحمولة الشعرية بكل ألقها وعنفوانها ومكابداتها. فطوبى لأخينا المبدع الدكتور جمال بوطيب لهذا الإنجاز النبيل وهذه الإلتفاتة الخيّرة، وشكرا لكل من دعّم هذا المولود البهي.

 

جواد وادي

شاعر ومترجم عراقي مقيم في المغرب




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home