مقال

 

شباب في الجوع

زين رازم بلبيسي



شباب في الجوع
بقلم : زين رازم بلبيسي

قرأت مقالة الأستاذ هاشم الخالدي في الدستور يوم الأحد الماضي  الموافق 18 / شباط  والتي تتحدث عن استخدام شباب لاختبارات الأدوية ، واستخدامهم حقول تجارب لنجاعة الدواء أم عدمها ! وقد أفزعني وأفزع الكثيرين أن يكون في بلدنا الأردن هذا النوع من استئجار الشباب للتجارب ، واستخدامهم بهذا الأسلوب الخالي من الإنسانية مقابل مبلغ من المال ، ومن ثم توجيه العقوبات بخصم مبلغ من المكافأة الدموية عنهم ، لأنهم لم يلتزموا بالضوء المطفأ أو إشعال النور في أوقات لا يسمح فيها ذلك ، أو أنهم حاولوا الذهاب إلى المرحاض بعد شرب الماء المخصص للتجربة ، أو أنهم يريدون وجبة مشبعة أكثر من التي تقدم لهم في غرفة التجارب !وأصابني الفزع والخوف كما أصاب القراء الذين يبتعدون عن هموم الفقر والجوع والحاجة ، والمصيبة أن الشباب هؤلاء يقدمون أنفسهم تضحيات للتجارب التي ربما لا تنجح ، فيدفعوا الثمن من شبابهم لقاء مبلغ يشترون به خبز أمهاتهم أو آبائهم المطروحين على فراش المرض ! أو ربما لتسديد أقساط دراستهم الجامعية أو الدراسية بشكل عام ! المقالة كانت تبحث في نوع غريب وجديد على المجتمع الأردني من قضايا ، لم يصدقها القارئ ولم يستطع أخذها بعين الاعتبار ، وذلك لابتعاد التفكير الإنساني والاجتماعي المنشغل بالهموم السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكثر من البحث عن الأسرار التي تبرز هذه المصائب على الشعب وتحدق به عابقة بالأخطار ! 
فالشباب الذين يشكلون مجمل الفرح والتفاؤل والنهوض في الشعارات ، هم اكبر الفئات عرضة للأحزان والانكسارات والخيبات لأنهم عين الحياة الحساسة ! ولأن طبيعة أعمارهم تشبه وردة متفتحة على الشمس وإشراقه الدنيا ، ولكن المجتمع والأسرة والأوطان لا ترضى بهم نخبة للاهتمام والرعاية ، فتتوجه إليهم بالمطالب والواجبات واللوم والتقريع لأنهم شباب ، فيقع عليهم العبء الأعظم للقيام بكل ما تهفو له الأسرة والمجتمع ، وتتضاعف محاسبتهم عند الخطأ ، وعند أي مشكلة تحدث يقال (عيب أنت شاب ) وإذا جاعت أسرة أو مرضت أم أو أب يقال ( غريب أليس عندهم شباب ؟؟ )
والمجتمع لا يدري بأن الشاب في تلك الأسرة وبطبيعة فطرية يحرم نفسه من أجل أهله وأخواته وأمه وأبيه ، ويحاول التقليل من مطالبه ، وربما يأكل أقل من أي فرد في الأسرة.. والكثير من الأسر تؤمن الخبز والأكل للأطفال وتوفر الأجود في الغذاء للأطفال، وتحرم منها الشباب في الأسرة ، بينما الحقيقة أن الشباب هم الذين يجب أن يتناولوا الأغذية الجيدة والمشبعة ، أسوة بالأطفال في عمر البناء ! 
فالشباب تقع عليهم إذن المسؤوليات ، لأنهم في نظر الشعوب والحكومات أهل للقوة في الجسد والفتوة ، والمسئولون لا يدركون أن القوة هذه معرضة أكثر من غيرها للانكسار والحزن والألم !!
والصحيح أن المضاعفات هذه ربما هي التي أودت بالشباب للإيقاع بأنفسهم في أحلك التجارب ومنها تعريض أجسادهم وتحويل أنفسهم لفئران تجارب دوائية، من منطلق أن الشاب يحتمل العذاب !
وفي هذه الحالة نكتشف أن القوة عند الشباب المعول عليه هي وهمية ، و لا تتوفر إلا في العمر والسنوات حينما نعدها  ، أما النضوج والقيمة الشبابية فهي للاستغلال فقط  ، فنجد أن الشباب هم الأرضية المضغوطة لتنفيذ المطالب ، ولهذا يرضى العلم في بلدان متأخرة غارقة بالجوع والفقر والحرمان وإعدام قدرات الشباب بالأمان ، أن يستخدموا الشباب في مجمل العذابات الغريبة والتي تمارسها مؤسسات علمية وطبية تأسست أصلاً على خدمة البشرية والارتقاء بها ، فيلجا هؤلاء للبحث عن أضعف وأهش أرواح حساسة بعد الطفولة البريئة ،وبكل ضمير حي بعيد كل البعد عن التأمل في مواجع الشباب وحاجاتهم الكبيرة عند أهليهم ويعرضوهم من جديد للبؤس والمرارة والخذلان !
فعلى الأقل الطفل لا يطلب منه الخبز والقوت ولا يتعرض للمعايرة، بأنه شاب وقاعد عن العمل ! وبعض الأمهات والآباء يقولون للشاب أنت شاب وتستطيع تحطيم الصخر وإحضار لبن العصفور لأهلك، فيتوجه لأي وسيلة لتحصيل المردود !
هناك فئات كبيرة الأعداد من الشباب يذهبون إلى الجامعات والدراسة  مشياً على الأقدام ، وينطلقون في الفجر للوصول إلى دراستهم ، وذلك لأنهم لا يجدون أجرة الباص أو السرفيس في جيوبهم ، وكثير من الشباب لا يفضل طلب الأجرة أو المصروف من والدته المسكينة أو والده الفقير ، خوفاً من أن يبدأ النهار بمشاكل أو خلافات على بضعة قروش ، فيلجا الشاب إلى بيع أجزاء من جسده أو تعريض جسده العاري الضعيف لأشعة حقول التجارب !

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home