القلم السياسي

 

فتح وحماس...اتفاق صحيح وثنائية خاطئة.(ج3)

زياد أبو شاويش



فتح وحماس...اتفاق صحيح وثنائية خاطئة.(ج3)

بقلم : زياد ابوشاويش

في محاولتنا استقراء مواقف كل الأطراف من اتفاق مكة، وسلوكها قبل وبعد التوقيع عليه، وخصوصاً موقفي حماس وفتح، والذي أنتج اتفاقاً وطنياً رائعاً وعظيماً، كنا نتمنى أن يقتصر على وقف الاقتتال، ووضع آلية لضبط الأوضاع الداخلية ، ومن ثم الانتقال لحوار شامل تم التفاهم حوله لكل القضايا الأخرى ،ومقرراً وقف هدر الدم والجهد والوقت لمصلحة فلسطين وشعب فلسطين،  لم نتردد في القول بأنه أنتج في ذات الوقت ثنائية خاطئة نجتهد أن نبينها بأفضل وأوضح طريقة من أجل ذات الهدف الذي جرى التوقيع باسمه : "الوحدة الوطنية" .
ولم نكن في وارد الحكم على طرفي المشكلة ، أو تحميل أحدهما أو كليهما مسؤولية الاقتتال ، وبمعنى أوضح فان مقاربة الواقع الفلسطيني قبيل الاتفاق وبعده من خلال مواقف وسياسة الأطراف المختلفة لا يستهدف إعادة رسم خريطة الصراع الداخلي من جديد ووضع العلامات الفارقة أو الإشارات الحمراء والخضراء على هذا الفريق أو ذاك .  وقد رأيت أن أبدأ بهذا التوضيح لان بعض الإخوة من الذين أطلوا على القسمين الأولين من العرض تناولوهما من على خلفية الإدانة وتحميل المسؤولية، الأمر الذي لم نستهدفه بكل النقد الذي وجهناه لكليهما في الجزأين الماضيين ، ولو كان الهدف ما اعتقده الأخوة الأفاضل لاكتفينا بجزء واحد قمنا من خلاله بالاجتهاد في قول حكم على احد الطرفين أو توزيع الاتهام عليهما مناصفة أو بنسب متفاوتة ....الخ من القضايا التي يعرفها القاصي والداني ، لكننا لم ولا نفعل لسببين الأول أن أي كاتب أو محلل سياسي لا يستطيع وليس من حقه الحكم الا إذا امتلك كل المعلومات التي تجعل من حكمه موضوعياً ومنصفاً، وهذا لا يتوفر لدي، والثاني أن طبيعة الظرف السياسي الذي نمر به بعد الاتفاق لا يسمح بهكذا استنتاجات تؤجج المشاعر من جديد .  وفى المحصلة نحن مناضلين بالإضافة لكوننا كتاب، ويعنينا كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني من باب الحرص على الوحدة الوطنية ، وتطوير عملنا باتجاه المزيد من القوة في مواجهة عدو شرس، يرى نفسه في نفينا جميعاً . وحديثنا عن موقف أحد طرفي الخصومة من هذا الأمر أوغيره،واعتباره موقفاً سلبياً، ساهم بهذا القدر أو ذاك في تأجيج الصراع، ودعوتنا للمحاسبة الداخلية، لا يعنى مطلقاً تحميل المسؤولية الكاملة عن جريمة الاقتتال المدانة . وقد أشرنا في حينه بلا تردد الى حماقة قيادة الحركتين اللتين أوصلتا الوضع الى هذه الحدود المؤلمة والمؤسفة ، ولا أظن أحداً في الحركتين يستطيع أن ينكر المسؤولية التي تتحملها هذه القيادة فيما جرى ، كما لا أعتقد أن أحداً يمكنه إنكار الرأي العام الفلسطيني، الذي كان يحملهما مسؤولية ما يجري والمطالبة برحيل هذه القيادة . وكنموذج على فهم ما نكتب من زاوية خاطئة تماماً لابد أن أورد ما وصلني من ملاحظات على هذا الصعيد حتى يعرف القارىء الكريم خلفية هذه المقدمة الطويلة :
الأولى / وردت من زميل يكتب بمنظور وطني ديني يقول فيها " أنت لا تصلح للحكم على الطرفين لأنك حملت المسؤولية لحماس بنسبة الثلثين " .
والثانية / وردت من كاتب صديق  ومثقف فتحاوي شهير يقول فيها " أنت بما كتبت تحمل فتح مسؤولية الاقتتال الذي جرى " . ولفت انتباهي لمراجعة بعض الوقائع الإجرامية التي حدثت.
والآن نعود الى سياق العرض فنتناول هوامش هذه الثنائية الخاطئة بين فتح وحماس ، وآمل أن لا أواجه ذات النقد على التعبير ، ذلك أن ما قصدته بهوامش الثنائية هي تلك الفصائل والمنظمات والمستقلين ممن عجزوا عن وضع حد للاقتتال أو تقاعسوا عن فعل ذلك ، ومدى ضعف فاعليتهم في خلق ظروف وطنية على الأرض، تمنع تكرار الماضي غير السار وغير المحمود بصورة جديدة ومبتكرة، أو بصورة مشوهة، وهنا أقصد احتكار القرار والمحاصصة المذمومة على حساب القضايا الرئيسية ، والهبوط بسقف الموقف الفلسطيني تحت ذرائع مختلفة ، الأمر الذي مارسته قوى اليسار،  وعلى رأسها الجبهة الشعبية باستمرار خلال الفترة الماضية ، وبوضوح أعلى منذ توقيع اتفاق أوسلو التفريطي ، بل والخياني إن أحببتم .
إن قرار الجبهتين الشعبية والديمقراطية بعدم التعاطي مع افرازات أوسلو السياسية قد تم ابتلاعه خلال السنوات الماضية تحت ذرائع مختلفة ، ولن أطيل العرض باستحضار بيانات الطرفين العلنية بل وتعاميمهما الداخلية ، بل أكتفي بهذه الإشارة ومن رغب في الاستزادة عليه أن يراجع ليرى حجم الإرباك والخلل الذي شاب مواقف اليسار الفلسطيني تجاه مجريات الأحداث ، وغياب يقين سياسي يدفع لتطوير موقف مناهض لاتفاق وصفته كل أدبيات الجبهتين بالاتفاق التفريطى بل والخيانى كما كانت تطلق عليه الشعبية أحياناً . ولا يستطيع أحد أن يشرح بشكل مقنع التغيرات النوعية التي أدت الى انقلاب مواقف الأطراف المذكورة منه ومن الانتخابات التشريعية التي كانت إفرازاً سياسياً لاوسلو حتى عام 1996 . وهل يستطيع عاقل أن يدعي أن انتخابات عام 2006 أي بعد عشرة أعوام من الأولى، ليست تحت سقف أوسلو أو بمحدداته؟ ، وهل كانت هذه الأعوام مؤشراً على التزام إسرائيل بالاتفاق أم العكس هوالصحيح؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : هل لعبت الجبهتان الشعبية والديمقراطية الدور المفترض بهما كرافعة لتيار ثالث ثوري عقلاني يجنب الساحة الفلسطينية الدمار كما الانحراف؟ ، وهل فشلهما فيما هو أقل من ذلك يشير الى مستقبل جيد ؟ والمقصود بالأقل، الاتفاق على قائمة موحدة في الانتخابات التي خاضتها الجبهتان بقائمتين منفصلتين وحازتا على نسبة يندى لها جبين أي مناضل في صفوف هذين الفصيلين الرئيسيين ، أو هكذا المفترض أن يوصفا .
وينطبق الأمر على المستقلين ومنظمات المجتمع المدني التي رهنت نفسها لعقلية فصائلية همشت دورها وأضعفت قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث ، مما أدى الى غياب شبه كامل عن صيانة الساحة الفلسطينية من اقتتال عبثي كاد أن يطيح بكل ما أنجزه الشعب الفلسطيني وثورته المسلحة على مدار الأربعين عاماً الماضية .
إن ما قامت به بعض الفصائل من تحركات احتجاجية أو وساطات للجم الصراع، ومنها الشعبية والجهاد الاسلامى، وغيرها من الفصائل والشخصيات الوطنية، أمر لا يمكن إنكاره أو التنكر له ، لكن هل كان ما قام به هؤلاء هو كل ما يستطيعون القيام به ؟ أظن الإجابة واضحة وهى " لا "كبيرة وصادمة . ولأن المسألة هنا تحتاج لتفاصيل تتعلق بأوضاع هذه الفصائل والتنظيمات الداخلية ولا مجال هنا لذلك ، نكتفي بالقول أن الجميع ممن يحتجون الآن على ثنائية فتح.. ..حماس، عليهم أن يراجعوا مواقفهم وسياساتهم، سواء ما ارتبط  منها بالعلاقة مع الجماهير والمحازبين والأنصار ، أو ما له صلة بمواقف هذه الأطراف من تكتيكات الخلاف والتسخين والتبريد على الساحة الفلسطينية ، وعلاقتها بطرفي الصراع قرباً وبعداً، اتفاقاً أو خلافاً ، وأنه لابد من وضع ثوابت واضحة مرنة ومفهومة لكل قياس وطني ، والعمل على أساس برنامج واضح يعطى الأولوية في الجانب السياسي للحصانة الوطنية ضد الضغوط الخارجية بكافة أشكالها ومصادرها ، والذي  يعنى حماية الوحدة الوطنية وتعزيزها والتمسك ببرنامج الإجماع الوطني الوارد في وثيقة الاستقلال المقرة من المجلس الوطني عام 1988 . وفى الجانب التنظيمي التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني والعمل داخل مؤسساتها مع إعادة بنائها وتفعيلها لتكون كما كانت قبل أوسلو الكيان المعنوي والعنوان لكل الشعب في الداخل والشتات . إن هذه القضايا لا يمكن تثبيتها في وجدان الشعب ودفعه لتبنيها وعدم المساومة عليها ولجم كل خروج عنها الا من خلال تقديم نموذج آخر للعلاقة مع الناس والأعضاء، نموذج يمثل النقيض لكل أشكال الفساد والفوقية التي نبذتها الجماهير وسخرت منها ، نموذج واقعي يعيش بين الناس ولا يحلق عالياً . إن تقدم هذه القوى وتعزيز مكانتها يتطلب حفر مجرى آخر للنضال خارج سيطرة اليمين بشقيه الظاهرين والممسكين بكل مفاصل السلطة والمنظمة ، بل وخارج عباءته تماماً، وبمفهوم الوحدة وليس الانشقاق .
إن هذه الثنائية تستظهر نوازع الهيمنة والاستخفاف بالآخرين، وهو أسوأ ما يمكن أن يواجه نضالنا الوطني اليوم وبعد ألف عام، كما أنها تؤدى بعقلية الاستعلاء الى تكريس الفساد والتغاضي المتبادل عن الأخطاء ، بالإضافة لمخالفتها نظرياً لروح المرحلة باعتبارها مرحلة تحرر وطني ، ولعل من يتابع ويدقق في كلمات وكتابات هؤلاء يرى بدقة صحة ما نقول . وحتى تتم رؤية الأمر الذي قصدناه بهذا ولو من احد الزوايا الضيقة، لابد أن نعود لتحديد أدق لاتفاق اوسلو بكل افرازاته ، وهنا لا يستطيع أي فلسطيني، قائدًا كان أو من عامة الشعب، الا أن يوافقنا التشخيص لهذا الاتفاق باعتباره وصفة بغطاء أو" روشتة" دولية لحماية أمن إسرائيل وحدودها . وقد تعارف أو فهم الجميع بأن ضرب أمن إسرائيل يعنى بالضرورة ضرب اتفاق أوسلو، وهذا ما كان يعرفه الراحل عرفات كما تعرفه جيداً المعارضة الفلسطينية ، ومن هنا فان أصغر فصيل فلسطيني قادر على تعطيل هذا الاتفاق إذا أراد،  بالتركيز هنا وليس في أي اتجاه آخر، وقد فعلت حماس بالذات هذا وأحرجت فتح بل وأربكتها في العديد من المفاصل. لذلك كان الاستخفاف أو التقليل من شأن الآخرين على خلفية نتائج الانتخابات الأخيرة هو عمل ضد الوحدة الوطنية مثلما هو عمل باتجاه خدمة أهداف بعيدة كل البعد عن وصفها بالوطنية وربما يأتي يوم لا تشارك فيه  كل الفصائل في انتخابات تجرى تحت سقف أوسلو وفى ظل الاحتلال فهل نقيس على نتائجها أم القدرة على تعطيل ما نراه ضاراً بمصلحة شعبنا . وفى المقابل فان وضع الخطأ الذي نصفه بثنائية فتح وحماس في موقع أو بحجم يخالف الواقع والأمانة الوطنية، يمكن أن يؤدى الى حرف الأمور باتجاهات خطرة وغير محمودة العواقب .
لقد كنت أدرك وبكل صراحة أن الجبهة الشعبية لن تدخل هذه الحكومة قبل أن يصدر قرار مكتبها السياسي بعدة أيام بل وبعد إعلان مكة مباشرة ، ويعود ذلك ربما لمعايشتي للجبهة وقيادتها على مدار ما يزيد على ثلاثين عاماً ، لكن الذي لا أعرفه وأشك فيه هو قدرة قيادة الجبهة الشعبية على تسويغ موقفها ، والأكثر منه التشبث بهذا الموقف والتأسيس عليه .
أما الرفاق في الجبهة الديمقراطية فلا يستطيع أحد أن يتكهن بموقفهم وينطبق ذلك على البعض الآخر ممن أتت الثنائية على حسابهم . وأنا هنا أقصد موقفاً لفترة زمنية طويلة نسبياً .
وكما قلنا للإخوة في فتح، وحماس ، نعيد التأكيد عليه مع الإخوة فيما  يسمى بالخط الثالث ، عليكم تظهير مواقفكم قبيل الاتفاق وبعده والمقارنة، ثم البحث بعمق في أسباب فشلكم الانتخابي إن رأيتم أن دخولكم هذه الانتخابات كان صحيحاً من حيث المبدأ . كما عليكم البحث عن أنجع الوسائل لإيصال رأيكم للناس مباشرة وعدم الاكتفاء بصدقية هذه المواقف ، وبمعنى آخر عليكم تلويث أحذيتكم بطين مخيماتنا وأزقتنا وحوارينا والكف عن التجريد في المواقف وحسب . وهذه هي مهمة اليسار الفلسطيني وكل القوى الديمقراطية والتقدمية وهذا ما يقلل الى حد بعيد النتائج السلبية للثنائية المنوه عنها . فهل تستجيب هذه القوى لذلك فتبقى وتتطور أم العكس ؟

فتح وحماس … اتفاق صحيح وثنائية خاطئة (ج4)

بقلم : زياد أبوشاويش

هذا هو القسم الأخير من العرض الذي يتناول اتفاق مكة الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس من منظور الثنائية التي بني عليها الاتفاق، وسلبية هذه الثنائية من زوايا العمل الوطني الجمعي ، وضرورة توحيد كل الجهود ، بعيداً عن المحاصصة ، لحماية هذا الإنجاز الكبير والهام ، وبالحرص على إشراك كل الناس في حوار وطني شامل، كان قد تم التوافق بخصوصه في حوارات القاهرة وتفاهماتها المعروفة ، هذه الثنائية التي أنتجت هبوطاً عن سقف الموقف الوطني العام ، والمتفق عليه بين كل القوى ، والمعبر عنه بوثيقة الوفاق الوطني ، وان كان الأمر ليس مرهونا بهذه السلبية فقط ، بل بما يمكن أن تعكسه هذه الثنائية من إقصاء لباقي الفصائل إن لم يكن الاستخفاف بها ، الأمر الذي يشكل ثغرة في جدار الوحدة ، يهدد لاحقاً كل مبادرة صحيحة باتجاه رفع سقف الموقف الوطني ، بما ينسجم مع برنامج منظمة التحرير الفلسطينية المقر في وثيقة إعلان الاستقلال بالحد الأدنى .

وفي هذا القسم سنتناول الشأن الخارجي المتعلق بالثنائية وما يمكن أن تنتجه ضعفاً أو قوة للموقف الفلسطيني في مواجهة الضغوط الخارجية ، كما الرؤية التي نراها تخدم الاتفاق وتعزز النضال من اجل انتصار المشروع الوطني الفلسطيني في تحقيق الهدف المرحلي المتمثل في إقامة الدولة في حدود عام 67 وحق العودة والقدس .

إن تصريحات الملك عبد الله ملك الأردن قد جاء يعزز تخوفاتنا من هذه الثنائية باتجاه قبول طرف دون الآخر بما يملى عليه ، ومن ثم استدراج الآخرين لذات الموقف الهابط الذي يريدنا أن نتبعه ملك الأردن، والذي نطق كما قال ، باسم قوى عربية فاعلة، بما فيها راعي الاتفاق .

إن تصريح الناطق المصري باسم الرئاسة حول عدم لجوء مصر للضغط على الجانب الفلسطيني ، باتجاه تغيير صيغة اتفاق مكة ، أو إقرار حماس بطلبات الرباعية ، لا يعبر عن حقيقة الموقف المصري ، أو العربي ( المعتدل ) تجاه الاتفاق ، وخصوصاً ما تعلق منه بالانصياع لشروط الرباعية ، والتخلي عن كل أوراق القوة مسبقاً من أجل وعد يبقى في علم الغيب، وبين يدي إدارة أمريكية، لم تثبت مصداقيتها على هذا الصعيد ، سواء تحت سيطرة الجمهوريين أو الديمقراطيين .

وكما لاحظنا فانه في الوقت الذي أدى الاتفاق إلى اختلاف لغة الرباعية تجاه الجانب الفلسطيني دون المس بجوهر موقفها المعروف واشتراطاتها الجائرة ، إلا أنها أبقت على طلباتها من الموقعين على الاتفاق كما هي ، والأدهى أنها فتحت شهية بعض أطراف الرباعية النافذين كأمريكا وغيرها لزيادة الضغوط ، والبدء بحملة دولية وإقليمية لتركيع حماس بالكامل ، وهو ما يجعل كل الأوراق تحت أقدام إسرائيل، ويدين فارغتين للطرف الفلسطيني ، الذي احتفل بحكومة ، لا سلطة لها ولا حول ولا قوة . وغنى عن القول أن أي سلطة فلسطينية ستبقى رهينة الرؤية الإسرائيلية ما بقي الاحتلال ، وما دام ميزان القوى بهذا الميل لصالح العدو .

ربما يتساءل أحدهم وما شأن الثنائية بذلك وهل لو كان الأمر بغير ذلك لتغير الوضع ؟

والإجابة واضحة ، وهى نعم كبيرة ، فلو كان الجانب الفلسطيني موحد تجاه الصيغة التي اتفق عليها، وهي وثيقة الوفاق الوطني وتفاهمات القاهرة، ولو تم إكمال الاتفاق بحوار شامل يلبي ما اتفق عليه، وخصوصاً تفعيل منظمة التحرير وعودة دورها المخطوف لمصلحة مرحلة لم تجلب لشعبنا أي دولة، أو حتى أمل بإمكانية تحقيق الحد الأدنى الذي ارتضاه ، بعودة 22% من بلاده التي تم نهبها على أيدي من وقعنا معه اتفاق سلام في أوسلو . لو كان الأمر على هذا النحو لما رأينا هذا الهجوم المنسق على الطرف الفلسطيني ، لتلبية شروط لا تقدم لنا سوى الوهم، ووعود طالما سمعناها، ولم نر أي خطوة جدية باتجاه تحقيقها .

إن وجود المعارض الأكبر (حجماً) لاتفاق اوسلو بهذا الشكل وفي حكومة تحت السقف القانوني لاوسلو وبشروطها ، يجعل منه طرفاً ضعيفاً أمام ضغوط الراعين لهذا الاتفاق والضامنين له ،كما يجعله في ظل النص الوارد حول احترام هذه الاتفاقات ، غير قادر على إطلاق رصاصة واحدة على إسرائيل ، ناهيك عن رغبته أصلاً في هذا ، وربما تصبح الهدنة الشهيرة مديدة ودائمة، ولا ينفع لتبريرها، القول أن حماس لا تدين المقاومة والعمليات العسكرية ضد الكيان .

وحتى لا تكون رؤيتنا أحادية الجانب لابد أن نغير زاويتها باتجاه رؤية مكامن القوة في هذه الثنائية على الصعيد الخارجي، وبفرضيات نتمنى أن يؤيدها الواقع وتطور الأحداث والسلوكيات. لقد مثلت زيارة وفد حماس للقاهرة ومن ثم السودان وكل الجولة،  وصولاً لموسكو ، انفراجاً محموداً للإخوة في حماس ، قابلها جولة للسيد الرئيس ووفده على بعض الدول الأوروبية ولقائه بالرباعية ، وسماعه بعض ما يسر، وبعض ما ينغص عليه وعلينا جميعاً ، لكن المحصلة النهائية لاشيء . وفي الجانب المتعلق بجولة مشعل فربما كان الأمر أفضل قليلاً، حيث طالب الأخ خالد مشعل برفع الحصار ، وبدعم حكومة الوحدة والتعامل معها ، وسيأخذ فرصته في شرح الاتفاق لأحد أطراف الرباعية ، غير أن المؤكد هو أن يطالبه الروس بالتزام شروط الرباعية ولن يكونوا في هذا أقل وطأة من ملك الأردن فكيف ستتصرف حماس ؟ ، وهل تستطيع والرئيس موافق على شروط هؤلاء أن تغامر بكل اتفاقها مع فتح ومكاسبها في تشكيل الحكومة، وترفض هذه الضغوط والطلبات ؟ إن تجربة السياسة والحياة تقول بخلاف ذلك . إننا ننطلق من التنويه بسلبية هذه الثنائية من المقياس الوطني الأجدى لشعبنا ومقاومته ، وليس مما يمكن أن تحققه هذه الثنائية، والتي نعرف أنها في كل الأحوال أفضل من الأحادية والتفرد ، اللهم إلا إذا أتت لترسخ تساوقاً مشتركاً للهبوط بسقف أحلامنا ، وبثنائية الإفساد المسكوت عنه ، أو الاستغلال الفصائلي المذموم والمحبط لشعبنا .

إن الانشغال بعد الاتفاق العظيم بتشكيل حكومة حماس وفتح ، لا يجب أن يخفي الأهداف التي توخيناها من وراء العمل من أجل هذا الاتفاق ، وهي أهداف تحقق منها الجزء الأعز على قلوبنا جميعاً ، ألا وهو وقف النزيف والاقتتال بين الإخوة ، ووقف تهديد مستقبل شعبنا ، والاستخفاف بتضحياته العظيمة ، كما بإعادة مشروعنا الوطني إلى طريقه الصحيح . لكن هذا الهدف نتج عن حماقة وخلل سادا الساحة وهو أمر طارىء ولا يقاس عليه في برنامج إقامة الدولة والعودة ، وبالتالي فان الهدف الأهم يبقى دحر الاحتلال ونيل حقوقنا الوطنية وهذا لا يتحقق سوى بتوفير عوامل القوة على كافة الأصعدة ، الأمر الذي لا توفره أو تساهم فيه حكومة بهذه المواصفات وبهذه المحاصصة ، بل والمماحكة .

إن طرفي هذه الحكومة النافذين ، فتح وحماس قد نالا جائزة كبرى بتقاسم النفوذ داخل هذه الحكومة ، بما في ذلك تحديد المستقلين ، الأمر الذي يخالف أبسط  قواعد احترام عقل الشعب الفلسطيني ، أفراداً وفصائل ، ومنظمات أهلية ومجتمع مدني . والمنطق والعدل يقول بأن هذين الطرفين يجب أن يعاقبا على ما أهدراه من دم ووقت وجهد ، وما خلقاه من أحقاد وصعوبات أمام العمل الوطني الفلسطيني ، والتي أتى اتفاق مكة ليعالج بعضاً منها ، وكان حرياً بطرفي الاتفاق أن يتحليا بالنزاهة الوطنية والاستقامة ليقدما  للشعب الفلسطيني اعتذاراً موقعاً من كليهما قبل التوقيع على بنود الاتفاق ، بخلاف تلك التي تنهي الاقتتال وتتعهد بعدم اللجوء له لحل أي خلاف .  إن الثنائية المتعالية والمفعمة بلغة تسلطية تتدثر بنسبة ال90% من حجم الشعب زوراً وبهتاناً يجب أن تتوقف ، ويتم استبدالها بلغة تصالحية وفاقية تحترم كل القوى بما فيها من لم يدخل الانتخابات أو من لم ينجح فيها ، لأن الأصل في هكذا انتخابات أنها غير وطنية، ولا تشرف من يكسبها ، فهي تحت الاحتلال ، وهي نتاج أوسلو التفريطي ، أما وقد قبل الجمهور هذه الانتخابات،  أملاً في تحقيق حياة كريمة، واستعادة حقوقه ، فان أي لغة متفاخرة يجب أن تصدر بناءً على إنجازات تقوم بها هذه الحكومة ، والثنائي المتحكم بها ، وليس العودة إلى واقع وفاقي فلسطيني ، يجب في الأصل أن يطبع حياتنا الوطنية ، كما كان على مدار سنوات طويلة من الكفاح المسلح ، وفي ظل صعوبات ومعارك جانبية فرضت على الثورة الفلسطينية ، ومؤامرات  تفوق ما يجري اليوم . إن الضمانة لنجاح الاتفاق بشقه السياسي والتنظيمي مرهون بوجود أطراف تتعالى عن مصالحها الفئوية الضيقة والفصائلية البغيضة ، أطراف لا ترهن مستقبل شعبنا برؤيتها السياسية الخاصة على حساب رؤية جماعية ، أصلب عوداً في مواجهة الضغوط والحصار ، وهو الأمر الذي افتقدته الحركتان على مدار الخلاف الذي أشعل فتنة ضروس ، ولا توجد حتى تاريخه أي آلية ضامنة لعدم تفجرها من جديد .

إن هذه الثنائية يجب أن تتحول إلى عشارية إن أمكن ، وعلينا العودة لصيغة منظمة التحرير ، والجبهة الوطنية ، إذا كنا فعلاً نرغب في مواصلة النضال ودحر الاحتلال .

ولماذا لا يرفع الناس أصواتهم بطلب هذا مثلما فعلوا لتأييد الاتفاق  وهم محقون في هذا ؟ .

ولما كان الفريقان لا يرغبان في إشراك الآخرين في صيغة اتفاق يمس مستقبل الشعب والقضية برمتها ، ولا يراعيان مشاعر الناس ، أو ملاحظاتهم تجاه الاقتتال الذي أشعلاه فما الذي يمكن لأي كاتب أو محلل أن يكتبه ؟ وخصوصاً إذا كان هذا الكاتب أو المعلق فلسطينياً ، عاش كل تفاصيل الحركة السياسية والصراع الداخلي على مدار الساعة خلال السنة القاسية التي انقضت بتوقيع الاتفاق ، الذي باركناه جميعاً ، وطالبنا بحمايته ... ولا نزال ؟ .

إن وجود أطراف أخرى في التركيبة القيادية الناشئة داخل الساحة الفلسطينية هو أكثر من ضروري لحماية الوحدة الوطنية ، وربما يكون هذا في مؤسسات منظمة التحرير تعويضاً عن حكومة بلا سلطة ، وربما يكون وجود بعض القوى والفصائل في المعارضة صحيحاً من الزاوية التكتيكية ، لكن الأهم هو أن يتم أخذ رأي هذه القوى بعين الاعتبار في صياغة أي مشروع للتسوية بالمنطقة ، وبخلاف ذلك لا إمكانية لأي مكسب حقيقي يمكن تحقيقه على المستوى الفلسطيني ، ويبقى السؤال مشروعاً حول متى ستبدأ ورشة منظمة التحرير الفلسطينية ؟ ومتى سيكون أهلنا في الشتات موضع اهتمام ثنائية فتح وحماس ؟

 

 


 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home