القلم السياسي

 

فتح وحماس اتفاق صحيح وثنائية خاطئة 1

زياد أبو شاويش



فتح  وحماس .. اتفاق صحيح وثنائية خاطئة.(ج 1)

بقلم : زياد ابوشاويش

عاد المشروع الوطني الفلسطيني ليوضع على سكته الصحيحة بإنجاز الاتفاق المأمول بين حركتي فتح وحماس، وبه توقف نزيف الدم والروح الذي أمض قلوبنا كما العقول والضمائر.
ولا يمكن لاى متابع لمجريات النضال الفلسطيني على مدار الأعوام التي تلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى إلا أن يشيد بهذا الإنجاز الكبير ، ويعود تحديدنا لهذه الفترة إلى نشوء وتطور حركة حماس لتصل كما هي الآن إلى مكانة مرموقة ومتميزة في التركيبة الكفاحية للشعب الفلسطيني . إن الأهمية الكبيرة لاتفاق مكة وتوق الشعب لعودة الوحدة بين أبنائه قادة ومناضلين لا تكمن فقط في وقف الاقتتال وتوحيد الطاقات ضد العدو القوى والمدجج بالسلاح كما بالفيتو الامريكى ، بل بالفرصة الذهبية التي يتيحها لإعادة النظر في كل سياستنا الفلسطينية السابقة وبرامجنا وعلاقاتنا الداخلية والخارجية ، كما يتيح الفرصة لكلا طرفي الصراع لضبط أوضاعهما وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح في مجرى النضال المتواصل والصعب الذي ما زال ينتظر الجميع ، والذي لم يهدأ أو يفقد ضرورته منذ بدء الكفاح المسلح مع انطلاقة فتح عام 1965 . وقد أشرنا لأهمية عقد المؤتمر العام لحركة فتح وإنهاء حالة الانفلاش داخلها كما أشرنا إلى أهمية مراجعة حماس لبرنامجها الفلسطيني بمحدداته الوطنية وضرورة وضع نظام داخلي علني وملزم يفتح الطريق أمام تطور تنظيمي يساهم في تصليب وضبط الوضع في حماس وينعكس إيجابا على مجمل الوضع الفلسطيني ، مما يؤدى تدريجياً إلى ضبط حالة الفلتان وانحسارها والولوج إلى ورشة الإصلاح بكل أبعادها الاجتماعية والسياسية ، وغير ذلك من عناوين طالما رفعنا عقيرتنا في نقدها والمطالبة ببحثها علناً ووضع الحلول الملائمة لها .
ومع انتهاء التوقيع على الاتفاق واشتعال الناس حماسة وفرحا به وإشادة بموقعيه ، كان لابد من الوقوف قليلا للنظر إلى الخلف ، ليس لمراجعة الخلاف وأسبابه ومراراته ، فهذا أمر يعيق أي تقدم بالاتجاه الصحيح ، بل لرؤية المسافة والزمن الذين أهدرناهما وكيفية التعويض عنهما بالعمل لإيجاد أفضل الظروف والأجواء لاستمرار المواجهة مع العدو وتمهيد التربة الفلسطينية لزرع من نوع جديد يوحد كل الطاقات ويبلورها ويحصنها لتكون قادرة على حمل المشروع مرة أخرى ، الأمر الذي لم تهتم به الحركتان المتنازعتان واللتان حصرتا اهتماميهما بتوزيع الحصص والعوائد ، كما الطقوس الاحتفالية المثيرة للشفقة ، والاجتهاد في تسويق الاتفاق بدل الاجتهاد في استكمال العمل لجمع الشمل الذي مزقته الحركتان بحماقة قيادتيهما ، والتباري في إضاعة الوقت والجهد ومعهما الدم الغالي وأرواح المناضلين الذين وبكل أسف كانوا يعتقدون أنهم على حق في مجابهة إخوتهم في الطرف الآخر ، الأمر الذي يجب أن يكون موضع مراجعة داخلية في كلتا الحركتين وبثقافة وطنية من نوع جديد ،لا تتحدث علنا على حرمة الدم الفلسطيني وتمارس في السر وأمام المحازبين والأنصار التحريض على القتل والثأر بذرائع مختلفة تصل أحياناً لتخوين الطرف الآخر جملة وتفصيلاً .
لقد أنجزت الحركتان اتفاقاً وطنياً صحيحاً باركناه جميعاً ، وعملنا من أجله جميعاً ، ولا يسع المرء إلا أن يثنى عليه ويجتهد لحمايته من أي عثرات ومن أي عبث قد يحلو للبعض من المتضررين منه أن يشوش عليه ، والسعي من أجل تحصينه ضد الضغوط الخارجية وعلى الأخص الأمريكية والإسرائيلية . ولكن هذا الثناء لا يلغى أهمية الحديث عن نواقصه وثغراته التي إن لم يتم معالجتها بالروية والحكمة ستؤدى إلى فشله لا سمح الله أو إلى تفريغه من مضمونه الكفاحي في أضعف  تقدير .
وقبل أن نتطرق إلى ما قصدناه بالثنائية الخاطئة في عنوان مقالنا لابد أن نتناول بشكل جريء وشفاف مواقف طرفي الصراع من موضوع السلطة والوحدة الوطنية والدعاية المعلنة منهما لتسويق وتسويغ شعاراتهما على هذا الصعيد ، ثم نرى إلى أي مدى التزمت الحركتان بما كانتا تعلناه ، لنصل في النتيجة إلى وجهة نظر ربما تكون أقرب للصواب في تحديد معالم الطريق الواجب رسمها لمستقبل نضال الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات والتي تمر في وسط تضاريس غاية في الوعورة ، وفى ظروف إقليمية ودولية صعبة ومعقدة .
إن واجبنا الوطني وما حملناه من قيم الوفاء لدماء الشهداء والصدق مع النفس يدعونا جميعاً لقول ما نراه في صالح شعبنا وقضيتنا ، ولا يفقدنا مصداقيتنا أويقلل من قيمة ما نقول ، انتقادنا للذين ابرموا اتفاقاً تاقت إليه الأمة كلها وليس الشعب الفلسطيني فقط ، وأن أفضل وقت لتقديم النصح كما النقد هو الآن وليس في الغد .
تحدثت حركة حماس عن الوحدة الوطنية بنبرة عالية ملقية باللوم على حركة فتح في تفردها بالقرار كما بالسلطة . وتحدثت عن رفضها لنتائج اتفاق أوسلو وافرازاته السياسية ، والأهم حديثها عن ضرورة مشاركة الجميع في حوار وطني شامل لا يستثنى أحد سواء في فصائل العمل الوطني الفلسطيني أو المستقلين ومؤسسات المجتمع المدني التي تناضل في مجرى العمل الوطني ولا يقل عملها عن عمل معظم الفصائل أهمية . وقد عابت حماس على حركة فتح اهتمامها بسلطة لا سيادة لها واعتبرتها ذات يوم رجساً من عمل الشيطان ، كما سخرت من الامتيازات التي تتيحها هذه السلطة باعتبارها سقط المتاع وأنه لا سلطة في ظل الاحتلال ولا امتيازات بل رشاوى رخيصة يقدمها هذا الاحتلال للحفاظ على أمنه، بل لمكافأة من يحفظ أمنه .
وفى نظرتها لمنظمة التحرير الفلسطينية فقد اعتبرتها لا تمثل الشعب الفلسطيني كونها اى حماس ليست ممثلة فيها وان هذه المنظمة تحتاج لإعادة بناء وتفعيل حتى يمكن لحماس الاعتراف بهذه المنظمة والتي تشترط حماس لذلك أن يتمثل بها الجميع وان تعود للالتزام بميثاقها الوطني أو القومي كما كان يسمى عند المصادقة عليه في أول دورة للمجلس الوطني الفلسطيني ، ولم تكن تتمثل في هذا المجلس لا حماس ولا فتح . وأخيراً فقد حرصت حماس على تقديم نفسها كقيادة أمينة لتحالفاتها الداخلية والخارجية والوفاء لكل اتفاقاتها على هذين الصعيدين ، فما الذي مارسته حماس بالتوقيع على الاتفاق وفى مجمل سلوكها السابق واللاحق للتوقيع ؟ ..... لقد قامت حماس بالتوقيع على اتفاق مغلق مع حركة فتح وبهذا تكون قد مارست التفرد الذي انتقدته في سلوك فتح حول الوحدة الوطنية وهو ما لم تفعله فتح طوال تاريخها ، بل كانت تحرص على تغطية هذا التفرد برداء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها بغض النظر عن حجمها . وهى أيضاً حرصت على أخذ حصة الأسد في الحكومة المسماة حكومة الوحدة الوطنية ،وشاركت فتح في اقتسام الغنائم وإلقاء الفتات لباقي حلفائها وأطراف العمل الوطني الأخرى ، وهو السلوك الذي كانت ترفضه سابقاً وترى فيه نقيصة ولا يمكن تفسير ذلك إلا على خلفية الامتيازات التي يتيحها الحصول على العدد الأكبر من الوزارات ، هذه الامتيازات المذمومة والمحرمة في ظل الاحتلال حسب تعبير حماس .
كما أن حماس ذهبت لمكة دون أن تجرى حواراً واسعاً مع كافة القوى الأخرى بخلاف فتح رغم اتفاقها مع هذه القوى وخصوصاً في دمشق على جملة من القضايا التي يجب أن توضع في أولويات اى اتفاق مع فتح وأنه لا انفراد بالبت في هذه القضايا ، ومن ضمنها الحكومة العتيدة ،والتي لا تغنى أبداً عن إعادة تشكيل المنظمة وتفعيلها، باعتبار أي حكومة تحت الاحتلال غير قادرة على استكمال مهمة التحرير وبناء الدولة وعودة اللاجئين ، وأن أي حاجز اسرائيلى قادر على تعطيل هذه الحكومة وعملها ، ناهيك عن اعتقالها إذا ما خالفت تعليمات السيد الأمريكي الصهيوني . والأغرب في سلوك حماس أنها لم تكتف بالتقاسم الوظيفي مع حركة فتح بل أيضاً عمدت لحصر موضوع المستقلين برضاها ورضي فتح مما أدى إلى تعطيل الإنجاز المتعلق باستقالة الوزارة وإعادة تكليف هنية بها، لكسب الوقت والتفرغ لما هو أهم لعدة أيام .
ولعل السجال المستهجن والعبثي حول احتساب الأخ زياد أبو عمر على فتح أو احتسابه مستقلاً يظهر إلى أي مدى كان حديث حماس عن زهدها بالسلطة بعيداً عن الحقيقة ، الأمر الذي يفقدها مصداقيتها التي اكتسبتها بالدم وبالشهداء وبرفض الاعتراف بالكيان الصهيوني والتمسك بالثوابت وليس بمكاسب آنية، هي وبدون أي لبس أو اجتهاد،  ثمرة أو إفراز سياسي لاوسلو .
إن تبرير ما تقدم لا يمكن تلخيصه بالتكليف الشرعي الذي اخترعته حماس لتشبثها بالسلطة والحرص على امتيازاتها ، ولا بالحرص على حفظ حقوق الشعب أو الثوابت الوطنية ، لأن هذا يستدعى التنسيق بل والمشاركة مع قوى تحمل ذات الحرص وأكثر ، الشيء الذي أدارت حماس ظهرها له دون أن يرف لها جفن . ولعل اشتراط حماس إبقاء تعييناتها الحكومية وقراراتها نافذة المفعول وغير قابلة للنقض يوضح ما قصدناه في هذا الإطار ، ومن المفيد للإخوة في حركة حماس كما ذكرنا آنفاً أن يقوموا بمراجعة ذاتية لاستظهار ما أبطنوه ووضعه في سياقه الصحيح بدون تردد أو خجل وتصحيح ما يلزم وخصوصاً إعادة الروح للمقاومة بكل أشكالها . واستعادة ثقة الحلفاء والناس بوضع كل الاتفاق في سياقه الصحيح لمواجهة الاحتلال.


فتح وحماس ... اتفاق صحيح وثنائية خاطئة.(ج2)

بقلم : زياد أبوشاويش

في استعراضنا الصريح لموقف حماس من الاتفاق، سابقه ولاحقه مع حركة فتح، حاولنا قدر الامكان التركيز على الجوهري من الملاحظات التي نرى أن الإخوة في حماس يجب أن يراجعوها داخلياً،  وبشفافية عالية مع حد عالي من تظهير المواقف القديمة للمقارنة مع واقع حركة سياسية  تعتمد على ثنائية ترهن لها الحركة كل مستقبلها ، وتغامر بخسارة حلفاءها المحليين بشكل عملي ، وفى ظل تصور مسبق بأنه يمكن أن يجرى ذات الاتفاق لتقاسم النفوذ حتى داخل منظمة التحرير الفلسطينية ، الأمر الذي سينهي كل الحقبة النضالية السابقة ليؤسس لمرحلة جديدة تعيدنا الى جوهر التناقض في الساحة الفلسطينية بين اليمين واليسار ، مع جملة من التناقضات والنتوءات في القلب والجسد الفلسطيني يطيل عمر الاحتلال ويشغلنا جميعاً عن جوهر التناقض مع العدو،  ويخلق جملة من الصعوبات في أفق مستقبل ضبابي أصلاً . 
وفى مطلق الأحوال فقد أشرنا الى إمكانية تعديل الموقف الحمساوى باتجاه تجليس الاندفاع الحاصل الآن بحيث تتمكن حماس من استعادة توازنها الكبير الذي جسدته عملاً في وسط الشعب، وبين فقرائه،  كما بأرواح أعز قادتها وخيرة مناضليها لتتبوأ مكانتها المرموقة التي أشرنا لها في القسم الأول من العرض .
وفيما يخص حركة فتح وموقفها من الاتفاق والتوقيع عليه في المملكة العربية السعودية وما سبق ولحق التوقيع ، فان ملاحظاتنا متعددة الأوجه، ونأمل أن يقوم الإخوة في الحركة الرائدة بمراجعة عميقة وجادة لكل السلوك الذي رسم صورة فتح المخالفة لتاريخها الكفاحي، ولاسمها الكبير الذي اكتسبته ليس فقط بدماء الشهداء من قادتها وكادراتها ومقاتليها بل وبجمعها الوطني لكل الاتجاهات في الساحة الداخلية وبين جماهير الشتات  بحيث أصبحت تلك البوتقة التي يعمل داخلها المتدين كما العلماني ، الشيوعي كما القومي العربي والبعثى وكل أطياف الشعب في مخيمات اللجوء كما في المدن ، بالإضافة لريادتها في مجال إطلاق الثورة المسلحة ، ومن هنا كانت فتح الاسم الكبير والجميل،  موضع استهجان وتندر الناس على حالها الذي تردى عبر سلسلة من الأخطاء، لا تبدأ من توقيع اتفاق أوسلو بدون أي ضمانة لحل عادل ونهائي ، وبدون معرفة الحدود التي يمكن أن تتوقف عندها الأطماع الصهيونية ، بل الأنكى عدم معرفة حجم التنازلات التي يمكن أن تقدمها الدولة اليهودية لقيادة شعب قدم أعظم التضحيات من أجل الحصول على حقوقه، وارتضت قيادته ب 22% من أرضه ومع ذلك ومع كل التنازلات والاعترافات بشرعية الوجود الصهيوني فوق أرضنا، لازالت هذه القيادة تحلم بأن العدو يمكن أن يعطى ذلك الحد الأدنى في ظل استمرار بناء الجدار العنصري ، والمستوطنات الكبيرة ، مما يشير بوضوح لعدم إدراك هذه القيادة لحدود التناقض الهائل مع هذا العدو مما يرتب أخطاء جديدة ومتكررة، لا يمكن تفسيرها الا بمثل هذا الجهل،  أو التجاهل لطبيعة العدو .
إن تعامل فتح مع الواقع الناتج عن أوسلو،  قد حولها الى نموذج مشوه لسلطة تفتقد الى كل مقومات السيادة،  الا في مجال الفساد والإفساد ، كما جعلها أسيرة لكل البروتوكولات المترتبة على أي حكومة ، وهو الالتزام الذي يجعل منها حارساً للحدود الإسرائيلية في  حدود الحكم الذاتي المنصوص عليه في الاتفاق، وكما  يعنى أن السلطة النهائية في كل أمر سيبقى حتى إنجاز المرحلة النهائية الغامضة في يد الدولة والحكومة المركزية ، وهى هنا "إسرائيل" .
وليس من باب الشفقة أو الحرص على نجاح سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية أن تقوم الدول الأوروبية وأمريكا وبتسهيل اسرائيلى ملفت بتمويل كل التعيينات التي جرت لتوسيع كادر هذه السلطة وموظفيها لتصل الى الحجم الحالي بما في ذلك قوات الأمن بكل أصنافها ودوائرها ، الأمر الذي جعل هذه السلطة أسيرة  هذا العبء المالي الكبير، و مع بقاء الضرائب على البضائع التي تدخل حدود السلطة الفلسطينية في يد إسرائيل، وتحت سيطرتها .
إن إدراك الشهيد القائد ياسر عرفات لحدود الخدعة التي تمارسها إسرائيل، وفى ظل استيطان كثيف، تجاوز بعد التوقيع كل النسب السابقة عليه ، جعله يجرى حسبة جديدة أنتجت كتائب شهداء الأقصى والعمليات النوعية التي قامت بها فتح ضد القوات الصهيونية  والمستوطنين الصهاينة ، بل انه شجع ومول نشاطات انتفاضة الأقصى وغيرها من الأنشطة تحت ذرائع ومسوغات لم تنجح في إبقائه حراً على رأس السلطة ، وفتحت عليه مدبرة دولية مع حصار شل حركته، وانتهى باغتياله وإبعاده عن الواجهة التي لم ينجح فيها فرض تعيين رئيس وزراء عليه قبل ذلك بسنوات...إن استعراض ما سبق لا يدخل مباشرة تحت عنوان النقد الذي نرغبه فيما يتصل بالاتفاق مع حماس لكنه حتماً يمهد له ويجعله أكثر وضوحاً وربما يجعل الإخوة في فتح يلتفتون بشكل جدي الى تاريخهم الكبير ومعه إخفاقهم الكبير في تقدير حجم الخسائر التي لحقت بهم جراء استفرادهم بالقرار والتصرف على أساس وجود  قيادة مؤتمنة على الحق الفلسطيني ، وأن هذا يكفى لبقاء ولاء الناس لها،  ويشرع لها أن تتصرف بالخفة التي تصرفت بها ، قبل وبعد نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية ، والتي أفقدتهم ليس فقط السلطة بل صوابهم وأخرجتهم عن الطريق الصحيح المؤدى لنيل الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية ، في تناقض واضح وفج مع كل تاريخ الحركة . وبدل أن تقف "فتح" لتعالج الخلل وتحاسب الفاسدين والمفسدين وتقرأ النتيجة بطريقة صحيحة ،عمدت الى فتح المواجهة مع حماس ، لنصبح في تناقض جديد داخل الساحة الفلسطينية بين طرفين مفترض أنهما يشكلان جبهة المواجهة الرئيسية مع التناقض الرئيسي ، الذي ما لبث أن أصبح ثانوياً، بل وصلت الوقاحة بزعماء العدو للحديث عن تحالف مع الحركة الرائدة في مواجهة أشقاءها كما لو لم يكونوا أصحاب النكبة الواحدة والهم الوطني الواحد . ولو راجعت الحركة نتائج تحركها السياسي السابق للانتخابات وعملية اغتيال الرئيس عرفات بشكل صحيح وعميق لسارعت بمد يدها لحماس،  لمساعدتها على حمل العبء، والتخلص من كل تبعات أوسلو وافرازاته التي لم يكن قضم أراضي القدس والضفة أسوأها ، ولوفرت على الشعب الفلسطيني الوقت والجهد والمال والدم، والأرواح البريئة التي أزهقت في اقتتال عبثي لا مبرر له ولا هدف . وقد طالبنا في حينه الإخوة في حركة فتح أن يشاركوا حماس في الحكومة حتى لو كان ذلك يعنى أن تكون الحركة(أي فتح) ساتر ترابي تقصف من خلفه حركة حماس على إسرائيل ، ليس لأن هذا واجبها الوطني فحسب ، بل لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يؤدي الى إلزام إسرائيل باحترام اتفاقياتها المبرمة مع فتح ، وقيادة منظمة التحرير المتنفذة بسيطرتها الفتحاوية . كما أن هذا هو الذي يمهد لمشاركة كل قوى الشعب الفلسطيني في معركة المواجهة المؤكدة مع العدو،  وتحمل أعبائها الثقيلة ، وهى المعركة التي كان يراها الراحل الكبير حتمية .
إن موافقة قيادة فتح ممثلة برئيس السلطة الفلسطينية لعمل انتخابات تشريعية والالتزام بالطلب الامريكى على هذا الصعيد ، والسعي لدى إسرائيل للسماح بدخول حماس للانتخابات في أماكن السيطرة الصهيونية بما في ذلك القدس،  لم يستهدف بكل أسف المشاركة الوطنية في تحمل أعباء النضال وتضحياته ومستلزماته بكل صورها،  بقدر ما استهدف جر حماس الى مستنقع أوسلو السياسي ، وهو ما ترتب عنه فعلاً وجود حماس على رأس سلطة وهمية جعلتها عبئاً على حرية الحركة السياسية لقيادة المنظمة ورئيسها،  وألزمتها بتهدئة طويلة الأمد أفقدت النضال الوطني الفلسطيني أهم ركائزه المؤثرة في دفع المشروع الوطني الفلسطيني للأمام وباتجاه النجاح ، كما أصبحت عبئاً على المواطن الفقير وموظفي السلطة مدنيين وعسكريين والذين أصبحوا وأسرهم رهائن للمخصص،  الذي توقف مع تولى حماس هذه السلطة وحيدة ، وبإغواء انتقل لها بالعدوى من فتح للتفرد ، ومكابرة دفعتها لها قيادة فتح بأنها قادرة بمفردها على حمل كل العبء الناجم عن تشكيل حكومة بشكل منفرد وبدون أي شريك .
إن قيادة فتح يجب أن تقر بكل ما ارتكبته من أخطاء قصدية أو عن غير قصد بما فيها الاستفزازات الغير مقبولة من بعض قادتها لاستدراج حماس لمستنقع دم، نجحت فيه للأسف ، وهو ما يجعل من هذه المراجعة أمراً ضرورياً للغاية ، وفى هذا الإطار فقد كان حان الوقت لتفعيل المحكمة الحركية بشكل صحيح وشجاع،  ووضع كل الحقائق والمعلومات أمام هذه المحكمة ، للبت فيها ومحاسبة المقصرين والمنحرفين وكل من ساهم في تأجيج الصراع مع حماس، بغض النظر عن مواقع هؤلاء ونفوذهم في الحركة،  وبدون ذلك لن تتمكن فتح لا باتفاقها مع حماس ولا بغيره أن تستعيد مكانتها المجروحة بين أبناء شعبنا الفلسطيني الذي يدين بكل شرائحه وقواه كل فتنة وكل تحريض يمارسه أي طرف من الطرفين وأي اسم مهما كان نافذاً.
وبتوقيع الاتفاق المهم والضروري ومع كل تأييدنا له وسعينا لتثبيته وحمايته ، فان على حركة فتح التوقف عن استغلال الشعور العام بالفرح، والاحتضان الجماهيري للاتفاق باتجاه الاستفراد مرة أخرى بالقرار ، حتى لو كان ذلك بغطاء من حركة حماس، وأن تجربتها الفاشلة والخاطئة في التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، باعتبارها مجرد أداة أو رداء لستر هذا التفرد وتشريع كل الأخطاء ،يجب أن ينتهي وتعود فتح لممارسة دور توحيدي حقيقي لأنها تعلم حجم التحديات وخطورتها ، كما التعقيدات التي تتسم بها المرحلة الراهنة وضبابية القادم ووعورته ، ولهذا كله يصبح توحيد كل الناس في إطار المنظمة والمشاركة في القرار السياسي ، شرطاً لا غنى عنه لتحقيق النصر ، أو بالحد الأدنى ، المحافظة على مستوى من المجابهة مع العدو،  يديم هذا  الصراع حتى تحقيق الأهداف المرحلية للشعب الفلسطيني .
إن خبرة حركة فتح في الإدارة والسلطة كما المقاومة ، وقدرتها على ممارسة التكتيك يجب أن لا تسخرها لخدمة مصالحها الفئوية الضيقة كما يحدث الآن ، بل لخدمة جمع الصف من أجل استيعاب الجميع ، كما احترام الآخرين وسماع وجهة نظرهم ، أم أن حركة فتح نسيت تاريخها وشراكة الدم والتشرد مع هؤلاء ؟ ومنهم من كان معها في كل معاركها ، ومنهم من سبقها في ذلك ، وهل تحتاج فتح لمن ينبهها لخطئها الراهن،  والذي تكرر به ذات الخطأ بتعاملها المستخف مع حماس بعد نجاحها المفاجىء في الانتخابات ؟ وهل انتهى شعار شركاء في الدم والتضحية، شركاء في القرار؟ وهو كما تلاحظون يختلف عن شعار" شركاء في المغارم،، شركاء في المغانم "... ومن سيوحد كل الناس إن لم تكن حركة فتح صاحبة الخبرة والتاريخ ؟
يتبع ..........

 
 
 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home