القلم النقدي

 

قراءة نقدية تطبيقية لقصيدة لأحمد مطر

فؤاد ابو عمرو



ا لمنهج الجمالي- قراءة نقدية تطبيقية لقصيدة الشاعر /أحمد مطر (على باب القيامة
)وبعض ل افتاته
بقلم فؤاد ابو عمرو/ فلسطين


مشهد من قصيدة ( على باب القيامة )
للشاعر أحمد مطر

بَكـى مِـن قَهْـريَ القَهـرُ
وأشـفَقَ مِـن فَمـي المُـرُّ
وَسـالَ الجَمْـرُ في نَفْسـي
فأحـرَقَ نَ فسَـهُ الجَمـرُ
بِكُـلِّ خَلِيَّـةٍ مِنّـي
لأهـلِ الجَـوْرِ مَحـرقَةٌ
تُزمجـرُ : مِن هُنا مَـرّوا
وإنّي صابِرٌ دَومـاً على بَلوايَ
لَمْ تَطـرُقْ فَمـي شـكوايَ
لَو لَمْ يَسـتـَقِلْ مِن صَبْـريَ الصَّبْـرُ
وَلَستُ ألومُـهُ أبَـداً
فَـرُبَّ خِيـانَ ةٍ عُـذرُ
أَيُسـلِمُ ذَقْـنَ حِكمَتِـهِ
لِكَـيْ يَلهـو بِها غِـرُّ
أَيأمُـلُ في جَ نَى بَـذْرٍ
تُرابُ حُقولِهِ صَخْـرُ ؟
أُعيذُ الصَّبـرَ أن يُبلي
ذُبـالَةَ قَلبـهِ مِثلي
لِلَيْـلٍ مالَـهُ فَجْـرُ

***
أُشـاغِلُ قَسْـوَةَ الآلا
لا ضَيْ ـرُ
سَتصحو أُمَّتـي يَومـاً
وَعُمْـري دُونَ صَحْوَتِهـا هُـوَ النَّـذْرُ
فَتَ ضحكُ دَورةُ الأيّـامِ
كَـمْ دَهْـراً سَـيَبلُغُ عِنـدَكَ العُمْـرُ ؟
أدِرْ عََيْنَيك َ
هَـل في مَن تَـرى بَشَـرٌ ؟
وَهَـلْ في ما تَرى بِشْـرُ ؟
بِلادُكَ هـذهِ أطمـارُ شَحّـاذٍ
تُؤلّفُها رِقـاعٌ ما لَها حَصْـرُ
تَوَلَّـتْ أمـرَها إِبَـرٌ
تَدورُ بِكَـفِّ رَقّاعٍ
يَدورُ بأمـرِهِ الأمـرُ
وما مِن رُقعَـةٍ إلاّ وَتَـزعُمُ أنَّهـا قُطْـرُ
وفيها الشّـعبُ مَطـروحٌ على رُتَبٍ
بِلا سَـبَبٍ
ومَقسـومٌ إلى شُـعَب ٍ
لِيَضـرِبَ عَمْـرَها زَيـدٌ
وَيَضـرِبَ زَيْـدَها عَمْـرو
مَلايينٌ مِـنَ ال أصفـارِ
يَغـرَقُ وَسْـطَها البَحْـرُ
وَحاصِـلُ جَمْعِهـا : صِفْـر
ألوذُ بِص َـدْرِ أبياتي
وأُطمِعُها وأُطمِعُني
بأنَّ أَتِـيَّها الآتـي
سَـيَهدِمُ ما بَنـى المَكـرُ
فَيَثـأرَ بائِـسٌ ويَثـورَ مُعْتَـرُّ
وَأنَّ سـماءها لا بُـدَّ أن تبك ي
لِيَضـحَكَ للثَّـرى ثَغْـرُ
تَقولُ : اصبِـرْ على المَـوتى
إلى أن يَبـدأَ الحَشْ ـرُ
فلا عِنـدي عَصـا موسـى
وِلا في طَـوْعِـيَ السِّـحْرُ
سَـماؤكَ كُلُّهـا أط باقُ أسْـمَنْتٍ
فلا رَعْـدٌ ولا بَـرقٌ ولا قَطْـرُ
وَأرضُـكَ كُلُّهـا أطباقُ أس ْـفَلْتٍ
فلا شَـجَرٌ ولامـاءٌ ولا طَيـرُ
فَماذا يَصنَعُ الشِّـعـرُ ؟
ـــــــــــــــ
أحمد مطر .. شاعر بدأ اسمه يلمع منذ سنوات قليلة، وأصبح اليوم واحدمن أبرز
الشعراء العرب المعاصرين، رغم أن صوته الشعري لم يصل إلى الأقطار العربية حتى
ا لآن، وذلك لأنه يعيش مغترباً منذ بداية حياته الأدبية، وهو الآن يعيش في لندن،
ويعمل محرراً ثقافياً للطبعة الدولية من جريدة " القبس " الكويتية، قصائده حادة
وغاضبة، والمشاعر العنيفة ليست بحاجة إلى إنسان صاخب شديد الصراخ لكي يعبر
عنها، فعواصف الفكر والفن مكانها القلوب والعقول، وليس مكانها تشنجات في الصوت
أو في اليد والوجه كما يفعل بعض الأدعياء. الاسم الذي يوقع به ال شاعر ( أحمد
مطر ) ليس اسماً حقيقياً وإنما هو اسم مستعار،قال:كتبوا أنني كويتي، ولبناني،
وفلسطيني، ومصري، وسوري، وسعودي، وعراقي.. هو الصحيح، من حيث بطاقة الهوية
وشهادة الجنسية، أما إذا شئتم الدقة حقاً ، فأنا جميع هؤلاء يضاف إليهم العرب
الآخرون.وأحمد مطر في هذه الأبي ات يذكرنا بأعظم شاعر سياسي في الأدب العربي،
وهو أبو الطيب المتنبي، الذي عاش حياته متنقلاً مغترباً ومات قتيلاً، لإصراره
على أن الشاعر ينبغي أن يكون مكانه مساوياً لمكان السياسيين و أصحاب السلطة،
وفي ذلك يقول المتنبي بيته الشهير :( وفؤادي من الملوكِ وإنْ .... كان لساني
يُرى من الشعراء).فالفكرة التي يحملها أحمد مطر في قلبه، هي نفسها فكرة
المتنبي، وهذه الفكرة هي أن الك لمة ترفع صاحبها إن كان موهوباً إلى مصاف الحكام
وأصحاب السلطة والقرار، والكلمة ترفع صاحبها أكثر وأكثر، إذا كان ينطق بالحق
ويقول الصدق ويرعى أمانة الضمير.. ندعو الله أن يحفظ أحمد مطر هذا شاعر لا
يرتدي السموكن. لا يسكن القصور ولا يرتادها. لا يستلهم الوحي من تعاطي عق اقير
الهلوسة أو كؤوس المنكر. لايملك رصيداً في البنوك، لكنه من أصحاب الملايين في
بورصة ا لكلمة .. لايهوى السياحة والتنقل في مقاعد
الدرجة الأولى، ولا يسافر إلاّ إذا كان مرغماً على ال تسفير، ولا يرحل إلا إذا
كان مجبراً على الرحيل. ومع ذلك فهو يرحل كل يوم إلى كل الضمائر ويسافر إلى كل
القلوب بجواز سفر اسمه " لافتات" ، أصدرته دولة اسمها الشعر، وختمته بخاتم اسمه
الموهبة.وكأن اللغة العربية في أحدث تجلياتها قد تحولت إلى رحيق مصفى انتقاه
الشاعر أحمد مطر من مختلف الزهور والرياحين كالنحلة ، ومثل رسام عاشق يغمس
ريشته في إناء الألوان ، ليشكل لو حات ملونة بألوان الأخضر والأبيض والأصفر
والأسود ليشكل دلالات مغايرة لكن لا يكتنفهاغمو ض.

وكل شاعر سياسي لابد أن تكون له قضية واضحة محددة، فهذه القضية لو كانت غامضة
ومع قدة، فإنها تفقد أهميتها وقيمتها وقدرتها على التأثير، كما أن الشاعر ينتقل
بالتعقيد والغموض إلى (متصوف) أو إلى (فيلسوف) أو أي شيء آخر غير أن يكون
شاعراً سياسياً له جماهير كبيرة تتأثر به وتنصت إليه، وكل الشعر السياسي في
الأدب العربي والأدب العالمي ، هو شعر القضايا الواضحة ال محددة .
وفيها الشّـعبُ مَطـروحٌ على رُتَبٍ
بِلا سَـبَبٍ
ومَقسـومٌ إلى شُـعَب ٍ
لِيَضـرِبَ عَمْـرَها زَيـدٌ
وَيَضـرِبَ زَيْـدَها عَمْـرو
مَلايينٌ مِـنَ ال أصفـارِ
حيث لا يجد القارىء - مع هذا الشعر - صعوبة في فهم القضية أو التعرف على
ملامحها المختلفة، وذلك ما نجده في شعرائنا في فلسطين. فما هي قضية أحمد مطـر
؟قضيته تلخصها كلمة واحدة (الحرية) .. حرية الإنسان في أن يقول ما يؤمن به،
ويعلن ما يراه، دون قيد أو خوف .. وإذا أردنا أن نستخدم المصطلحات السياسية
فإننا نقول إن قضية الشاعر هنا هي ( التعبير الحر وحقوق الإنسان) هذه القضية
الرئيسية هي مصدر الإنفجار الشعري عند أحمد مطر .. فلن يكون هناك مجتمع عربي
سليم إلا إذا تحققت حرية الإنسان، ولن نتخلص من قيود التخلف والاستعمار بأشكاله
المختلفة، ولن نقضي على مرارة الهزائم التي تلاحقنا من ميدان إلى ميدان ومن عصر
إلى عصر إلا إذا تحققت هذه الحرية ، فلا يحس في عقله وقلبه بأن هناك من يهدده
أو يخيفه أو يتوعده بأن يدفع ثمن حريته .. والقصيدة كما هو و اضح تصور " جواً
مأساوياً " ويكفي أن نلتفت إلى " قاموسها اللغوي " لنجد الشاعر يعيش في صراع
حاد بين إصراره العميق على أن يكون مستقلاً يعبر عن نفسه بحرية وصـدق ومواجهة
مجموع ال إحباطات الكثيرة والكبيرة التي أفرزتها الأنظمة ، وبإيمانه بدور الشعر
ورسالته في التغيير نشعر به يائساً من دور الكلمة في زمن الأرض كلها أطباق
أسفلت .
فلا رَعْـدٌ ولا بَـرقٌ ولا قَطْـرُ
وَأرضُـكَ كُلُّهـا أطباقُ أسْـفَلْتٍ
فلا شَـجَرٌ ولامـاءٌ ولا طَي ـرُ
فَماذا يَصنَعُ الشِّـعـرُ ؟

يعيش الشاعر في صراع بين هذه الرغبة العميقة في داخله وبين ما يمكن أن نسميه
باسم " أدب الدعاية" الذي يتحول فيه الفنان إلى أداة يستخدمها الآخرون
ويوجهونها، الصراع بين " الأدب الصادق " و "الدعاية " .. هو مشكلة حقيقية يعاني
منها الفن ال عربي المعاصر أشد المعاناة، وهي معاناة ظاهرة يحس بها الجميع .
تَوَلَّـتْ أمـرَها إِبَ ـرٌ
تَدورُ بِكَـفِّ رَقّاعٍ
يَدورُ بأمـرِهِ الأمـرُ
وما مِن رُقعَـةٍ إلاّ وَت َـزعُمُ أنَّهـا قُطْـرُ
وليس أحمد مطر في شعره الغاضب المتألم إلا ثمرة حية من ثمار هذه ال معاناة.
إن الفن العظيم يرفع صاحبه إلى مستوى القيادة، ومن هنا فإن الفنان الحقيقي لا
يمكن أن يكون تابعاً على الإطلاق، لأن حالة التبعية هذه تتناقض جوهرياً مع روح
الفن .. والفن العظيم ال مؤثر لا يولد إلا إذا كان الفنان حراً، وكانت حريته هذه
عميقة في داخله، بحيث لا يشعر أن أحداً ي فرض عليه شيئاً أو يخيفه أو يؤذيه،
فلحظة الإبداع الفني هي نفسها لحظة الحرية في داخل
الفنان .. وإذا عجزت المجتمعات أو النظم السياسية عن فهم هذه الحقيقة فإن الفن
يتدهور وينهار ويضيق أمامه الأفق إلى أبعد الحدود.
فالشاعر السياسي، إلى جانب قضيته الأساسية، لابد أن تكون له صلة قوية مع
جمهور من الناس يخاطبهم ويكتب لهم حتى وإن لم يجد حلولاً. بينما نجد الشاعر
الذي تشغله أمور الفكر أو الفلسفة أو الحالات النفسية المعقدة، لا يعبأ كثيراً
بالجمهور الكبير، وقد لا يحزنه أو يؤذيه أن يرى جمهور شعره قليلاً محدوداً، بل
ربما وجد في الجمهور المحدود ميزة وقيمة .. فهو شاعر صفوة " ونخبة وأقلية ذات
فكر رفيع وثقافة عالية .لذلك لم يكن يعنيه أو يؤلمه أن تكون دائ رة قرائه محدودة
وضيقة .. يستمع إليه الآلاف من الناس ويتجاوبون معه ومع قصائده بحرارة
ويشاركونه تجربته وانفعالاته، ومن هنا كانت علاقة الشاعر السياسي بجمهوره
الكبير ال واسع أمراً يفرض عليه العناية الشديدة بما أشرنا إليه من الوضوح، فلا
يمكن مخاطبة الآلاف من ا لبشر عن طريق الصور الغامضة والأفكار المعقدة والخيال
الجامح.
بَكـى مِـن قَهْـريَ الق َهـرُ
وأشـفَقَ مِـن فَمـي المُـرُّ
وَسـالَ الجَمْـرُ في نَفْسـي
فأحـرَقَ نَفسَ ـهُ الجَمـرُ
ومن ناحية أخرى فلا بد للشاعر السياسي مادام يضع في حسابه الجمهور الكبير
و ضرورة مخاطبته والتأثير عليه أن يستخدم " موسيقى شعرية " ظاهرة، لأن الإيقاع
الحاد هو عنصر أساسي من عناصر التأثير في الشعر السياسي ذي الجمهور الواسع
العريض . وهذه الملامح كلها مت وافرة في شخصية أحمد مطر الشعرية . فبالإضافة
إلى وضوح شعره فإنه يتميز بالموسيقى الحادة ال قوية والاهتمام بالقافية القاطعة
العنيفة .. إن أحمد مطر لا يلقي شعره في الميادين العامة، ولكنه يفعل شيئاً
مشابهاً. فكل أشعاره منشورة في الصفحة الأولى من جريدة صباحية يومية جنباً إلى
جنب مع المقال السياسي وافتتاحية الجريدة وهذه القصيدة نموذج آخر من شعر أحمد
مطر، يكشف ل نا أهم ملامح شعره من الناحية الفنبة والجمالية إلى جانب النماذج
الأخرى.
ما في هذا الشعر من وضوح وسلاسـة وسهولة وتركيز وموسيقى حادة ظاهرة، فالقصيدة
هنا واضحة، قصيرة، وشديدة الترك يز .. موسيقاها يسيطر عليها الإيقاع العنيف
والقافية الحادة، وهذه الخصائص كلها تسهل لهذا ال شعر الانتشار حتى لو تعرض
للمصادرة.
وإنّي صابِرٌ دَومـاً على بَلوايَ
لَمْ تَط ـرُقْ فَمـي شـكوايَ
لَو لَمْ يَسـتـَقِلْ مِن صَبْـريَ الصَّبْـرُ
وَلَستُ ألومُـهُ أبَـداً

فمن السهل حفظ هذه القصيدة ونقلها من مكان إلى مكان عن طريق الرواية الشفوية.
لتقي بعد ذلك بعنصر آخر هام في شعر أحمد مطر، ذلك هو العنصر الذي يجمع بين
السخرية التي تشبه ما نسميه بالكوميديا السوداء، وبين الإدهاش ومفاجأة القارىء
بالصور التي تصدمه فتوقظ عقله ووجدانه، وهو يعتمد في ذلك كله على كشف التناقض
بين ما هو واقع وبين ما هو قائم في النفس وا لعقل.
أَيُسـلِمُ ذَقْـنَ حِكمَتِـهِ
لِكَـيْ يَلهـو بِها غِـرُّ
أَيأمُـلُ في جَنَى بَ ـذْرٍ
تُرابُ حُقولِهِ صَخْـرُ
إن أحمد مطر شاعر جديد يلفت الأنظارَ حقـاً، وهو مليء بال غضب الساطع الصادق
ضد ما يعانيه الإنسان العربي من قهر وتفتت وانقسام وظروف قاسية، فأحمد مطر هو
ثمرة الوضع الذي جاع فيه العربي وأوشك أن يأكل لحم أخيه ميتاً، وهو ثمرة هذا
العصر الذي يموت فيه الآلاف من العرب - بسبب الجفاف - بحثاً عن قطرة ماء يشربها
الظمآن ، وطلباً لق طعة خبز يأكلها الجائع أو في السحون.
وما مِن رُقعَـةٍ إلاّ وَتَـزعُمُ أنَّهـا قُطْ ـرُ
وفيها الشّـعبُ مَطـروحٌ على رُتَبٍ
بِلا سَـبَبٍ
ومَقسـومٌ إلى شُـعَب ٍ

إنه شاعر مأساة حقيقية .. وهو يصرخ بشعره في البرية .. طلباً للكرامة والحرية
والو حدة .. ولعل شعره الصادق الصارخ يكون إنذاراً بوضع حد للمأساة التي يعيشها
الإنسان العرب ي.
أدِرْ عََيْنَيكَ
هَـل في مَن تَـرى بَشَـرٌ ؟
وَهَـلْ في ما تَرى بِشْـرُ ؟
بِل ادُكَ هـذهِ أطمـارُ شَحّـاذٍ
تُؤلّفُها رِقـاعٌ ما لَها حَصْـرُ

وبعد .. فإن ديو ان لافتات لأحمد مطر لم يدخل سوى عاصمتين عربيتين فقط من بين
اثنتين وعشرين عاصمة، فقد طبعته ال كويت وسمحت له القاهرة بالدخول .. ويوم أن
يتاح لمثل هذا الشعر أن يدخل كل العواصم العربية فسوف يكون ذلك إشارة إلى أن
عصراً عربياً جديداً قد بدأ.
سَتصحو أُمَّتـي يَومـاً
وَعُمْ ـري دُونَ صَحْوَتِهـا هُـوَ النَّـذْرُ
فَتَضحكُ دَورةُ الأيّـامِ

الإيجاز وال سهولة والموقف المحدد والحاد، والهدف التحريضي رداؤها
الفني.قصيدته ذات المقاطع ديواناً صغي راً. كما أنه في جميع قصائده يمارس
الاختزال، مما يجعل هذا صفة شبه ثابتة، لا عملاً يجيء بال صدفة، فلديه قصائد
كثيرة لا تستغرق الواحدة منها أكثر من تسع أو عشر كلمات.يكتب على سجيته من
خلال مخزون كلي، فيستعرض شر بليتنا، وشر البلية ما يضحك أحياناً، لكنه ضحك مر،
لأن النكتة مرة سوداء، فهو ضحك من شدة البكاء.
ولعل هذه الصفة قد عبرت إلى شعره بطريق موهبة أخرى، هي الرسم ال كاريكاتيري،أو
أثر القصة القصيرة في قصيدته.( لافتة عباس )
عباس وراء المتراس،
يقظ منتبه حساس،
منذ سنين الفتح يلمع سيفه،
ويلمع شاربه أيضا، منتظرا محتضنا دفه،
بلع ال سارق ضفة،
قلب عباس القرطاس،
ضرب الأخماس بأسداس،

الناقد الذي قال قديماً إن " أعذب الشعر أكذبه " لم يكن يقصد بالطبع جانبه
الأخلاقي أو الوطني أو المبدئي إطلاقاً، إنما قصد الجانب الفني الجمالي في
الشعر، وهو بهذا لم يخطىء ، فكثير من موارد البلاغة هو كذب جميل، لكنه كذب
وظيفته إيصال الحقائق بصور مدهشة وعذبة، لأن الحقائق مهما سمت، لا تصنع شعراً.
أما إذا غدت تلك العبارة النقدية ذات النية الحسنة، عباءة فضفاضة يتلفع بها كل
مدلس و منافق ومتملق ومرتزق، فينبغي أن نصرخ ملء أفواهنا أن " أعذب الشعر أصدقه
" لأن وصف حاكم ظالم بأنه عادل، أو وصف حكومة جائرة بأنها منصفة، وفق كل أساليب
البلاغة الجميلة، هو أمر لاصلة له بالعذوبة. وذلك ما
يحملنا على احتقار جماليات مثل تلك القصائد بسبب قباحات مواضيعها.
فك ما أن الصدق وحده بغير جمال ، لا يكفي لصناعة شعر جيد، كذلك لا يكفي الجمال
وحده دون صدق، لصناعة شعر جيد. وربما يكون انحيازنا للصدق القبيح مسوغاً أكثر
من انحيازنا للجمال الكاذب.

ال شاعر ضمير الأمة والبوصلة الدقيقة الحساسة التي تشير إلى حقيقة الاتجاهات،
مهما اختلفت ال فصول وتغيرت الأنواء، ولا قانون يحكمه أصلاً إلا ما يحكم حركة
مؤشر البوصلة من قوانين. والقص يدة الملتزمة سياسياً وفق هذا المفهوم، تجد
جمهورها دائماً ..
الجمهور العام لا ال خاص.
بأنَّ أَتِـيَّها الآتـي
سَـيَهدِمُ ما بَنـى المَكـرُ
فَيَثـأرَ بائِـسٌ ويَ ثـورَ مُعْتَـرُّ
قصائده هي نصائح للأمة لو كانت تدرك النصيحة. لكن مكافأته عليها النفي
والمطاردة .
غايته الكبرى هي أن يهزمنا بعنف لا أن يطربنا .. يركز على البحور الصافية؛لأنها
ذات تفعيلة واحدة يمكن تكرارها بيسرإن الكتابة بلغة الناس في ساحة طافحة بآلاف
ال مصابين بالإلتهاب اللغوي مثل الأرض الخصبة الحبلى ببذور النماء،تعط غيثاً ..
و سنبلة لا تنحني إذا لم تكن مثقلة ببذور الثورة.
إن النعل العتيق يبدو أجمل من الوردة، عندما يصفع وجه الطاغية الجبار. جمال
المفردة لا تحمله المفردة.. جمالها يقرره موضعها في سياق الجملة. وقصائده
الط يبة لا تطلب أطنانامن المساحيق. إنها لا تتكلف . وجهها الطبيعي، على بساطته،
أجمل. شيءًَ آخر له مفعول السحر، ما إن يمس الكلمة حتى يذوب الجمال على قدميه
غراماً. هذا الشيء " الصدق " في شعره، و هو شيء من دونه ..يصبح الجمال قبيحاً.
بِكُـلِّ خَلِيَّـةٍ مِنّـي
لأهـلِ الجَـوْرِ مَحـرقَ ةٌ
تُزمجـرُ : مِن هُنا مَـرّوا


أبرزت قصيدته محنة المثقف الملتزم بقضيتة الو طنية وبغربته، متروك على هامش
الكفاح فلا يملك إلا الكلمة والحب والوجدان يتشبث بها ويلوذ إلي ها وينتمي
إليها:
ألوذُ بِصَـدْرِ أبياتي
وأُطمِعُها وأُطمِعُني
بأنَّ أَتِـيّ َها الآتـي
وتبقى صور الأقدمين ناجزة في شعره مع شيء من المعاصرة بانتمائه لأصحاب
الكل مةواعتزازه بشعره .
الشاعر لا حول له ولا قوة مجرد من السلاح ينتظر الطوفان والثو رة!
فلا عِنـدي عَصـا موسـى
وِلا في طَـوْعِـيَ السِّـحْرُ
والشاعر باستمرارفي حالة قلق وترقب وحيرة إلى نهاية القصيدة في هذه القصيدة
توظيف لمفرداته وجمله من نبع التراث. فنراه عودا على بدء يستعمل مأثورة الثقافي
إذا كنا في كلامنا العادي نريد إيصال فكرة معينة دون أن نقصد إحداث تأثير ما
فإن الصورة الشعرية على عكس ذلك طريقة في الكلام سعى الشاعر من خلالها للتعبير
عن الأفكار والانفعالات عن طريق الإيحاء بقصد التأثير وبرمزية دالة .
بلادك ه ذه أطمار شحاذ
تؤلفها رقاع ما لها حصر
تولت أمرها إبر
تدور بكف رق اع


وقد تم توظيف عنصر المكان بشكل بارز عبر النص ، والاهتمام بهذا العنصر برز من
خلال مختلف زوايا الوصف.ينقسم المكان في النصوص الى نوعين، فضاء واسع ومفردات
مكانية جزئية داخل الفضاء الواسع.قد يكون للمكان دلالة بعينها داخل نص ما،
تختلف عن دلالته عبر سائر النصوص الشعرية. والشاعر خارج الوطن ولكنه في مكان
منه قريب يراه ولا يستطيع دخوله من ظلم الحك ام وقهرهم.
سَـماؤكَ كُلُّهـا أطباقُ أسْـمَنْتٍ
فلا رَعْـدٌ ولا بَـرقٌ ولا قَطْ ـرُ
وَأرضُـكَ كُلُّهـا أطباقُ أسْـفَلْتٍ
فلا شَـجَرٌ ولامـاءٌ ولا طَي ـرُ

للدلالة على ما يعانيه الشعب العربي من خوف النظم الحاكمة المستبدة ، نجد هذا
الحس السياسي المرهف في قصيدتة معبرأً عن الواقع التعس الكئيب بيسر ووضوح.
صوّر ذاته أيضا يتق لب بين السؤال والجواب دونما مرفأ ودونما جواب أحيانا.ً
الشعر إذن لا يعنى بـ "دلالة المطاب قة" لأن المدلول الأول للكلمة الاستعارية
مثلا لا يمكنه تحقيق ذلك لأنه انزياح من اللغة، وتبقى "الدلالة الإيمائية" ظل
الإيقاع منذ زمن بعيد يشكل سمة من السمات التي نقوى بواسطتها على إدراج نص معين
في خانة الشعر وفصله عن النثر. فالعرب أول ما بدأوا بالإنشاد لم يغيبوا الجانب
الموسيقي إذ اهتموا به في إنشاداتهم بغية تحقيق التخفيف من عبء العمل ومشاق
الرحلة وسط الصحراء. ولعل هذه السمة التي تميز الشعر ظلت ملازمة له إلى يومنا
هذا .
من هنا تأتي أهمية الإيقاع الداخلي الذي يتحقق انطلاقا من عناصر أخرى مختلفة،
إذا كان الإيقاع صفة ملازمة لكل عمل شعري، إذ لا يستطيع الشعر أن يقدم نفسه دون
ايقاعية لها ثوابتها، فإن الايقاع يتبع مبدئيا حر كة القصيدة، يتشكل بوصفه أحد
عناصرها الداخلية،فلكل قصيدة ايقاعها أو لكل تجربة شعرية متكاملة إيقاعاتها"
ويتضح لنا ذلك أن الإيقاع لا ينبع من التفعيلة أو القافية فقط وإنما أيضا عبر
أشكال أخرى منها هذا الشكل ليعبر عن الحالة الشعورية الداخلية.نستطيع القول
بعد دراستنا لهذا النموذج أن الصور اعتمدت على التشخيص والتجسيد وإضفاء صفات
وأفعال إنسانية على الجامد أو النباتي أو المجرد ، أما معاني الصور التي
أفصحت عنها فقد تنوعت لتبليغ نفس المعاني حيث نجد الخيط الرابط بينها جميعا
انها تعبير عن واقع مر يعيشه الشاعر ولا يتغير ، حيث يتطلع الى المست قبل بنظرة
متشائمة ليحرض الآخرين ويستفزهم للتحرك لأن الصبر نفد .
سَتصحو أُمَّتـي يَو مـاً
وَعُمْـري دُونَ صَحْوَتِهـا هُـوَ النَّـذْرُ
فَتَضحكُ دَورةُ الأيّـامِ
كَ ـمْ دَهْـراً سَـيَبلُغُ عِنـدَكَ العُمْـرُ ؟

أَيأمُـلُ في جَنَى بَـذْرٍ
تُرابُ حُ قولِهِ صَخْـرُ ؟
أُعيذُ الصَّبـرَ أن يُبلي
ذُبـالَةَ قَلبـهِ مِثلي
لِلَيْـلٍ مالَ ـهُ فَجْـرُ


من لافتاته
نافِقْ
ونافِقْ
ثمَّ نافِقْ ، ثمَّ نافِق ْ
لا يَسلَمُ الجسدُ النحيلُ من الأذى
إنْ لم تُنافِقْ
نافِقْ
فماذا في النفاق ِ
إذا كَذَبْتَ وأنتَ صادِقْ؟
نافِقْ
فإنَّ الجهلَ أن تَهوي
ليرقى فوقَ جُثَّتِكَ المنافِقْ
لكَ مَبدأٌ ؟ لا تَبْتَئِسْ
كُنْ ثابتاً
لكنْ .. بمختلَفِ المناطِقْ
و اسبِقْ سِواكَ بكلِّ سابِقَةٍ
فإنَّ الحُكْمَ محجوزٌ
لأربابِ السوابِقْ
* *
ه ذي مقالةُ خائِفٍ
مُتملِّقٍ ، مُتسلِّقٍ
ومقالتي : أَنا لنْ أُنافِقْ
حتّى ولو وضعوا بِكَفَيَّ
المغاربَ والمشارِقْ
يا دافنينَ رُؤوسَكُمْ مِثلَ النَعامِ
تَنَعَّمُو ا
وتَنقَّلوا بينَ المبادئِ كاللقالِقْ
وَدَعوا البطولةَ لي أنا
حيثُ البطولةُ با طِلٌ
والحَقُّ زاهِقْ !
هذا أنا
أُجْري مع الموتِ السباقَ
وإنّني أدري بأَنَّ ال موتَ سابِقْ
لكنّما سَيظلُّ رأسي عالياً أبداً
وحَسْبي أَنَّني في الخَفْضِ شاهِقْ !
فإذا انتهى الشوطُ الأخيرُ
وصَفَّقَ الجَمْعُ المنافِقْ
سَيَظَلُّ نَعْلِي عاليا ً
فوقَ الرؤوسِ
إذا علا رأسي
على عُقَدِ المشانِقْ !
ـــــــــــــــــــــــ
عباس وراء المتراس،
يقظ منتبه حساس،
منذ سنين الفتح يلمع سيفه،
ويلمع شاربه أيضا، منتظرا محتضنا دفه،
بلع السارق ضفة،
قلب عباس ال قرطاس،
ضرب الأخماس بأسداس،
(بقيت ضفة)
لملم عباس ذخيرته والمتراس،
ومضى يصقل سيفه،
عبر اللص إليه، وحل ببيته،
(أصبح ضيفه)
قدم عباس له القهوة، ومضى يصقل سي فه؛
صرخت زوجة عباس" :أبناؤك قتلى، عباس،
ضيفك راودني، عباس،
قم أنقذني يا عباس"،
عباس - اليقظ الحساس - منتبه لم يسمع شيئا،
(زوجته تغتاب الناس)
صرخت زوجته " :عباس، الضيف سيسرق نعجتنا"،
قلب عباس القرطاس، ضرب الأخماس بأسداس،
أرسل برقية تهديد ،
فلمن تصقل سيفك يا عباس؟
( لوقت الشدة)
إذن، اصقل سيفك يا عباس!!
خلاصة
في ختام دراستنا هذه يمكن الخروج بمجموعة من الاستنتاجات العامة هي كالتالي:
- الشاعر هنا لا يريد أبداً أن يكون الإنسان العربي مجرد صدى لرأي قاهر أو قوة
مخيفة يردد ما يقال له ترديداً أعمى، ولا ي خرج على نطاق الحدود التي ترسمها له
هذه القوة .
- القضية المحورية في شعر أحمد مطر هي حرية ال تعبير عن النفس بلا خوف من
العقاب.. ولقد تحولت هذه القضية عند الشاعر إلى كابوس عنيف شديد الق سوة، فشعره
يقوم على رفض كل قيد يعوق استقلال الإنسان العربي وحقه في النقد والاعتراض
والتساؤل، والشاعر يدرك أنه لا يستطيع أن يقول شعره داخل العالم العربي بهذه
الحدة وهذا العنف، ثم يعيش بعد ذلك آمناً .

- تصور الشيء ونقيضه في نفس الإنسان، أي الواقع كما هو وال واقع الذي يريده
الشاعر. وبذلك صارت الصورة جزءا من بنيان القصيدة ككل حين أدت وظيفة أسندت لها
ولم تكن بالتالي مجردة زخرفية زائدة أو أنها سعت لتكون جميلة فحسب ،
- فالصورة عند ال شاعر إذن كباقي الأشكال التعبيرية الأخرى لها محتوى معين إلا
أنها تسعي إلى تحقيق أثر معين لدى المتلقي، فإذا كانت الصورة جزءا من التجربة
وبنيان القصيدة، وليست زخرفا زائدا بل تؤدي ما تؤديه الصور الأخرى في القصيدة،
فالسياق إذن هو الذي يمكننا من معرفة ما إذا كانت الصورة أصلية أم
لا،الصورةالشعرية هى ميدان النشاط للشاعر فتميزت الصور بالوضوح وأبرزت موهبته
ا لشعرية.
- الشاعر ظل ملتصقا بواقع شعبه العربي العراقي أوالفلسطيني المشرد في المنافي
والمخيمات وبنضالاته من أجل التحرر من الظلم وبراثين الحكام.
- إذا انطلقنا من فكرة كون ا لشعر إبداعا يعتمد على مقومات تجعل منه شعرا هي
التي حصرناها سابقا في الإيقاع والصورة فإن هذا الشعر لم يغفل هذين المقومين
ومن هنا حق لنا اعتباره (شعرا كاملا).
- إنه نموذج لتطور الحركة الشعرية الحديثة إذ ينتقل الشاعر بالقصيدة من البيت
ذي الشطرين المتساويين الى التفعيلة المتحررة ضمن أشطر متفاوتة الطول والقصر.
- كما أن الشاعر تحرر من سلطة القافية الموحدة إذ لجأ الى أنواع عديدة منها،
تتداخل فيما بينها في قصيدة واحدة مثل القوافي الموحدة والمتناوبة أو المقطعية
أو المرسلة وهو بذلك نموذج للتحولات التي أصابت هذا العنصر لدى الشعراء
المحدثين.
-أما فيما يخص البحور الشعرية، فقد وظف الشاعر البحور الصافية التي تعتمد على
تفعيلة واحدة متكررة تشكل أساس الوزن في القصيدة الحديثة.
- وفيما يخص الصور الشعرية فقد لجأ اليها الشاعر ليبتعد عن الأسلوب التقريري
المباشر بغية إيصال التأملات الشعرية عن طريق الإيحاء وقد عدد الشاعر الأساليب
التي بينت بما في تلك الصور مثل المجازات والاستعارات و الكنايات والتشبيهات.
- أما عن معجم الشاعر الخاص فيستقي كلاماته من التراث العربي القديم وا لحديث
بصفة عامة وإن كان يقحم بين الفينة والأخرى بعض المفردات الغريبة ولكن تبقى
ألفاظه بسيطة واضحة لا حوشي فيها.




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home