قصة

 

أحلام المدينة الصخرية

عائدة أديب



في الساعات الأخيرة من الليل ، تذبل الشموع المتوهجة ، فيما يكون
دخانها قد شكل سحاباً من ضوء تتراقص في السماء ملائكة متألقة ،
ترعى الأحلام الساهرة في عيون المدينة الصخرية .
في هذه المدينة تسهر كتلة من الأحلام الصغيرة كل ليلة ، تخرج من
باب الغرفة إلى ساحة الدار ، تجلس تحت شجرة الياسمين ، تحلق بعيداً في السماء .
لم يتجاوز عمر أحلامها الكثير ، تقسم امها انها كانت تسمع طفلتها تضحك أثناء نومها ، ومنذ اليوم الأول لولادتها ، أثار الأمر قلقها
في البداية ، لكن أحدهم طمأنها وأكد لها أن الأطفال يحلمون أيضاً .
ولكن إلى متى .. ولا شيئ يتحقق !!
تنظر بيأس إلى السماء تتنهد ، عيناها الواسعتان تتنتظران شيء ما ،
شيئاً يخرجها من هذا الضجيج من الإزعاج .
وبينما هي تحدق في السماء بعينيها اللتين اتعبهما الركض الطويل في المسافة الهائلة
الفاصلة بين الحلم والواقع ، يتراءى لها في ساحة الدار نور قوي ، وكأنما نجم من نجوم السماء
الواسعة قد جاء إليها !!
- ماهذا !!
- لا تخافي " أنا راعية الأحلام "
- ماذا يعني " راعية الأحلام " ؟؟
- هي التي تطلع على أحلام البشر وتساعدهم على تحقيقها .
- لا بل تساعدهم على مواصلة الحلم
يتحدد لها من خلال الضوء ملامح إمرأة ترتدي ثياباً بيضاء تحمل في
يدها حمامة بيضاء جميلة الشكل ، وجهها يمتلئ طيبة وصفاء ، يأتي صوتها عذباً

- قولي لي .. لماذا يئست من الأحلام ؟؟
- أنني دائماً أحلم .. ولكن ..
- بماذا تحلمين ..
حين كنت طفلة صغيرة ، كنت أحلم بأن أكون عصفوراً جميلاً ملوناً ، يطير في غابة بعيدة ، سعيداً يغرد
ألحانه ، ولكن عندما كبرت قليلاً ، علمت أن رصاصة من بندقية صياد ، ستقضي علي ..
ثم حلمت بأنني أرجع إلى الزمان البعيد ، حيث الناس سعداء ، يعيشون
في محبة دون أحزان ، أو دموع ..
لكن علمت أن الشر كان دائماً موجوداً ومنذ البداية .. ثم أن الرجوع إلى الزمن القديم مستحيل .
حلمت بأشياء كثيرة ، وكل مرة أعلم أن أحلامي مستحيلة .. وهذه المرة
أخشى أن أحلم .
- إذن لديك حلم .. ما هو ؟
- أحلم .. أحلم
ثم تمر عبر وجهها ابتسامة خجولة ، وتصمت .. تبتسم لها راعية الأحلام .
لا يهم أن نتحدث عن أحلامنا ، هي تخصنا وحدنا ، هي عالمنا الجميل الذي نبنيه ، نعيش فيه ساعات
طويلة ، وربما الوقت كله
الأحلام
هي الألوان الزاهية التي نلون بها حياتنا .

- أن أحلامي .. أحلامي

تغمض عينيها ، لتسافر إلى مكان بعيد ..
أشجار كثيرة ، طرقات حجرية قديمة ، أمطار صيفية تهطل بغزارة
ينساب شعرها المبتل فوق كتفيها، تفتح ذراعيها للمطر ، كأنما تريد أن تحتضن الدنيا .
تشعر بيد تلمس شعرها ، تلتفت ..

- ماذا تفعلين هنا
- أحلم .. وأنت ؟
- أحلم أيضاً
- أنا أحلم أيضاً
ينظر إليها ، يحمل وجههاالصغير بين كفيه

- كم أنتِ جميلة ؟؟
تبتسم ثم تنظر للسماء
- لقد توقف المطر
أشعة الشمس النافذة من خلال السقف الذي نسجته أغصان الأشجار المتشابكة فوقها .. ترسم على
وجهيهما بقعاً من الضوء يزركشهما .
يتأملها ينظر حوله ، يقطف زهرة برية ، يزرعها في شعرها ، ثم
يقبلها ، تأخذ نفساً عميقاً ثم تنظر إلى الأمام
تشهق بدهشة ..
- أنظر قوس قزح !!
- كم هو جميل ؟!
- نعم
ينظر الإثنان باتجاه قوس قزح ، يمسك بيدها لدقائق ، يعيشان حالة
من الخشوع ثم يأتي صوتها كالصلاة .
- كانت أمي تقول ، ان العصافير الطيبة ، والشجاعة هي التي أنقذت قوس قزح من الغربان الشريرة ، فقام
هو بإعطائها الوانه الزاهية
حين سمح لها بالمرور من خلاله
قيبل ذلك كانت العصافير رمادية ..

- وهل نستطيع نحن المرور من خلاله ؟!

لم ينتظر منها إجابة ، وهي لم تفكر بسؤاله ، ثم يبدآن الركض باتجاه قوس قزح ..
تشعر بزهرة ياسمين تسقط على خدها ، تفتح عينيها ، أخوتها الصغار
متجمعون حولها ، يحدقون بها بإستغراب ..

- لماذا نمت هنا ؟!
تنظر إليهم وتدرك أن نهار جديداً قد بدأ .
تهز كتفيها ، ثم تبتسم ..

- لقد كان حلماً جميلاً .




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home