مقال

 

رايس وعباس والحصار

د. يوسف كامل ابراهيم



رايس وعباس والحصار

بقلم/ الدكتور يوسف كامل إبراهيم
أستاذ جامعي - -فلسطين -غزة

تعود وزيرة الخارجية الأمريكية للمنطقة في إطار سلسلة من الزيارات قامت بها في أوقات متقاربة خلال السنة الماضية وجميع هذه الزيارات لم يتمخض عنها أي من البشائر التي قد تلمح لإمكانية وجود حل للقضية الفلسطينية بل في كل مرة تأتي بها الوزيرة تؤكد على شروط ظالمه بحق الشعب الفلسطيني وبالتالي فإن زيارة رايس المتكررة للمنطقة تسعي لتحقيق أهداف أمريكية في ظل الإعلان عن استراتيجية جديدة في المنطقة وتسعى دائما للتدخل في الشأن الداخل الفلسطيني من خلال تأكيدها على دعم فريق على حساب فريق أخر ووقوفها الى جانب تشكيل حكومة بمواصفات ومقاسات أمريكية وليست فلسطينية وفي هذا الإطار قللت رايس في وقت سابق من احتمالات نجاح هذا اللقاء, قائلة إنه بات أكثر تعقيدا بسبب ائتلاف حركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والتحرير الوطني الفلسطيني (فتح) لتشكيل حكومة الوحدة ، فتشكيل حكومة الوحدة الوطنية هو شأن داخلي فلسطيني .
ليفني ورايس والموقف المشترك :
في إطار سياسة الهيمنة والعربدة التي تمارسها أمريكا في المنطقة لدعم ربيبتها إسرائيل تحاول أمريكا دائما التدخل في الشأن الداخلي للدول من خلال فرض شروطها ومعاييرها ومقاساتها على أجندة وشكل هذه الدول وضمن هذه السياسة واستباقا للقاء الثلاثي الذي من المتوقع أن يجمع بين رايس وعباس وألمرت فقد أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن أولمرت والرئيس الأمريكي جورج بوش اتفقا خلال محادثة هاتفية على مقاطعة حكومة الوحدة الفلسطينية ما لم تلب الشروط الدولية، وأوضحت الوزيرة رايس "إننا في لحظة معقدة بين الإعلان عن تشكيل حكومة وتشكيلها الفعلي". لكنها ذكرت بضرورة التزام أي حكومة فلسطينية بثلاثة شروط للحصول على القبول الدولي وهي الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف واحترام اتفاقات السلام السابقة، من جهتها كررت ليفني موقف إسرائيل بأن حكومة الوحدة لا تلبي شروط المجتمع الدولي، وقالت إن إسرائيل والمجتمع الدولي يتوقعان أن تلبي أي حكومة فلسطينية متطلبات هذا المجتمع كاملة وبشكل تام. ويتماشى ذلك مع ما نقله مسؤول ملف المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات عن ولش من أن الإدارة الأمريكية ستحكم على الحكومة من مدى التزامها بمطالب الرباعية.
رايس والدولة الفلسطينية:
يبدو أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع منطقة الشرق الأوسط على قاعدة الغباء السياسي ففي كل مرة تريد فيها رايس تمرير للسياسة الأمريكية أو لخطة سياسية أو أمنية جديدة تقوم رايس بطرح فكرة الدولة الفلسطينية وضرورة إقامتها وتتناسى رايس ما وعد به بوش من أن عام 2005 هو عام قيام الدولة الفلسطينية وتبخرت الفكرة ومر عام 2005 وجاء بعد ذلك عام 2006 وهو عام الحصار والتجويع للشعب الفلسطيني فقط لأنه جاء بمثلين له وبممارسة ديموقراطية  ليس على المقاس الأمريكي، فهل تغير رايس وإدارتها نظرتهم الى الشعب الفلسطيني؟؟
رايس وسياسة المعتدلين والمتشددين:
تسعى الإدارة الأمريكية ومنذ فترة لتطبيق سياسة فرق تسد ولكن هذه المرة على قاعدة تقسيم الشعوب والأمم والدول والمحاور إلى معتدلين ومتطرفين وذلك من خلال تقديم الدعم المادي والمعنوي والنفسي لفريق المعتدلين على حساب فريق المتطرفين وعلى صعيد الساحة الفلسطينية وخلال هذه الزيارة فقد وأوضحت رايس أن على من أسمتهم المعتدلين في الجانب الفلسطيني معرفة أن الطريق إلى الدولة الفلسطينية يمر عبر "نبذ العنف والإرهاب وليس عبر المساومة مع الإرهابيين" فلا ندري عن أي دولة تتحدث الوزيرة وعن أي عام يمكن أن تقام فيه هذه الدولة وما هو المطلوب من المعتدلين تقديمه لرايس لكي تمنحهم دولة ؟؟؟
رايس وعباس:
على الرغم من المواقف الواضحة والعلنية من الطرفين الأمريكي والإسرائيلي اتجاه القضية الفلسطينية والمتمثلة في ضرورة تحقيق الشروط الأمريكية في حين أن الموقف الفلسطيني تمحور عند الطلب والاستجداء والتمني، وفي السياق قال الناطق باسم رئيس السلطة الفلسطينية نبيل أبو ردينة إن محمود عباس طلب من الإدارة الأمريكية وإسرائيل منح فرصة لحكومة الوحدة الفلسطينية الجديدة، وقال أبو ردينة بعد لقاء في رام الله بين عباس وديفد ولش مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية، إن الرئيس الفلسطيني سيبلغ الأمريكيين والإسرائيليين في اللقاء الثلاثي في القدس بأنه "يتعين عليهم منح فرصة لهذه الحكومة", مضيفا أن على العالم التعامل مع اتفاق مكة الذي وصفه بأنه نجاح فلسطيني.
 مقاطعة وزراء حماس والمستقلين:
في إطار سياسية الاصطفاف والتمييز التي تمارسها أمريكا في الوقوف مع فريق على حساب فريق أخر والتي تأتي ضمن سياسية المحاور التي تعتمد عليها الإدارة الأمريكية والتي تحاول منذ فترة بلورتها فكان محور الشر والخير وجاء بعد ذلك محور المعتدلين والمتطرفين، وضمن هذه السياسة التي تؤسس لسياسة فرق تسد فقد اتصل ولش بالرئيس عباس وأبلغه بأن الإدارة الأمريكية ستقاطع كل المستقلين ووزراء حركة فتح إلا إذا توافقت الحكومة مع المطالب الدولية، في إشارة في إشارة إلى مطالب الرباعية بالاعتراف بإسرائيل ووقف العنف واحترام الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية.
رايس والحصار:
الربط بين السياسة والاقتصاد أحد أركان الاستراتيجيات التي تمارسها وتطبقها الكثير من الدول وخاصة في مجال الهيمنة والسيطرة والتبعية وعلى رأس من يمارس ذلك الولايات المتحدة الأمريكية ، وفي هذا الإطار يتم  استخدام الحصار كجزء من استراتيجية أمريكية لممارسة مزيدا من الضغط على الشعب الفلسطيني لتقديم مزيدا من التنازلات ، وضمن هذه السياسة قالت رايس إن واشنطن لن تدعم أي طرف لا يلتزم بشروط التسوية الأمريكية للصراع العربي الفلسطيني, لكنها قالت أيضا إنها لن تحكم على الحكومة الجديدة قبل تشكيلها ونفت اعتزام مقاطعة كل وزرائها والمفهوم من التصريح أن الحصار سيبقى على وزراء بينما سيرفع عن وزراء آخرين، كما أشارت  مصادر دبلوماسية أمريكية إن واشنطن حذرت عباس من أن عملية السلام مع إسرائيل ستتعثر في ظل حكومة الوحدة, وإن "الحصار لن يُرفع والمقاطعة ستستمر"، وهو ما أكدته أيضا مصادر فلسطينية.
من الواضح أن الجولة الحالية لرايس لن تتغير عن سابقاتها بشأن الملف الفلسطيني ،إنما جاءت في إطار التأكيد على نفس السياسة السابقة التي انتهجتها الإدارة الأمريكية في ظل الحكومة التي شكلتها حماس وبالتالي فإن المشكلة ليس في حماس ولا في عباس وإنما في السياسة الأمريكية وفي صانع القرار الأمريكي الذي يريد للشعب الفلسطيني أن يخضع كله للإرادة الأمريكية والإسرائيلية
 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home