دراسات هامة

 

الكتابة بالمجموعة القصصية

محمد سعيد الريحاني



شهادة

 بقلم الباحث والقاص المغربي محمد سعيد الريحاني

 

الكتابة بالمجموعة القصصية

 بدل الكتابة بالنصوص المتفرقة

 

I)-مقدمة:

من الكتاب من يكتب ب"الفقرات" لتفضيله تكوين النص الإبداعي انطلاقا من الخلية النواة: الفقرة، ثم تطوير تفاعلات الفكرة أو الفقرة نحو نص منسجم متكامل. إنها انطلاقة للكتابة "من الجزء إلى الكل". ولعل الأهمية العظمى لهدا الاختيار تكمن في التماسك العضوي الكبير لبنية النص الذي تتحكم فيه جينات الخلية الأولى، أو الفكرة الأولى أو الفقرة الأولى.

ومن الكتاب من يكتب ب"النصوص القصصية الفردية المتفرقة" وهدا حال أغلب كتاب القصة القصيرة. وهي طريقة لا تخضع لمنطق الخلية أو الفقرة بقدر ما تحتكم لمنطق اللحظة الملهمة الموحية إذ غالبا ما تكون انسيابية لا إرادية. وهي لدلك تبقى مجرد "مسودة" تنتظر التصحيح والتنقيح والتطوير لاحقا. ويتكرر الأمر مرة أخرى مع نصوص أخرى حتى إدا ما اكتمل عدد النصوص الكفيل بنشر المجموعة، بدأ العمل على إعادة تحرير النصوص مرة نهائية وفق المشترك الجمالي أو المضاميني الذي آلت إليه النصوص.

لكنني أعترف أنني أكتب بشكل "مختلف" تماما. فأنا أكتب بشكل "معكوس" تماما يبدأ من الكل ويتدرج نحو الجزء. المقصود، أنني أكتب ب"المجموعة القصصية" وليس بالنصوص الفردية المتفرقة. الحقيقة، أنني استوردت هده التقنية في التفكير القصصي والكتابة القصصية من الموسيقى. فمند صغري ولعت بمجموعة البينك فلويد الذائعة الصيت. وكنت وأنا أستمع لألبوماتها أشعر أن الأغاني تتشابه ولا تتشابه، تتغير ولا تتغير. وكانت متعتي كبيرة لما توصلت للحل الذي راقني كثيرا: فالمجموعة، البينك فلويد، لا تؤدي "مقطوعات غنائية متفرقة ومتنافرة" بل هي تؤدي "ألبومات". ففي ألبوم "واصلي لمعانك، أيتها الجوهرة المتفردة" كل الأغاني تكريم لمؤسس المجموعة الذي أصيب بالجنون. وفي ألبوم "الجدار"، كل الأغاني حول أشكال الرقابة والتدمير والعوائق الحادة من تدفق الحرية والانطلاق. وفي ألبوم "حيوانات"، تتوزع الأغاني بالتساوي بين أصناف الحيوانات من "غنم" و"خنازير"وغيرها.

أفكر، أولا، في مبحث يتخذ شكل عنوان للمجموعة القصصية ثم تتفرع عناوين النصوص ثم تتناسل النصوص داخل مبحث واحد كان في مجموعتي القصصية الأولى" في انتظار الصباح " (2003) هو "الانتظار والفراغ والقلق الوجودي"، وفي مجموعتي القصصية الثانية "هكذا تكلمت سيدة المقام الأخضر" (2005) كان هو "العودة إلى البراءة"، وفي مجموعتي القصصية الثالثة "موسم الهجرة إلى أي مكان" (2006) كان هو "الهجرة والتهجير" بأشكالها الوجودية والشكلية، وفي مجموعتي القصصية القادمة "وراء كل عظيم أقزام" سيكون هو "العلاقة بين الانبطاح والاستبداد"...

 

I)- نصوص أضمومة "في انتظار الصباح:"

1)-العيد: عن الانتظار العقيم لأعياد مرت سهوا.      

2)-المقص: انتظار نتائج دروس إدماجية جاءت معكوسة لتجعل من الحر سابقا ممسوخا حاليا.

3)-التشظي: انتظار لزيارة مرتقبة تفرض التخلي عن كل الخصوصيات.

4)-الفرجة، الضباب والمشروع:انتظار لفهم مشاريع تمرر دون صخب أو مشورة.

5)-في انتظار الصباح:انتظار لشروق الشمس وجلاء العذاب.

6)-الأبدية: انتظار لعودة الحركة والتعاقبية ودوران الشمس والأرض وتناوب الفصول وتغير الوجوه.

7)-الأفواه الفاغرة: انتظار في انتظار بأفواه فاغرة عاطلة عن القول والرأي.

8)-هوية: انتظار لاعتراف نهائي بالانتماء والمواطنة.

9)-أرض الغيلان: انتظار لنهاية مفاوضات بين الزعيم التاريخي والغول الأبدي.

10)-الشرخ: انتظار المخلص من الانهيار الشامل الوشيك.

11)-حديث غراب: انتظار نهاية حكاية دائرية لقانون نمطي عنوانه الخصي والاستعباد.

12)-وطن العصافير المحبطة: رفض لكل أشكال الانتظارية وقرار للإقلاع، للطيران.

13)-افتح يا سمسم ! : انتظار لتحقيق الحلم الجماعي في البوح الجماعي.

14)-الحياة بملامح مجرم: انتظار الحكم المؤبد مع وقف التنفيذ.

 

II)- نصوص أضمومة "موسم الهجرة على أي مكان:"

1)-طائر الربيع: عن عودة الطيور المهاجرة، طيور التبشير بالربيع والخضرة والتغيير.

2)-لكل سماؤه: إعادة رسم حدود العوالم والسماوات لعيون أطفال حالمة بالانتماء بدل الهجرة.

3)-حفل راقص: حين يصبح الفرح "فرصة"، تكون القاعدة هي الهجرة.

4)-الحاءات الثلاث: القواعد الثلاثة للسعادة والوجود التي بدونها يتيه المرء بين وساوس الهجرة وإكراهات التهجير.

5)-مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي: سلطة الاسم الواحد الذي يلغي كل الباقين ولا يترك لهم سوى باب الهجرة مشرعا.

6)-فخامة السيد الرئيس الحبيب الحي ديما: احتفاء بمحترفي السياسة وإقصاء وتهجير لباقي الفاعلين.

7)-تنمية: ما بين أشكال إدارة الأزمات والشأن العام وصور الحلول في الأذهان تنتصب الحيرة التي لا تقاوم الهجرة من محيط حقيقي موغل في السريالية.

8)-إخراج تافه لمشهد تافه  : هدا الغصن من تلك الشجرة، خطاب الإقصاء في الأنشطة الزائفة وصناعة التهجير.

9)-شيخوخة: الهجرة قانون الشباب والاستقرار قانون الشيخوخة.

10)-جون جونيه: بين البحر والسجن والمقبرة: زوايا المثلث (البحر والسجن والمقبرة) المفتوح على بحر الهجرة.

11)- الرجل الأرنب: بعيدا عن مفاهيم "اليمين" و"اليسار"، الهجرة إلى "الأعالي".

12)- كلاب: الجوع الذي يهجر الجميع بشرا وكلابا بحثا عن فتات الخبز.

13)- يا داك الإنسان ! : نص حول تاريخ الإذلال والإهانة رفض السارد تبنيه وهجره تاركا إياه مجرد أغان على الأثير وقصاصات أخبار مبعثرة آثرت الانكتاب بتقنية "الكولاج".

14)-الحياة بالأقدمية: هيمنة الأمية واعتلاء قدماء الكسالى مواقع القرار في زمن تعطيل الكفاءات وتهجير الأدمغة.

15)-كاتب: الصراع بين قيم الرقي والتمدن وبين طغيان الفكر البدائي المتخلف في أحط أطواره والمتمثل في محاصرة القراءة وتهجير الكُتّابِ.

16)-موسم الهجرة إلى أي مكان: النص الأخير في المجموعة القصصية ورهان الرحيل الأخير بحثا عن ملاذ آمن بديل.

 

 

III)- نصوص أضمومة "هكذا تكلمت سيدة المقام الأخضر":

 1)-رحلة الاستنزاف: عن العودة للمصالحة مع البيئة.

2)- عالم حالم: العودة للطاقة البديلة والحياة البديلة ومعانقة البيئة السليمة.

3)- عاشق: العودة للتناسق مع الكون والتجانس مع قوانينه.

4)- الأرض تتكلم لغتي: العودة للأرض كمنتجة للإنسان والثقافة والحياة.      

5)- حديقتي، مملكتي: العودة لحب الوطن.

6)- هكذا تكلمت سيدة المقام الأخضر: العودة لثقافة الأصول ولقيم.

7)- زهرة الذاكرة وشراب الخلود: العودة للطفولة لاستلهام السعادة.

8)- حلم عصفور: العودة إلى الحلم، شاشة الرغبات الدفينة وضامن التطور الأبدي.

9)- موعد مع الفرج: العودة للإيمان بإمكانية شروق الغد الأجمل وتحقيق الأمل المنتظر.

10)- مدرسة الحرية : العودة للإيمان بالحرية كسبيل وحيد لتحقيق السعادة والاستمتاع بالحياة.

11)- شرفة على القلب: العودة على القلب في التفكير والرؤية والتذوق.

12)- العودة إلى البراءة: العودة إلى الانفتاح على الذات واستكشاف قواها وجمالها للاستمتاع بالحياة.

 

VI)-خاتمة:

أيهما أسبق، الإبداع أم التنظير؟

لا يمكن الحسم في أسبقية هذا على ذاك. ولكن من الحيوية بمكان استحضار " إطار نظري" يضبط أعمال الكاتب ويميزها، ويرتقي بها إلى " التصور النظري المضمر" إلى " المشروع الجمالي المعلن" والذي يبقى أرقى وأنضج أشكال التنظير في الكتابة الإبداعية عموما والكتابة القصصية خصوصا.  ومفهوم الكتابة القصصية مدعو للتنصيص الصارم على تبني مشروع نظري متفرد يغني الكتابة القصصية العربية ويدفع بسقف حجرياتها نحو الأعلى باستمرار. والكتابة ب"المجموعة القصصية" هي خطوة في هده الرحلة الجديدة للإبداع القصصي الغدوي.

 

الباحث والقاص المغربي محمد سعيد الريحاني




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home