دراسات هامة

 

قراءة في ديوان "جرح لا تغسله الدموع"

د. نبيل خالد أبو علي



قراءة في ديوان "جرح لا تغسله الدموع"

بقلم أ.د / نبيل خالد أبو علي
أستاذ الأدب والنقد - الجامعة الإسلامية
نائب رئيس مجمع اللغة العربية الفلسطيني


ما زال قلب الشاعر كمال أحمد غنيم ينبض بالهم السياسي ، فمنذ صدور ديوانه الأول "شروخ في جدار الصمت" عام 1994 وهو ينافح الواقع الفلسطيني ، وكلما صرعته الأحداث المتلاحقة انتصب واقفاً كقائد يقيل العثرة ويبعث الأمل في النفوس المنهكة ، يحفز الهمم وأخاله مكلوماً حزيناً تغافله مشاعره وتمتطي الكلمات التي تبوح بما يعتمل في صدره :
يا صاحبي في الموت بعض عزائنا
والموت أشرف لو علمت وأرحمُ
فالموت أشرف من معيشة مسلمٍ
بين الكلاب تروح تنهش... تظلمُ
وأنا المُُقيَّد بالحبال معذَّب
في القيد أرسف، والفؤاد محطَّمُ
وتزداد الهجمة الصهيونية على الأهل والأحبة ، وتتسع مساحة الحزن ، فيصدر شاعرنا ديوانه الثاني "شهوة الفرح" عام 1999 ، ويعلن أن الفرح أضحى عزيز المنال :
الفجر كبلت يداه بالحديد
وأنت صامت مبلل بدمعك العنيد
ألا تريد أن تريد ؟!
أم أنه الجحود ؟!
والموت والهمود ؟!
ولكن للدكتور كمال غنيم مبرراته الخاصة التي تحفزه على الصمود والتشبث بالأمل :
ما زال فينا ألف نبض قد يعود !
ما زال فينا ألف سيف لا يمسها الركود !
ما غادر العشاق... فانظر ما تريد !
ما غادر العشاق فاصدح بالنشيد !!!
ولأنه ما زال يمتح معانيه وأحاسيسه من حكايات جيل النكبة ، ومن تجربته وتجارب مجايليه الذين تشبثوا بالأمل ورفضوا الاستسلام لأجوائها أراه يتخير لهذا الديوان عنواناً مثخناً بمعاني التحريض على مواصلة النضال ، والحث على عدم الخنوع والاستسلام مهما ازدادت الهجمة الصهيونية ضراوة، ومهما بلغت التضحيات ، إنه "جرح لا تغسله الدموع"، وللقارئ أن يبحث في مضامين الديوان عن البلسم الذي يغسل الجرح ويشفيه...
 ويحتمي الدكتور الشاعر في هذا كله بثقافته الواسعة ، وأدواته الفنية المتنوعة ، وإيمانه الصادق، فينهل من معين التراث وألوانه الثرة ، الديني منه والتاريخي والأدبي والشعبي... مستلهما معاني الصمود والجهاد في سبيل الله من القرآن الكريم ، ومن تجارب السلف الصالح ، ليضفي قداسة ومصداقية على رؤيته ورأيه الذي يريد... فالشعر عنده ليس للتسرية عن النفس وإراحة النفوس المنهكة فقط، بل أداة من أدوات التنوير والتثوير، ووسيلة من وسائل تضميد الجراح ورص الصفوف من جديد...
 من ذلك - مثلاً - ما نراه من توظيف قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل وزوجه هاجر عليهم السلام ، فإن كانت قد مرت بشكل وليد عابر في القصيدة السابقة من ديوان شهوة الفرح في قوله: "ما غادر العشاق... فانظر ما تريد!" إشارة إلى موقف إسماعيل المشحون بقبول التضحية استجابة لأمر الله في قوله تعالى: "يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى"(الصافات، 37)؛ فإنها تستغرق النص بأكمله في شكل درامي جميل، وحوار مؤثر بين هاجر وإسماعيل وإبراهيم عليهم السلام في قصيدة "هاجر" التي يفتتح بها ديوانه الثالث "جرح لا تغسله الدموع!".
وقد عمد فيها إلى توجيه الحكاية إلى مفهوم تكاملية البناء بين الرجل والمرأة، مشيراً إلى قدسية ما يقوم به الرجال والأطفال والنساء في فلسطين من مقاومة وبناء، وجاء ذلك في حوار إبراهيم:
هل أحرث هذا الكون البور بنفسي؟!
أحتاج إليك لأحرث هذا الكونَ
وأقلع منه جذور البؤسِ.
هذى خطواتك تمحو الجدبَ،
تفجر ينبوع الخيرِ.
خطواتك تسعى نحو النورِ،
على الأشواكِ،
ليطلع بعد العتمة نور الفجرِ.
لولا إيمانك والخطوات العجلى
ما انبثق النور مع النبعِ،
ما جاءت أفئدة تهوي،
تسعى بالخيرِ،
وترفع رايات النصرِ.

وقد ربط في قصيدة (بعاث) بين واقعة بعاث التي استغلها يهود في محاولة تخريب علاقة الأوس والخزرج، وواقعة خلاف العرب في قمتهم التي قذفوا بعضهم فيها بالأواني الموجودة على الطاولات في اجتماع القمة العربية، ولم يكتف بذلك بل استدعى الشخصيات التراثية الإيجابية: "النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعلي، والأنصار"، والأحداث التاريخية: "الهجرة، وغزوة خيبر" لتوجيه الصراع العربي المعاصر وجهة توازي سمو أولئك الرجال وتلك الأحداث:
ما زال نبي الله ينادي:
من للأنصار إذا ضاع الأنصار؟!
وإذا ما غاب أبو بكرٍ،
من يرفد حِبّ اللهِ،
ويغلق بالقدمين ثقوب الغار؟!
وإذا ما غاب عليٌ،
من يفتح باب الحصنِ،
وخيبر تخفي خلف الحصن جنود البغي،
ولا تنهار؟!

ويوظف حكاية ليلى والمجنون من التراث التاريخي والأدبي في عدة قصائد متتالية: (قصيدة قيس بن الملوح، وقيس يواصل الهذيان، وليلى تخرج عن صمتها، وقيس على حافة الجنون)، حيث يمنح قيسا فيها ملامح عصرية، تختلف عن قيس القديم، وتزيل عنه ملامح السلبية، وتكتفي بملامح العشق المجنون المعبر عن الارتباط الأسطوري بين فلسطين والفلسطينيين، وتكاد تشكل القصائد بمجملها لونا من الدراما بحوار خفي بين ليلى وقيس يظهر علاقة وثيقة بين الطرفين: الشاعر والوطن.
ففي حوار داخلي يعبر قيس عن استعداده للتضحية من أجل ليلى حتى الموت:
جنونٌ هو العيش
بين المنايا..
فمن لي بموت أسير إليه...
يروّيك ليلى،
ويطفحُ بالدمعِ،
لكن...لأفرح!!

وتقول ليلى في قصيدة "ليلى تخرج عن صمتها":
مـا زلـت أرقـبُ سعيكـم  ورباطكـم
لـم أنسكـم فـي غـرفـة  الحـبـس
هـم يشعلـون النـار حتـى أرعـوي
مـا النـار تطفـئ حبنـا (قيـسـي)!
 (ليلاي!) صحت على المدى، وأنا أصيـ
ـح ولا مجيـب بـأدمـعٍ  خــرسِ!!

ويقول الشاعر على لسان قيس في قصيدة "قيس على حافة الجنون":
(كم غـادر العشـاق مـن متـردم)
وهـواك ليلـى لا يغـادر أعظمـي
قولي: "عشقتـك!" أوجعـي آذانهـم
في البعد عنك مماتنـا،  فلترحمـي!
...
(ليلاي !) أهتف لا مجيب  يجيبنـي
وكأننـي أهـذي ببـحـر  مظـلـم
هل كان صوتك يعبر الآفـاق لـي؟!
أم أنني أصغي لصوتك فـي دمـي؟!
ونلاحظ كسر النص التراثي لمحب آخر وشاعر غير قيس هو عنترة بن شداد الذي قال: "هل غادر الشعراء من متردم" في إشارة إلى حيرته أمام قول مكرّر معاد، مع أنه لم يكرر بل أضاف، والشاعر الدكتور يستفيد من هذا القول للتعبير عن مفهوم مغاير يدلل من خلاله على حجم حبه للوطن الذي لم يستطع الشعراء السابقون أن يعبروا عن كثير من جوانبه ومعطياته في نصوص الحب وقصائد العشق، ولا شك أنه استفاد من بروز عنترة في النص من خلال قوله المشهور لتكريس مفهوم العشق المقاتل، الذي يتجاوز مفهوم عشق عنترة وغيره من شعراء الحب.
وكأن القصيدة الأخيرة تجيب على نداء ليلى، وتتركنا في حيرة بين كون هذه المناداة حقيقة قائمة على حوار متبادل، أو كونها مناداة وهمية من لوثات مجنون ليلى المعاصر الذي فقد الوطن، ومازال يتخيل لقاء وهميا معه، ولكن قرار المواجهة والاستعادة يبرز بوضوح من خلال ثنايا القصائد القيسية العاشقة المتعددة بأشكال مختلفة، وتنكشف المفارقة التراثية بين قيس السلبي القديم وقيس الإيجابي المعاصر، ويظهر الغشاء الرمزي الشفاف ما يرمي إليه الشاعر، من ذلك قوله بوضوح:
 لن يعـرف المحتـل (ليـلاً) هادئـا
ما دمت قيد الأسر لا فـي معصمـي
عادلت حبك بالرصـاص  فسامحـي
قلـب المحـب الهائـج المتضـرم!

ولعل توظيف التراث صار يسري في ثنايا قصائد الدكتور كمال، كما لو كان مكوِّنا أساسياً من مكوّنات اللغة والأسلوب، فهو يوظف في قصيدة "هل في غزة أطفال" مفردات من التراث الشعبي، حيث يطل من خلالها الشاطر حسن والغولة وست الحسن، مقابل الطفل الفلسطيني والاحتلال وفلسطين، ونجد في قصيدة "مريم الفلسطينية!!" حكاية مريم وشجرة النخل، في إشارة إلى أمهات الشهداء وأحزانهن، ويطل في قصيدة "المغرب العربي!" صقر قريش، وعبد الرحمن الغافقي، في ربط بين الواقع الحالم بمستقبل يتشبث بماض من العزة والبطولة، ويتماهى معه، ونرى في قصيدة "قولوا لأمي!!" الحديث عن محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، والالتقاء بهم في الجنة، في تعبير تدركه الطفلة الشهيدة إيمان حجو، وتتوازى فيه أو يتوازى الشاعر فيه مع تعبير بلال بن رباح عند لحظة الموت لما قال: "غداً نلقى الأحبة، محمدا وصحبه".
ونرى في إشارة عابرة إبليس ومصير الغرور والكبرياء في قصيدة "طاووس"، وقتل اليهود للأنبياء ومشاكستهم لهم في قصيدة "هم والأوطان"، وحكاية سليمان عليه السلام والمرأتين المختلفتين على أمومة طفل وحيلته في معرفة الأم الحقيقية في قصيدة "تقسيم"، مع كسر المضمون التراثي من خلال غياب العدل المشابه لعدل سليمان في العصر الحديث، مما يخلق نهاية أخرى تعتمد فيها الأم كمعادل موضوعي للشعب على نفسها، من خلال نهج المقاومة.
بينما يتدافع حشد من التوظيف القرآني في قصيدة "يا رب"، من ذلك الإشارة إلى آية "وهديناه النجدين"(البلد،10)، والآيات التي تتحدث عن خلق الإنسان من طين(1)، وآية "وما أبرئ نفسي"(يوسف، 53)، وآية الغيبة: "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه"(الحجرات، 12)، والآيات التي تأمر بالبعد عن المعاصي:"ولا تقربوا..."(2)، و"اجتنبوا..."(3)، وآية "لولا أن رأى برهان ربه"(يوسف، 24)، وقد  أشارت القصيدة إلى بدر والمبشرين بالجنة، ونهر الكوثر، وبابين من أبواب الجنة: ريّان ويمان، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن البهتان. وكل ذلك يدلّ على مدى انتشار الألفاظ والتراكيب القرآنية عند الشاعر، مما منح النص تكثيفا خاصا وعمقا في التعبير، من خلال التداعيات التي يثيرها هذا التناص القائم على اللفظ والموقف.
ومن التوظيف التاريخي ما نراه في قصيدة "صباح الخير يا أحلام"، حيث يشير إلى "نُسيبة بنت كعب" و"خولة بنت الأزور" كنموذجين من نماذج المرأة العربية المقاتلة، كما يشير إلى سفينة نوح التي ترسو على شط آمن، وإلى غزوة بني قريظة، والتزام الصحابة فيها بنداء النبي: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"،  الذي ربطه باستجابة أحلام التميمي لنداء الجهاد في هذا العصر.
ولم يغفل الشاعر توظيف التراث التاريخي الحديث ، من ذلك حديثه في قصيدة "هولكوست!!" عن مذابح اليهود على يد النازية! واحتفالهم السنوي بذكرى تلك المذابح في مفارقة مع واقع المذابح التي يرتكبونها في حق الشعب الفلسطيني في كل لحظة.
ومن ذلك توظيفه لحادثة غريبة ومؤلمة من تاريخ فلسطين المعاصر والقريب، حيث يوظّف خبر وفاة أحد المغتربين الفلسطينيين من شدة الفرح لمّا شاهد انتفاضة الحجارة على التلفاز عام 1987، مبشراً بفرح أكبر، لأن الخروج عن الصمت فيه ما فيه من إرهاصات النصر. ويشير فيها إلى أبرهة الحبشي الذي أراد هدم الكعبة قديما وحجارة السجيل وطير الأبابيل، في نسيج يربط بين ماضي الأمة وحاضرها.

 ومن الأدوات الفنية التي أبدع الشاعر في توظيفها البناء الدرامي، الذي انتشر في معظم القصائد، ونرى ذلك في قصيدة "ما أُخذ بالقوة...!"، التي بدأها من الذروة أو منتصف الحكاية، فبدايتها بداية متأزمة توازي واقع محمد الدرة ووالده في لحظة الوقوع في المصيدة تحت نيران الاحتلال، وذلك ينسجم مع مبدأ وحدة الزمن في المسرحية الكلاسيكية، واعتمد في القصيدة على الحوار الخارجي بين محمد ووالده، واعتمد على وضوح التعليمات المسرحية التي تساعد المخرج على تصور الحدث، واستفاد من الديكور الموجود على مسرح الأحداث المتمثل في عبارة "ما أخذ بالقوة..."، التي سُطرت على الجدار القديم خلف الضحيتين، واعتمد عليها في نهاية البناء الدرامي كخاتمة مفتوحة تشير إلى حل لا يُحسم ببساطة. كما ربط بين الخمسين دقيقة التي استغرقها الحدث، والخمسين عاما التي استغرقتها حتى ذلك الحين نكبة فلسطين، وكأن مشهد الدرة يوجز واقع الفلسطينيين طوال خمسين عاماً.
وبنى الشاعر في قصيدة "حكاية إرهابي" صراعاً درامياً بين الشاعر وذاته، يوحي بحوار بين رجل وامرأة، أو بصراع بين القوة والتردد، وينحسم الصراع لحساب الشاعر، بل نجح الشاعر في خلق تحول درامي مفاجئ؛ عندما جعل النفس تطلب من الخالق أن تعود لتكرر التجربة فإن تردد صاحبها بادرت هي! وقد وظّف الحوار بين الطرفين بشكل بارز ومؤثر:

ومضـت تكلـم  ربهـا:
يا رب عفوك هل  تزيد؟!
أنا مـا عشقـت سـوى
الرجوع لكي أغير ما أريد
فـإذا تـردد صاحـبـي
فجرت نفسي من  جديـد
اللهَ مـا أشهـي الحيـاة
شهادة تهـوى الخلـود!

ويشكّل الدكتور الشاعر في قصيدة "جرح لا تغسله الدموع" مشهداً درامياً، يتمثل في تشخيص فلسطين وهي تبكي الشهيد، وتعلن عن ضياعها بعده، فيقوم الشهيد من نعشه على كتوف السائرين به! ليخاطبها مؤكدا على التواصل، في حوار جميل بين الطرفين:
ضمـت إليهـا جرحهـا  وتأوهـت:
"من للجراح إذا مضى؟! من للعذابْ؟!"
"يا فارس العمـر الموشـى بالأسـى
هذا ضبـاب خلفـه يحبـو ضبـابْ"
"والجرح تغسلـه الدمـوع  بملحهـا
والغيث وعد اللاهثين إلـى سـرابْ"
...
ونهضتَ من فوق الكتـوف بلهفـة:
"مهلا فلسطيـنَ الكرامـةِ والفـداءْ "
"هذي قوافل عشقنا القدسـي  يـحـ
ـدوهـا نشيـد الأوفيـاءُ الأنقيـاءْ"
"يتدافعون إلـى الشهـادة؛ رغبـةً
ويقدّمـون نفوسهـم دون  انكفـاءْ"

ويتسع الأفق الدرامي لدى الشاعر، حتى يصل به الأمر إلى اصطناع شخصيات درامية غير معقولة، من ذلك حواره الجميل مع الشعر في قصيدة "ليت أني" التي يبرز من خلالها تدفق الإلهام الشعري دون استئذان، وحواره الغريب مع الشيطان في قصيدة "مصير رسالة حب".

وقد تميز ديوان "جرح لا تغسله الدموع" بالبناء التوقيعي "القصيدة القصيرة جدا، أو المكثفة"، من ذلك قصيدة "فارس" التي يشير فيها إلى الطفل الشهيد "فارس عودة"، وقصيدة "الموت الأوعى" في رثاء الشهيد "إسماعيل أبو شنب"، وقصيدة "الرنتيسي"،  بالإضافة إلى قصائده: "صداقة"، و"سأهرب"، و"محار اللؤلؤ"، التي تميزت جميعها بالمفارقة والحكمة:
ربّ امنحنا حكمة هذا الكون الواسع.
واجعلنا خيراً من حِلمِ محارٍ لامع.
تبغته ذرات الرملِ،
وقاذورات البحرِ،
فيفرز لؤلؤه الرائع !!

وإذا تحدثنا عن المضامين، فإننا نلاحظ عدة علامات فارقة في هذا الديوان، حيث كان حضور المرأة ملحوظاً فيه وبارزاً، فقد كانت أول قصيدة من قصائده عن "هاجر" كمعادل موضوعي للمرأة المشاركة في البناء والمتكامل جهدها مع الرجل، وآخر قصيدة عن "أحلام التميمي" إحدى الأسيرات الفلسطينيات المناضلات. بالإضافة إلى حضورها في قصائد قيس كرمز للوطن، وفي قصيدة "مريم الفلسطينية"، و"قولوا لأمي" التي دارت حول "إيمان حجو" ووالدتها.
كما برز في الديوان حضور الأطفال: فقصيدة "ما أُخذ بالقوة" تدور حول محمد الدرة ووالده، و(قولوا لأمي) عن أصغر شهيدة فلسطينية "إيمان حجو" ووالدتها، وقصيدة (فارس) عن الطفل المقاوم الشهيد فارس عودة، بالإضافة إلى حضور الأطفال على المستوى الاجتماعي والأسري في قصيدة "إيمان"، و"خربشات طفولية"، و"ما زلنا في رمضان".  كما تأتي قصيدة "هل في غزة أطفال؟" لتتوج تلك القصائد بتمحورها حول هموم الطفل الفلسطيني، وفيها إشارة للشهداء من الأطفال وتعبير عن انغماس ملامح الطفولة الفلسطينية ومفرداتها في أتون الهجمة الوحشية، حيث تطل حكايات الطفولة عن الشاطر حسن والغولة وست الحسن من الواقع، في مفارقة صادمة تعبر عن الحرمان الذي يعاني منه الطفل الفلسطيني؛ بل يتجاوز الأمر الحرمان إلى الموت، الذي يتخذ شكلاً واعياً عند الطفل، يجعله كما يراه الشاطر حسن موتا نبيلاً:
ما زلنا في غزةَ،
نبني وتجيء الريح بزلزال.
الغولة لا تفتأ تخرج من قصة جدي،
وحكاية أمي...
والشاطر ما زال يواصلُ
ما تحكيه الجدة عبر الأجيال.
كانوا بالأمس ومازالوا
أطفالا بقلوب الأطفال.
ورجالاً لا يشرخ ثورتهم زلزال.
الفارق بين الأمس وبين اليومِ
-لا أدري كيف يقال-
كانت غولتنا رمزا يُحكى.
واليوم نراها قد هُزمت فارتدت.
تتسربل بالدبابة والزنّانة والمدفع.
تضرب في جزعٍ مَنْ لا يجزعْ...
آه يا قلب الأمِّ...
تلوّعْ !
تضرب أطناناً من بارودٍ، يتفجر بالأهوال.

كما نلاحظ حضور الشهداء والشهادة في كثير من القصائد: "ما أُخذ بالقوة..."!، فارس، قيس بن الملوح،  الموت الأوعى!، حكاية إرهابي!، أمةٌ مكبلةٌ وشيخٌ طليق!، كن ما أردت، إنّا نراك!، الرنتيسي، جرحٌ  لا تغسلهُ الدموع!!، هل في غزة أطفال؟!، قولوا لأمي!!، وجع البعاد!، قارورة العطر ما زالت تفيض! .
وإذا كنا نلمس حضور مفردات القضية الفلسطينية بشكل طاغٍ في الديوان بشكل عام، فإن ذلك لم يجعلنا نغفل عن بروز قضايا عامة؛ قد تكون ملامحها موجودة في قصائد تتحدث عن فلسطين وقضيتها، لكن الملاحظ هنا بروزها بشكل إنساني عام دون ارتباطها المباشر بالقضية الوطنية يجعلها تصلح لأكثر من بلد ولأكثر من جنس... أي أنها تمتلك صفة الشعر الإنساني العام، من ذلك قصيدة "طاووس" التي تعالج ظاهرة الغرور والكبرياء، وقصيدة "شاحنة" التي تحذر من السلبية تجاه الظواهر الفاسدة في المجتمع، لأن مصير السلبيين هو الانجراف وحصاد الألم حتى لو لم يشاركوا في الفساد، وقصيدة "صداقة" التي تحذر من الاستسلام للحزن، وقصيدة "سأهرب" التي تحذر من الاستسلام لليأس، والحثّ على مواجهة المشاكل لا الهروب منها أياً كانت، وقصيدة "محار اللؤلؤ" التي تحث على تجاوز العقبات وأذى الناس؛ بل تحويل الأذى إلى طاقة إبداعية تأتي بنتيجة مغايرة لتوقع الخصوم، وقصيدة "بللور التحدي" التي تحث على التماسك ومواجهة الصعاب مهما كانت، والتأكيد على أن الواقع السيئ مهما كان فإنه يحمل في ثناياه بذور النهوض والتغيير نحو الأفضل، وقصيدة "ليت أنِّي" المتحدثة عن طغيان الإبداع على الهموم الملحّة. وقصيدة "المغرب العربي" بما فيها من حلم التواصل بين البلاد الإسلامية والعربية دون حواجز.
كما يمكننا ملاحظة بروز النَفَس الإيماني أو الصوفي واللجوء إلى الله في عدة قصائد، منها:  "القرآن الكريم، وابتهال، وترانيم السحر!، ويا رب!!، ومحار اللؤلؤ، ومصير رسالة حب".

 وقد برزت الموسيقى المتدفقة عند الشاعر في النمطين العمودي والتفعيلة، ولاحظنا تنافس اللونين في الحضور، ولعل ما ميزهما تشربهما للأدوات الفنية المعاصرة، التي أشرنا إلى بعضها في هذه العجالة، ومما يُسجل للشاعر عدم اكتفائه بالموسيقى الخارجية القائمة على الوزن والقافية بكافة أشكالهما وأنواعهما؛ بل اتجاهه نحو الموسيقى الداخلية، من ذلك ما رأيناه في أكثر من موضع من مزج بين الازدواج والقافية الداخلية، ففي قصيدة "إنا نراك" يقول:
إنّا نراكْ.
في الفجرِ؛ في إشراقةِ الصبح البهيّةِ،
والسّنونو لا يفارق ضحكة الوجه الذكيّةِ،
كالملاك!
... ...
يا أيها الطيف الجميل!
عبثا يظن القاتل المأفونُ،
أنك غبت منّا والسنونُ،
القادمات ستقتفي دوماً خطاك!

هل ينسفون الشمس إن شاءوا،
وهل يستنفرون الليل إن جاءوا،
فلا صبح يطلّ... فكم أساءوا،
يا إلهي كم أساءوا،
-ويحهم-
فالنور يشرق من ذراك!

وقد منح المزج بين الازدواج والقافية الداخلية النص طاقة موسيقية متدفقة تجاوبت مع طغيان العاطفة والانفعال الوجداني.
وبعد:
 فقد كانت تلك الإشارات الفنية مجرد ومضات نقدية لم تعط الديوان حقه، وإن كانت تفتح المجال على مصراعيه لاستكناه تجربة الشاعر الدكتور كمال غنيم، وهي ليست تقديماً؛ لأن شاعرنا قدّم أكثر من ديوان قبل ذلك، وله إنتاج نقدي وإبداع درامي عرفه المتلقون، وحظي بانتشار يُغبط عليه، فهو شاعر وأديب معروف لا يحتاج إلى التعريف والتقديم، ونتمنى له السداد والتوفيق.

(1) (الأنعام، 2)، (الأعراف، 12)، (المؤمنون، 12)، (السجدة، 7)، (الصافات، 11)، (ص، 71)، (الذاريات، 33)، (الإسراء، 61).
(2) (النساء، 43)، (الأنعام، 151)، (الأنعام، 152)، (الإسراء، 34)، (الإسراء، 32). (البقرة، 187).
(3) (الحجرات، 12)، (الحج، 30)، (النحل، 36)، (المائدة، 90). (النساء، 31).




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home