دراسات هامة

 

السيرة الحسينية تعود بالحق الى نصابه والتاريخ الى محرابه

نضير الخزرجي



السيرة الحسينية تعود بالحق الى نصابه والتاريخ الى محرابه

نضير الخزرجي*

من السهل على المرء قراءة التاريخ، بل يجد فيه المتعة الكبيرة التي تزيح عنه هموم الحياة، ويجد فيه العبرة تلو العبرة التي تمكنه من تخطي العقبات، ولكن من الصعب على المؤرخين وضع التاريخ في سياقه الطبيعي، بخاصة اذا تعلق الأمر بشخصية واحدة، فعندها يحتاج المؤرخ المحقق الى استعمال كل أدوات المعرفة، لترتيب أوراق ديوان الشخصية المعنية، بما لا يخل بالسياق التاريخي ولا يترك فجوة زمنية بين مرحلة وأخرى، لان الزمن سلسلة حلقات تعرف اللاحقة بالسابقة وتشير السابقة الى اللاحقة.
ومثل هذه القراءة الدقيقة والفاحصة، لا تتوفر عند كل أحد، ولهذا فان بعض كتب التاريخ، تفتقد الى الشرعية المعرفية، وتوصف بأنها كتب هجينة غير طاهرة المولد، تلقحت بويضاتها في أنبوبة القصر الخليفي او الملكي، يكتب المؤرخ بما يمليه عليه القصر ويتحرك مداده بعجلة الدرهم والدينار، وهذه السمة الغالبة لعدد غير قليل من كتب التاريخ.
المحقق والبحاثة الدكتور محمد صادق الكرباسي، يستحضر كل الأدوات المعرفية في بيان الجزء الثاني من سلسلة كتب "السيرة الحسينية" الذي صدر عن المركز الحسيني للدراسات في لندن، في 470 صفحة من القطع الوزيري. وفي هذا الجزء يواصل قراءة سيرة الامام الحسين بن علي (ع) وهو في كنف جده رسول الله محمد (ص)، حيث يشكل هذا الجزء والجزء الذي قبله الفصل الأول من سبعة فصول توزعت على عشرة أجزاء هي باقة من باقات دائرة المعارف الحسينية ذات الستمائة جزء والذي صدر منها 32 جزءاً، وحيث قسّم الفصل الأول الى تسعة مقاطع، فان الجزء الأول ضم أربعة مقاطع وجانبا من المقطع الخامس، فيما استقل الجزء الثاني ببقية المقطع الخامس والأربعة الباقية.

يوميات السنة السابعة
تناول المؤرخ الكرباسي في المقطع الخامس حوادث ووقائع السنة السابعة من الهجرة النبوية الشريفة التي كانت تمثل الذكرى الثانية من مولد الحسين، وفيما تبقى من المقطع، يتابع المؤرخ سيرة الامام الحسين (ع) منذ شهر جمادى الأولى، على هيئة يوميات وضع لكل يوم عنوانا مستوحى من الحدث او الواقعة،  أبدع في ترتيبها ضمن سياق زمني متوالي يتابع نمو الامام الحسين (ع) في ظل جده محمد (ص) يوما بعد آخر، معتمدا على التحقيق والتمحيص، وسوق النصوص الشريفة من آيات وأحاديث بما يخدم اليوميات وترجمتها الى وقائع اعتمادا على سبب النزول او استحضار التأويل المنصوص عليه في التفاسير وكتب الحديث. فتحت عنوان: "عطش الحسين"، يبحث النبي محمد (ص) وسط عطش أصاب المدينة، عن ماء صالح للشرب يسقي به سبطيه الحسن والحسين، فلا يجد، فيقرب لسانه من فمهما ويدعهما يمضغانه ويمصانه، ثك يأتيه جبريل بالنبأ بموت الحسن مسموما وموت الحسين عطشانا مذبوحا. وفي "الحسنان سيدا شباب أهل الجنة" يخبر النبي الصحابي الحذيفة بن اليمان أن جبريل بشره أن حسنا وحسينا سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما أفضل منهما. ويمنع الرسول (ص) حفيده الحسين من تناول "تمر الصدقة" لأن الصدقة لا تحل على أهل البيت (ع). وكان النبي (ص) يحب منظر "مصارعة الحسنين" وهما صغيران، فكان يشجع الحسن ويشجع جبريل الحسين. ويروي أبو هريرة في "قتلة الحسين" أن النبي لعنهم وقال: (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا وأبغض الله من أبغض حسينا، حسين سبط من الأسباط لعن الله قاتله). وفي "عمران والحسنين" يحدث النبي عمران بن الحصين عن موقع الحسنين من قلبه إذ: (إن الله أمرني بحبهما).

الذكرى الثالثة للمولد
وتحل على البيت النبوي الذكرى الثالثة لمولد الامام الحسين (ع)، ويتذكر ابن عباس كيف كان الرسول (ص) يجلل أهل بيته ويشير الى الحسين: (أما الحسين فانه مني، وهو ابني وولدي، وخير الخلق بعد أخيه وهو إمام المسلمين...). وتنزل في أواخر فصل الخريف "مائدة من السماء" وفق شهية الحسين الذي اختار ما كان ينزل على مريم بنت عمران، فأكلوا جميعا رطبا جنيا. ويسأل أبو هريرة عن "آية العقب"، فيجيب الرسول إن قوله تعالى (وجعلها كلمة باقية في عقبه) يعني أن الله جعل الإمامة في عقب الحسين، يخرج من صلبه تسعة من الأئمة منهم مهدي هذه الأمة. ويلاحظ أبو هريرة إن النبي في "سجدة الشكر" هوى الى الأرض خمس مرات، مرة عن حب الله لعلي وثانية عن حبه تعالى للحسن وثالثة عن حبه للحسين ورابعة عن حبه لفاطمة وخامسة عن حبه لمن أحبهم بوصفهم أهل البيت الذين طهرهم تطهيرا. ويرجع جبريل الى النبي (ص) ليخبره بنبأ الملَك "مشفوع الحسنين"، الذي تاب الله عليه بشفاعة الحسن والحسين، فارتقى السماء ثانية يفتخر على ملائكة السماوات السبع: (مَن مثلي وأنا في شفاعة السيدين السبطين الحسن والحسين). ويرى أبو هريرة "تكريم الحسين" حيث كلما هوى الرسول (ص) الى السجود وثب على ظهره الحسن والحسين، فيضعهما على الأرض برفق ولا يمنعهما، ويتكرر الأمر في كل سجود. ويخرج "الحسين في نزهة" الى خارج المدينة مع جده محمد (ص) يصحبهما الحسن. وتترك أم سلمة "قرة العين" يلعب فوق صدر جده وهو ابن ثلاث سنين وأشهر، فتحاول أن تنحيه فيقول لها زوجها: (دعيه يا أم سلمة متى أراد الانحدار ينحدر، واعلمي من آذى منه شعرة فقد آذاني). وخلال استعداده لأداء "عمرة القضاء" يودع الرسول البيت العلوي ويخلف أبا ذر الغفاري على المدينة. ويرى صالح بن رقعة اليهودي، الحسين يسير لوحده فيأخذه لداره، فيعرف الحسن بموضع أخيه فيأتيه، فيسمع صالح بلاغة الطفل، فتأسره شخصيته ويسلمه أخيه، وتكون الواقعة طريقا الى "إسلام جماعة من اليهود" سمعوا بخبر صالح والحسنين. ويخبرنا أبو هريرة عن "علاقة الرسول بالحسنين" وينقل عن الرسول (ص) قوله في الحسين: (اللهم إني أحبّه فأحبه). ويعود أبو هريرة ليخبرنا عن "الترحيب بالحسين" من قبل جده (ص) وقوله فيه وفي أخيه الحسن: (اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب مَن يحبهما).

يوميات السنة الثامنة
ويستوعب المقطع السادس من الفصل الأول يوميات السنة الثامنة للهجرة الذي يستهل بيوم الأحد الأول من محرم الحرام للسنة الثامنة الهجرية الموافق للثلاثين من نيسان/أبريل 629 م، وبدخول العام الجديد يحزن الحسين ومعه البيت العلوي والنبوي بسبب "موت الخالة زينب" شقيقة والدته فاطمة الزهراء في بداية العام، وقد لازمتها علتها منذ أن طرحت جنينها وهي خارجة من مكة عام 2 للهجرة. ثم إن "المرض يعاود النبي" بعد سنة من تسممه بخيبر بفعل فخذ شاة، فيأكل من طبق فيه رمان وعنب أتى به جبريل، فيدخل الحسن ثم الحسين ثم أبوهما على النبي (ص) ويأكلون معه وهو يسبح. وننتقل الى "رؤيا فاطمة" في ولديها الحسن والحسين وخوفها الشديد من مكائد الأعداء كما فعلوا بأبيها عندما سموه، فيخفف الرسول (ص) عنها الوطء. وتجود فاطمة (ع) بما تملك والحسن والحسين جوعى، فيكون ذلك طريقا الى "إسلام الإعرابي" وأربعة آلاف من عشيرته، ويكون سببا في إسلام شمعون اليهودي، ويكون سببا في نزول المائدة على أهل البيت كمريم بنت عمران كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا. ويدخل الحزن قلب الحسين بعد سماع "مقتل العم جعفر في مؤتة" وزاد من حزنه انه رأى بكاء جده (ص) المر على ابن عمه جعفر بن أبي طالب. وفي "سرية وادي يابس" بإمرة علي بن أبي طالب، يتعاهد الرسول (ص) البيت العلوي. ولا يساور قلب سلمان الشك بان "الحسين سيد" ويخبره الرسول (ص) عن سبطيه الحسن والحسين: (يا سلمان: مَن أحبهم فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله). ومرة أخرى ينقلنا أبو هريرة ومعه ابن عباس الى مشهد "الحسين على عاتق الرسول" ومعه الحسن، وهنا يعيد الرسول قوله: (من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني). ويعود جابر بن عبد الله الأنصاري من "غزوة الخبط" ويلتقي النبي (ص) فيخبره: (إن كل بني بنت ينسبون الى أبيهم إلا أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم). ومرة أخرى يخبرنا جابر عن النبي (ص) حديث "الأصلاب الشامخة"، فقد: (اجتمعت النطفتان مني ومن علي فولدتا الجهر والجهير الحسنان فختم الله بهما أسباط النبوة وجعل ذريتي منهما).

الذكرى الرابعة للمولد
ويدخل الحسين في ذكراه الرابعة، ويسمع أبو هريرة قول الرسول في الحسين في مشاهد يوم القيامة: (ويحشر ابنا فاطمة على ناقتي العضباء والقصواء واحشر أنا على البراق). ويتعلم الأقرع بن حابس من علاقة النبي (ص) بحفيده الحسين (ع) قوله (ص): "مَن لا يَرحم لا يُرحم" عندما شاهد إكثار النبي تقبيل سبطه. وبعدما نقضت قريش عهدها مع النبي (ص) جاء "أبو سفيان يستجير بالحسنين"، فلم ينفعه ذلك. ويذهب الرسول (ص) الى "فتح مكة" فيستظهر الكرباسي أن الحسن والحسين صاحبا أمهما فاطمة في رحلة الفتح مع أبيها. ويعلنها النبي (ص) جهارا أني "سلم لمن سالمكم" يا أهل بيتي، حيث اقبل أبو بكر والنبي واقف أمام خيمة فيها علي وفاطمة والحسن والحسين، فيخاطب الرسول (ص) معشر المسلمين: (أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد - الأصل- طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد، ردئ الولادة). وبعد "عمرة الرسول وفريضة الحج" تعود البسمة الى البيت العلوي بعودة الجد. وتسأل أم سلمة عن "فضل أهل البيت" في قوله تعالى (من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا)، فيجيبها بعلها (ص): من النبيين أنا، والصدّيقين علي بن أبي طالب، والشهداء الحسن والحسين، والصالحين حمزة، وحسن أولئك رفيقا الأئمة الإثنا عشر بعدي. وترى الشيخ الكبير "أبو رافع يلاعب الحسين" تكريما له ولجده. ويحدثنا أحمد بن حنبل عن "الرفق بالحسين" حيث كان الحسن والحسين يثبان على ظهر الرسول (ص) وهو في الصلاة، فيرفق بهما. وفي يوم السبت السابع عشر من شهر ذي الحجة من السنة الثامنة للهجرة الموافق للثامن من نيسان/أبريل العام 620 م يدخل السرور قلب الحسين عند "ولادة الخال إبراهيم" من مارية القبطية. ويصعب على بعض المسلمين قبول "كرامة لأبي ذر" فيقول الرسول (ص) فيه: (لقد آمنت به أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين وكفاه بذلك فخراً).

يوميات السنة التاسعة
ويستوعب المقطع السابع، يوميات السنة التاسعة، الذي يستهل بيوم السبت الأول من محرم الحرام للسنة التاسعة الهجرية الموافق للثاني والعشرين من نيسان/أبريل العام 630 م، وفي هذا الشهر تقع "الوشاية الخسيسة" من شقي يخبر فاطمة بخطبة علي لبنت أبي جهل، فأخذت الحسن والحسين وزينب الى النبي وأعلمته بالوشاية، لكن المحقق الكرباسي مع إيراده الحدث يطعن في الرواية كليا ويخلص الى أنها من وضع الوضاعين ودسائسهم. ويسمع أنس بن الحارث الأسدي وهو من أصحاب الصُّفة نداء الرسول (ص) ودعوته الى "نصرة الحسين" فيطول به العمر ويحضر كربلاء المقدسة ويستشهد بين يدي سبط الرسول. وعند "عيادة العباس للرسول" أنبأه ابن أخيه (ص) عن حب الحسن والحسين. وعند "نزول سورة النصر" يستقرأ العباس موت الرسول (ص) فيؤيد الرسول (ص) استقراءه، ويرجو الحسن والحسين في قصة طويلة، عكاشة الأسدي أن لا يقتص من النبي (ص) فانكب على بطنه يقبله وهو يقول: فداك أبي وأمي. وجاء عبد الرحمن بن سمرة المدينة ماضيا في "البحث عن النجاة" ويخبره الرسول (ص) أن النجاة في التمسك بعلي بن أبي طالب (ع) اذا اختلفت الأهواء فهو: (زوج ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وإن منه إمامي أمتي، وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين..). ويقدم الكرباسي رسما تخطيطيا عن المسجد النبوي عند "سد الأبواب" إذ أمر الله بسد أبواب الصحابة وبقية أقربائه إلا باب علي وأقر مسكن فاطمة والحسن والحسين على حاله. ويجهز الرسول (ص) "سرية علي الى فُلس" فيعاهد البيت العلوي بالرعاية. وبلغ الرسول (ص) "حديث المنافقين" في أهل بيته، فيخطب في فضلهم: (أولهم علي بن أبي طالب وهو خيرهم وأفضلهم، ثم ابني الحسن ثم الحسين ثم فاطمة الزهراء، والتسعة من أولاد الحسين...). ويستظهر الكرباسي من "عناية الرسول بالحسنين" في قصة جميلة أن الحسن والحسين كانا يلبسان العمامة في مثل هذا العمر. ويخلف الرسول (ص) عليا (ع) على المدينة وهو في طريقه الى "غزوة تبوك" فيعظّم في عيون المسلمين منزلته وأهل بيته. وتدخل الفرحة قلب الحسين وأخيه الحسن وأخته زينب الكبرى بعد "ولادة الأخت أم كلثوم" يوم الخميس السادس عشر من شهر رمضان. ويشهد المسلمون حضور "وفد ثقيف وتوثيق الحسين" لكتاب الرسول الى مسلمي ثقيف حيث شهد عليه هو وأبوه وأخوه. وفي "الحسين وأم أسلم" من أسد بن ربيعة، تجد هذه المرأة التي وفدت على الرسول (ص) في قصة طويلة أن صفات الإمامة قائمة في الحسين (ع) كما قرأتها في كتب الماضين. ويجهز الرسول (ص) "سرية علي الى بني زبيد" فيتعاهد البيت العلوي بالرعاية. وينقضي شهر رمضان ويطلب الحسنان "هدية العيد" ولا يجدانها في البيت العلوي، فيأتيهما جبريل بحلتين. واخبر الرسول (ص) احد الصحابة "نزول الرحمة" على علي والحسن والحسين. ويذهب علي (ع) الى مكة من اجل "إبلاغ البراءة" ويرعى النبي البيت العلوي. لفت انتباه عروة البارقي "شم النبي للحسنين" فسأله عنهما، فقال (ص): (إنهما إبنا ابنتي وابنا آخي وابن عمّي وأحب الرجال اليّ ومن هو سمعي وبصري ..). ويتقدم الرسول (ص) ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين نحو "المباهلة" مع نصارى نجران، فيمتنعون عن المباهلة، وبعد فترة أسلموا. ولم يمض العام حتى نرى "الحسين يقود الإعرابي الى دار أبيه" في المدينة حيث كان علي (ع) قد ضمن قضاء حاجة الإعرابي وهو بمكة.

يوميات السنة العاشرة
ويستوعب المقطع الثامن، يوميات السنة العاشرة، الذي يستهل بيوم الأربعاء الأول من محرم الحرام، الموافق للعاشر من نيسان/أبريل العام 631 م، وفي هذا العام تزايدت الوفود على النبي، فأراد الأنصار والمهاجرون تقديم شيء لتخفيف العبء عن الرسول (ص)، ولكن الأمر الإلهي نزل بأن يكون أجر الرسول (ص) هو "المودة في القربى" في علي وفاطمة وولداهما الحسن والحسين، وهنا قال الرسول للمسلمين كما يستظهر المحقق: (أساس الأسلام حبي وحب أهل بيتي). ويسمع الرسول (ص) عن "مفاخرة فاطمة وعائشة"، فيقول: (يا عائشة أو ما علمت أن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وعليا والحسن والحسين وحمزة وجعفرا وفاطمة وخديجة على العالمين). وينقلنا ابن عباس وأبو رافع الى مجلس الرسول ليخبرانا عن "تحية أهل البيت". ويخبرنا جابر الأنصاري عن "طاعة أهل البيت" حيث التفت النبي (ص) الى المسلمين وقد أقبل علي والحسن والحسين: (أيها الناس إن الله سبحانه وتعالى باهى بهما وبأبيهما وبأمهما وبالأبرار من ولدهما الملائكة جميعا). ثم إن "المرض يعاود الرسول" وهو نائم والحسن عن يمينه والحسين عن يساره لا يبارحان المكان حتى يصحو الجد ويلعب معهما. ثم إن "الرسول يُؤكل سبطيه" وهو يقول: (كُلا هنيئا لكما ..). ولطالما كان "جبريل يداعب الحسين" فينتقل من حجر النبي الى حجر جبريل الذي كان ينزل بصورة الصحابي دحية الكلبي. وتتجدد أحزان الرسول عندما يسمع "رؤيا هند" جدة يزيد قاتل سبطه الحسين (ع). ويدخل النبي على فاطمة (ع) في بيتها المتواضع، ثم يسليها ويذكرنا أن الحسن والحسين "زينة العرش" وركنان من أركانه. ويطيب النبي قلب ابنته وزوجها وسبطيه ويخبرهم عن "إشتقاق أسمائهم" من أسماء الله الحسنى. ويدخل الحسن والحسين مجلس جدهما وعنده جبريل بصورة دحية الكلبي، فيناولهما المَلك "فاكهة الجنة" تفاحة وسفرجلة. ويسمع الحسين (ع) "حوار اليهودي" مع جده حول علامات نبوته، فيطلعه على خبره أهل بيته في التوراة فيصدّق المحاور قول النبي. ويقف الصحابة على "كرامة الله للحسنين"، فيُرى النبي وعلى عاتقيه الحسين والحسين، فينشد حسان بن ثابت: فجاء وقد ركبا عاتقيه   فنعم المطية والراكبان. ويموت ابراهيم بن النبي محمد (ص) "فداء للحسين". ويحل الحزن قلب الحسين عند "وفاة الخال إبراهيم"، ولكن النبي (ص) يضمه الى صدره ويرشف ثناياه وهو يقول: (فديت من فديته بابني إبراهيم). وفضّل النبي "الشفاعة لأمته" يوم القيامة في موت الحسن مسموما وموت الحسين مقتولا.

الذكرى السادسة للمولد
وتحل الذكرى السادسة لمولد الحسين (ع) في الخامس من شعبان العام 10 هجرية الموافق للسادس من تشرين الثاني/نوفمبر العام 631 م، ويُرى الحسين يدخل المسجد النبوي، فيستقبله جده ويجلسه في حجره وهو يقول باكيا: (بُعداً لمن يقتلك يا حسين لا رحم الله من يعين على قتلك).  ويستظهر المحقق أن "الشقيق محسن" سماه الرسول وهو في بطن أمه فاطمة لعلمه أنها ستسقطه في عصرة الباب قبل أن يولد. ويجهز الرسول (ص) "سرية علي الى اليمن" فيعاهد البيت العلوي بالرعاية التامة. ويمضي شهر رمضان والحسنان لا يملكان حلة جديدة، فيقدم رضوان الملَك لهما "هدية العيد" قميصان ودرّاعتان وسروالان ورداءان وعمامتان وخفّان أسودان معقبان بحمرة. وفي "حجة الوداع" خطب النبي في عرفات وقال: (يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي..). وفي "غدير خم" يؤمر النبي بأن يبلغ الرسالة والله سيعصمه من الناس، فيطالبهم بالتمسك بالثقلين، وعندما يسأل السائل عنهما، يقول (ص): (كتاب الله طرف بيد الله عز وجل وطرف بأيديكم فتمسكوا به، والآخر عترتي، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)، وعندها أخذ البيعة لعلي من جميع المسلمين نساءاً ورجالا، بما فيهم الصغار، مما يوحي أن الصغار لهم حق المشاركة السياسية كما الكبار. وبعد عودته الى المدينة أخذ النبي يعمل على "تكريس الولاية"، ويذكر المسلمين: (ألا وإني قد تركتهما فيكم: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فلا تسبقوهم فتفرّقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم..). ويسمع الرسول "مفاخرة الحسين لأبيه" فيدخل السرور في قلبه لعظمة الاثنين، ثم يعتنق علي ابنه وهو يقول: (زادك الله شرفا وفخرا، وعلما وحلما، ولعن الله تعالى ظالميك يا أبا عبد الله). وتدخل فاطمة (ع) في "حوار مع الحسين"، فيخبرها بعدها النبي في قصة طويلة عن اسم قاتل الحسين. ومن يريد معرفة "طريق الهداية" فليسمع النبي وهو يقول لأصحابه وقد دخل الحسن والحسين مجلسه: (هذان والله سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما، إن أخير الناس عندي وأحبهم اليّ وأكرمهم عليّ أبوهما ثم أمهما). واعلم أن "من ينكر فضلهم" فلا يزيده من الإسلام إلا ابتعادا. ويسأل الحسين (ع) جده (ص) عن "الأرحام والأوصياء" في تأويل قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، فيقول (ص): (والله ما عنى بها غيركم، وأنتم أولو الأرحام، فإذا متُ فأبوك عليّ أولى بي وبمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به ...).

يوميات السنة الحادية عشرة
ويستوعب المقطع التاسع والأخير من الفصل الأول، يوميات السنة الحادية عشرة للهجرة، الذي يقع مستهلها يوم الأحد الأول من محرم الحرام، الموافق للتاسع والعشرين من شهر آذار/مارس العام 632 م، وهذه السنة هي الأخيرة من حياة النبي الأكرم، وكان يكثر من بيان فضل أهل بيته، ويخبرهم مرة بعد أخرى أن الحسن والحسين "ابناه عترته"، ولكن كما أخبره الحق: إن طائفة من أمتك ستفي لك بذمتك في اليهود والنصارى والمجوس وسيخفرون ذمتك في ولدك، وإني أوجبت على نفسي لمن فعل ذلك ألا أُحله محل كرامتي ولا أُسكنه جنتي، ولا أنظر إليه بعين رحمتي يوم القيامة. ويجيب النبي (ص) على سؤال حذيفة بن اليمان أن "الأئمة من بعدي" عددهم :(عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين، أعطاهم الله علمي وفهمي، وهم خزّان علم الله ومعادن وحيه). وتدخل جماعة على الرسول وفيهم عمر بن سعد بن أبي الوقاص "قاتل الحسين" وقائد الجيش الأموي في الكوفة فيتغير وجه الرسول وحاله. ويسأل أُبي بن كعب الخزرجي نبي الإسلام كيف يكون "الحسين مصباح هدى" فيجيبه (ص): (يا أُبيّ والذي بعثني بالحق نبيا إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل: مصباح هدى وسفينة نجاة وإمام خير ويمن وعز وفخر وعلم وذخر...). ويدخل بعض الصحابة على النبي ويسألونه عن "الوصاية" من بعده فيشير الى علي ثم ابنه الحسن ثم الحسين والتسعة من صلب الحسين. ويخبرنا إبن عباس بشيء "من الوصايا" التي قالها النبي (ص) للمسلمين في فاطمة وعلي والحسن والحسين. ويواصل النبي يخبر صحابته عن "الخلفاء من بعده وفضائلهم" علي والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين آخرهم مهدي هذه الأمة القائم المنتظر. ويتحقق "إيمان نعثل" أحد علماء اليمن بعد أن أيقن أن قول النبي محمد (ص) في أوصيائه صدق. وسمع المقدام بن معديكرب الكندي قول النبي (ص) في سبطه "حسين من علي" بلحاظ الشبه الجسماني في القسم العلوي، كما يستظهر المحقق. وعند "مفاخرة أهل البيت" قال النبي لعلي وفاطمة والحسن والحسين: (أنتم مني وأنا منكم). ويحدث علي ابن عمه عبد الله بن عباس عن "رؤيا فاطمة" في ولديه الحسن والحسين. ويشدد النبي على ابن عباس "التمسك بالآل"، ويخبره بمقتل حفيده الحسين (ع). ويُسأل الحسين على صغره عن "تسبيح الحيوان" فيجيب عن لسان حال 52 حيوانا، ويدعمه المحقق بصور ملونة للحيوانات، مع شرح مفصل لكل حيوان من طائر او راجل أو زاحف. وأمر الرسول (ص) عليا (ع) "النداء في المدينة" فيعلمهم فضل أهل بيته. وينقل الحسين (ع) قصة "الشهادة بالولاية" وتسليم الصحابة على علي (ع) بإمرة المؤمنين. وقبل أيام من رحيله صعد الرسول (ص) المنبر "يخطب الناس في الحسين" ويبين لهم ما يحل على أمته وأهل بيته من بعده ومن ذلك مقتل ولده الحسين في كربلاء. وينقل الحسين قصة "ابن صياد الدجّال" وهو في محضر جده محمد (ص). وينفذ الرسول (ص) "جيش أسامة" لمقارعة الروم على الأطراف الشمالية لدولة الإسلام، والحسين يشاهد الاستعدادات والتجهيزات، وتخلف البعض عن ذلك. وعن "مرض النبي ووصاياه" نسمع وصيته في أهل بيته المرة بعد الأخرى. وقبل الرحيل يحصل "الاجتماع بالمهاجرين والأنصار" والحسين يشاهد تحركات جده ووصاياه للمسلمين ودعوته لأن يتمسكوا بالقران والعترة. ويخفف النبي (ص) عن "حزن علي" ويبشره بمنزلته يوم القيامة واللواء بيده حيث الحسن عن يمينه والحسين عن شماله. وتزداد وتيرة "زيارات فردية" يقوم بها كبار الصحابة للنبي في مرض الموت، ولا ينقطع الرسول (ص) عن الوصية بالقرآن وأهل بيته. وحيث حلَّ الخميس الرابع والعشرون من صفر "أربع قبل الرحيل" فان بعض الصحابة منع الرسول في هذه الليلة من كتابة الوصية فسماها ابن عباس رزية يوم الخميس، حيث أراد النبي (ص) كما يقول علي (ع) أن يسمي الخلفاء من بعده. وبعد صلاة الفجر "ثلاث قبل الرحيل" خطب النبي (ص) بالمسلمين وأشار عليهم التمسك بأهل بيته وبالقران الكريم. و"يومان قبل الرحيل" دخل سلمان وأبو ذر والمقداد وأبو أيوب الأنصاري على النبي (ص) فدعاهم الى التمسك بولاية علي والحسن والحسين (ع). و"يوم قبل الرحيل" يخطب الرسول آخر خطبة ويدعو المسلمين الى التمسك بالقرآن وبعترته الطاهرة. وفي "الليلة الأخيرة" يوصي النبي (ص) عليا (ع) أن يحضر معه فاطمة والحسن والحسين عند تجهيزه. وفي يوم الإثنين "يوم الرحيل واللُقى" الثامن والعشرين من صفر، يبشر النبي (ص) ابنته فاطمة (ع) ببشائر ويخفف من بكائها عليه، وكان كل من الحسن والحسين يناديان الرسول بقولهما: يا أبتي، حتى فاضت روحه الطاهرة (ص) وهو بين يدي علي (ع). ثم "وأخيرا" ينهي الحسين بفقد جده (ص) مرحلة هامة من مراحل حياته، ليتوقف عندها قلم المحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي، وليعرج بنا الى سماء الحسين في مراحله اللاحقة في الأجزاء الثمانية الباقية من السيرة الحسينية.

ملاحظات عامة
أولا: عاهد المحقق الكرباسي قراءه تقديم المعلومة موثقة بالتاريخ والصورة والجداول لتكون المعلومة أكثر هضما وفهما، يجعلنا نعيش اليوميات والوقائع على بعد أربعة عشر قرنا كأننا نعيشها اليوم ونتعايش معها، ولذلك نجد في هذا الجزء فضلا عن اليوميات الموثقة بالخرائط، جداول للوقائع والأحداث، وجداول بالسرايا التي أرسلها الرسول، وقائمة بالوفود التي وفدت على الرسول (ص)، وجدول بمعظم الغزوات والمعارك التي أمر الرسول بها والمتزامنة مع حياة الامام الحسين (ع)، وجدول الوثائق التي أصدرها الرسول أثناء بناء كيان الدولة الاسلامية.
ثانيا: لا يستغني المحقق عن تذليل المعلومة للقارئ بالفهارس المتنوعة، فنجد فهرس الآيات المباركة، الأحاديث والأخبار، الأمثال والحكم، الأعلام والشخصيات، القبائل والأنساب والجماعات، الطوائف والملل، الوفود، الجداول والخرائط، الوظائف والرتب، الآلات والأدوات، الإنسان ومتعلقاته، الحيوان ومتعلقاته، النبات ومستحضراته، الفضاء ومتعلقاته، الأرض ومتعلقاتها، المعادن، الأماكن والبقاع، الزمان، الوقائع والأحداث، التأريخ، مصطلحات الشريعة، المصطلحات العلمية والفنية، الفهرس اللغوي، المصادر والمراجع، المؤلفات والمصنفات، فهرس مؤلفي المراجع، بالإضافة الى فهرس محتويات الكتاب ومندرجاته.
ثالثا: إن قراءتنا ليوميات الحسين (ص) من منظار سيرة جده محمد (ص)، تجعلنا نؤمن أن الحسين على صغره عايش الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في المدينة خطوة بخطوة، وحسب تعبير المصنف: "أدرك مسائل الحياة: صغيرها وكبيرها، مرها وحلوها، خاصّها وعامها، فلم يضرب بينه وبينها حجاب، ولم يبتعد عنها لحظة، واكب الدين والدنيا، وزق العلم والثقافة والأخلاق والسياسة والحكمة زقا، لم يغب عنه أمر ولم يخفَ عليه شيء إنه من النبي والنبي منه.
رابعا: إننا نقرأ من خلال عدسة اليوميات في هذا الجزء والذي سبقه، جانبا من سيرة النبي الأكرم محمد (ص) وأهل بيته، ونطلع على جوانب من فضائل صحابته الكرام، ومكانتهم عند النبي (ص) وموقعهم من خارطة الإسلام.
خامسا: لا ينفك النبي (ص) يخبرنا عن المهدي المنتظر الذي سيخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا وقسطا بعدما ملئت ظلما وجورا.
سادسا: نستوحي من اليوميات، أن البيت العلوي لم يكن منغلقا على نفسه، بل كان وما يملك للمسلمين، وما أخبار تعب فاطمة (ع) من عجن الطحين وخبزه وسواد القدر، بسبب خدمتها لزوجها وأطفالها فحسب، وإنما لكثرة الطارقين بيتها يطلبون الطعام او المساعدة المادية، حتى نزلت فيهم سورة الدهر.
سابعا: نقرأ من خلال اليوميات، سبب نزول الآيات وتأويلها، بخاصة النازلة في أهل البيت (ع)، ولذلك فان السيرة الحسينية تنفتح على القرآن وعلومه من بابه الواسع.
ثامنا: تسلط اليوميات الضوء على جوانب مضيئة من شخصية سيد الشهداء الحمزة بن عبد المطلب حامل لواء الإسلام والمدافع عن دين الله، وشخصية سفير الإسلام السامي الى العالم الخارجي الشهيد جعفر بن أبي طالب.
تاسعا: إن اليوميات التي ساقها الكرباسي بأسلوب سلسل، تشكل في واقع الأمر مادة خصبة لرواد الفن المسرحي والتلفزيوني والسينمائي، كما إنها مادة خصبة لخطباء المنبر الحسيني، وبخاصة وان المحقق لم يمر على واقعة او يومية دون أن يُعمل فيها جهده من تدقيق وتمحيص.
عاشرا: لا نكاد ننهي قراءة أي جزء من أجزاء الموسوعة الحسينية دون أن نقرأ عنه رأيا أو عرضا أو نقدا لعالم من العلماء ومن جنسيات وأديان ومذاهب مختلفة.
 من هنا يؤكد الباحث الفلسطيني ومن الموحدين الدروز رئيس الكلية الأكاديمية العربية للتربية في حيفا، الدكتور نجيب نبواني وتحت عنوان (الرقم القياسي في العمل الموسوعي) على أننا في الجزء الثاني من السيرة الحسينية: "طالعنا العديد من سير الرجال في عصور التاريخ المختلفة، فلم نطالع سيرة أكبر ولا أعطر من سيرة سيد الشهداء الحسين بن علي كرم الله وجه، لقد كانت حياة هذا الانسان العظيم قصيرة ولكنها حافلة بجلائل الأمور وكان لها اكبر الأثر على الأجيال العديدة التي تعاقبت بعد مصرعه المروع والمؤلم في كربلاء" مثنيا على المحقق الكرباسي الذي: "حاول ناجحا التوقف عند محطات في حياة الامام الحسين محاولا إرجاع الحق الى نصابه ورد التاريخ الى محرابه من اجل إبراز الحقيقة الواضحة للأجيال القادمة".

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
alrayalakhar@hotmail.com




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home