القلم النقدي

 

المواقف المعلنة من اتفاق مكة بين الوهم والحقيقة

د. يوسف كامل ابراهيم



المواقف المعلنة من اتفاق مكة بين الوهم والحقيقة

بقلم/ الدكتور يوسف كامل إبراهيم
أستاذ جامعي - -فلسطين -غزة

من خلال استعراض مواقف الجهات المختلفة من اتفاق مكة سواء كان منها العربية والإسلامية أو الأوربية والدولية نجد أن الموقف الايجابي والمؤيد قد صدر وبشكل صريح ليس فيه لبس من الدول العربية والتي يتوقع الشعب الفلسطيني منها هذا الموقف، فموقف جميع الدول العربية تمحور عند الموقف المؤيد والمساند و الداعم لهذا الاتفاق والملاحظ من المواقف التي صدرت عن الدول العربية قد صدرت عن دول ما يسمى بدول محور الاعتدال ولا يمكن أن يكون هذا الموقف قد صدر بعيدا عن ضوء أخضر من أمريكا، وبالتالي يعتبر ذلك مقدمة وخطوة أولى لما سعت إليه رايس في جولتها الأخيرة من دعم لتشكيل محور الاعتدال وإعطاء دور إقليمي لدول هذا المحور خاصة وأن الموقف الصريح والعلني قد صدر عن الأردن ومصر ودول الخليج والمملكة المغربية، ومن المحتمل أن الضوء الأخضر الذي أعطى للملكة العربية السعودية لإنجاح هذا الحور إنما هو مقدمة وتهيئة لأجواء المنطقة قبل زيارة رايس الجديدة لها والتي قد تأتي لتمهد وتسرع الخطوات باتجاه توجيه ضربة لإيران والتي كان لها موقف ايجابي من الاتفاق الى جانب موقف سورية والتي تحسب على دول الممانعة في المنطقة، يعتقد أن هذا الموقف الايجابي من كل من إيران وسورية قدر صدر من قبيل أشعار القوى الفلسطينية أنها لن تتخلى عن دعمها للقضية الفلسطينية وأنها تقف إلى جانبها وأنها إلى جانب المصلحة الفلسطينية بغض النظر عن المكان أو الجهة المحسوبة عليها السعودية التي رعت الاتفاق، ولكن الشعب الفلسطيني لا يتمنى من الأمة العربية والإسلامية أن يقف موقفها عند حدود المؤيد أو الراعي لهذا الاتفاق ، ولكن يتطلع الشعب الفلسطيني أن تفرض الدول العربية أرادتها في فرض الاتفاق وتبعاته على الاتحاد الأوربي والأمم المتحدة والتي ظهر موقفها بالموقف الباهت والمرهون بالموقف الأمريكي والإسرائيلي حيث لم يتعدى الموقف الأوربي حدود الموقف المؤيد والمشروط، وعلى رأس هذه الشروط الاعتراف بإسرائيل، فالموقف الأوربي في هذه المرة موقفا غير واضح المعالم على الرغم من صورته الظاهرية المؤيدة للاتفاق ، فالموقف بقى عند حدود المؤيد لتشكيل حكومة الوحدة والوقوف الى جانب المصالحة الفلسطينية ولكن هذا الموقف لم يكن موقفا واضحا اتجاه الحصار الاقتصادي والسياسي بل أشترط الموقف الأوربي رفع الحصار السياسي والاقتصادي بضرورة تطبيق شروط الرباعية ،وكأنه لم يحصل شيئا جديدا فهذه الشروط هي نفس الشروط التي طلبت من الحكومة التي شكلتها حماس، وحتى لا يكون هذا الاتفاق شأنه في ذلك شأن جميع المبادرات والاتفاقيات التي طرحها الطرف العربي وأن تبقى هذه المبادرات حبر على ورق وعلى رأسها المبادرة العربية التي طرحها الملك عبد الله في اجتماع القمة العربية في مارس 2002 ، فإن ذلك يتطلب إرادة عربية موحدة تفرضها هذه الدول على دول الاتحاد الأوربي ، ويمكن بلورة هذه الإرادة والموقف العربي الواضح خلال القمة العربية المرتقب عقدها في السعودية راعية الاتفاق مارس القادم ،
أما موقف الأمم المتحدة والذي صدر عن أمينها العام (بان كي مون) خلال والذي أثنى فيه على جهود الملك عبد الله ورعايته هذا اللقاء وأعرب فيه عن سعادة الأمم المتحدة وترحيبها بهذا الاتفاق وبأنه سيعمل ما في وسعه لمتابعة نتائجه للفلسطينيين والمنطقة، وقد يكون هذا الموقف جيدا ولكن لا يخرج عن حيز موقف المشاعر والوجدان ومن الممكن أن يتعدى ذلك من خلال حث الدول على رفع الحصار السياسي والاقتصادي وتقديم المساعدة المباشرة للحكومة الجديدة ومن الممكن أن يساعدها في ذلك الموقف الروسي والموقف الأوربي ، ولكن مما تعودنا عليه أن يبقى موقف الأمم المتحدة مرهون بالموقف الأمريكي وأن تبقى مواقف الأمم المتحدة حبيسة الأدراج حتى تسمح لها الإدارة الأمريكية بالخروج لحيز التنفيذ

  أما الموقف الأمريكي والإسرائيلي من الاتفاق فكان موقفا واضحا لا تغيير فيه عن المواقف السابقة ولكن كان هناك هامش صغيرا أبقته الولايات المتحدة الأمريكية والإسرائيلية في مواقفها وهي أنها ستقوم بدارسة الاتفاق دراسة معمقة ومن ثم سيكون الموقف الرسمي وقد يستدل من ذلك أن هذا الهامش عبارة عن أداة ضغط على جميع الأطراف لتقديم تنازلات أكثر وخاصة من الطرف الفلسطيني وإتاحة الفرصة للطرف الراعي للاتفاق بممارسة مزيدا من الضغط على حماس للقبول للتعايش مع شروط المجتمع الدولي ، فالموقف الأمريكي والإسرائيلي الظاهري وقف عند حدود ضرورة تطبيق الحكومة الجديدة للشروط الدولية ومنها أن تعترف حكومة الشعب الفلسطيني بدولة الاغتصاب الصهيوني ونبذ المقاومة والاعتراف بالاتفاقيات التي وقعت مع إسرائيل ، فموقف واشنطن وتل أبيب من اتفاق مكة وقف عند حدود ضرورة التطبيق الحرفي للاشتراطات الدولية التي طلبتها الرباعية من الحكومة التي شكلتها حماس، ولكن الخوف  من بعد ذلك أيضا من مدى تأثير هذا الموقف على مواقف العديد مِن الدول الإقليمية والدولية والوصول إلى حالة ركوع وانصياع من هذه الدول الإقليمية والدولية وراء الموقف الأمريكي والإسرائيلي والوصول إلى تفريغ اتفاق مكة من مضمونه والساعي إلى رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني  وإبقاء الشعب الفلسطيني على حالة من الحصار الاقتصادي والسياسي وعدم قدرة وصول الدول العربية والمؤيدة للاتفاق إلى مربع التنفيذ كما حصل سابقا عندما اتخذ وزراء الدول العربية موقف فك الحصار عن حكومة الشعب الفلسطيني المنتخبة ولم يستطيعوا تنفيذ ذلك ، وكذلك الحال مع الكثير من الدول العربية والإسلامية التي رغبت في فك الحصار عن الشعب الفلسطيني وتقديم المساعدة للشعب الفلسطيني ولم تستطع فعل ذلك بسبب الضغط الأمريكي والتخويف لها ، فالموقف العربي والإسلامي قد يغلب عليه الموقف الحقيقي والصادق الراغب للشعب الفلسطيني أن يتخلص مما يعاني منه أما الموقف الأوربي فقد يكون وقف بين الحقيقة والوهم أما الموقف الأمريكي والإسرائيلي فقد طغت عليه الصورة الوهمية فالولايات المتحدة الأمريكية، في الحقيقة غير منشغلة في الملف الفلسطيني، رغم التحرك الذي تقوم به وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، بسبب انشغالها في الملف العراقي والملف النووي الإيراني والأفغاني، وقد يكون الهامش البسيط التي تركته الولايات المتحدة لدول الاعتدال في المنطقة التحرك فيه إنما فقط للتنفيس عن الاحتقان الذي يتربع على المنطقة جراء السياسة الأمريكية ولإتاحة الفرصة أمام الإدارة الأمريكية للتعامل مع إدارة الملف العراقي والإيراني والأفغاني بمرونة وسهولة أكثر مما سبق




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home