القلم النقدي

 

توهم العلم

عبدالله الباكري



 توهم العلم

عبدالله الباكري


من أهم الإعاقات التي تواجه الثقافة العربية أنها تتوهم العلم في ثقافتها ، فالإرتجال من أهم ما يميز الأفراد العرب ، والنطق بغير ترو أو تفكير ، يكاد يلازم كل أفواهنا وألسنتنا ، وأما الإنصات للمتكلم فيكاد ينعدم بيننا ، فما إن يتحدث المخاطب إلا ويبدأ الحوار من هنا وهناك ، مناقشات دون وعي وحوار دون إدراك

كل يدعي الوصل بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا


إننا لم نشارك – لا من قريب ولا من بعيد – في علوم العصر الحديثة ، وكل ما نتفاخر به هو من نتاج غيرنا ، وإن تأملت متعلمينا المتخصصين في العلوم الدقيقة ستجدهم يقبلون على العلم كارهين له غير راغبين فيه ، لأن ثقافتهم المغلقة تحكم عليهم الإتيان بالشهادة على أي وجه كان ، وبمجرد تحقيق الأمنية ستأخذ المعلومات سبيلا سهلا لغياهب النسيان ، وما أن تمر مجموعة من سنين العمر حتى تجد فجوة كبيرة بين التخصص وصاحب الشهادة ، والسبب واضح غياب لذة العلم وانعدام الثقافة الحاضنة للبحث والتقصي 0


إن ثقافتنا تملي علينا دائما إصدار الأحكام دون روية أو تحقق في الأمر ، وكيف وهي تستند على أساس المشافهة وتقام على مبدأ الإرتجال ، ففي الأبحاث العلمية – وهي السبيل الذي قاد البشر للفتوحات العلمية – وجد العلماء تناقضا شديدا بين البديهيات والحقائق العلمية التي توصلوا إليها ، وهذا برهان ساطع على أن سياسة البحث العلمي لا تقام على توهم العلم ولا تؤسس على الخيال السلبي وإنما تتمركز على الإستقصاء وتدوين النتائج ومقارنة الاوضاع ومشاركة فريق العمل ويتم ذلك عبر البناء العلمي ، أن البداية تكون من حيث ما انتهى إليه الآخرون مع عدم التسليم بأن ماتوصلوا إليه هو لب الحقيقة وجوهر الصواب ، فمحور العملية تدور على التجربة والتقصي لا على التسليم والقواعد ، وذلك دون إغفال للخيال الإيجابي والذي قاد لكثير من الفتوحات التنموية والثورات العلمية 0


في تجارب القرن العشرين أثبت الحال أن التعليم النظامي العام – لا يؤدي حاجة الأمم والشعوب في الرقي وإنتاج العلوم التقنية ، وإن مدارس الأبحاث المختلفة هي التي تنتج وتطور العلوم وتخرج العلماء والباحثين ، ونحن في البلاد العربية نواجه الأمرين في هذا الأمر ، فالمراكز العلمية للأبحاث لا تتلقى الدعم المادي ولا حتى المعنوي ، والمتعلم مقيد بثقافته التي تسيره للتخرج والبحث عن وظيفة ولا تحبب له العلم وشغف المعرفة ، ومن سوء الطالع لهذه الأمة أن بعض الدراسات التي أجريت حول الموظفين الحكوميين أن 70 % منهم يعمل في غير تخصصه الأكاديمي ، وأن السواد الأعظم منهم من يمتهن مهنة التدريس ، وما أدراك ماهذه المهنة التي تخرج الأجيال القادمة والذين نعول عليهم الكثير ، إنني أقول إن إشكالياتنا في التنمية والتطور هي إشكاليات مركبة ومعقدة تحتاج لفك وإعادة تأسيس وأول ما نبدأ به ثقافتنا القابضة والمهيمنة علينا بشدة


هناك أبحاث متميزة لدى بعض باحثينا العرب وفي مجالات مختلفة ، ولكنها صدى في صحراء ، حيث أنها جهود متميزة لأفراد معدودين وليس لجماعات أو فرق عمل ، ومن ثم كل بحث وإن بلغت جودته ما بلغت من الإمتياز فإنه لا يبنى على بحث قبله ولا يبتني عليه بحث بعده ، فغياب روح الفرق العلمية تجعل التقدم لدينا أفقي يؤخذ عليه التكرار وعدم التجانس فيما بينها ، فالتقدم الذي يخترق المألوف ويخرج العباد والبلاد من ظلمة الجهل إلى إشعاع العلوم والمعارف إنما هو تقدم رأسي ، يبنى بعضه فوق بعض ، يبدأ الباحث فيه من حيث ما انتهى إليه الآخرون ، وهكذا وهكذا وسبحان الله تعالى القائل ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) إن المتأمل في حال هؤلاء الغرب يجد كأن هذه الآية القرآنية نصب أعينهم يتأملون فيها ليلا ونهارا ، ونحن ونحن أحق بها منهم بعيدون كل البعد عنها




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home