مقال

 

النسر الأسود قراقوش

سيد يوسف



النسر الأسود قراقوش

(سيرة رجل راح ضحية الأدب )

سيد يوسف

 

فى موعد مع رجل شهد ثقاة التاريخ بأنه صلب، ذو كفاية ومهارة واقتدار عسكرى أصيل، قائد جدير بتبوء ما تبوأه من قيادة لكنه راح ضحية الأدب المفترى عليه، تكون هذى الكلمات فى حق النسر الأسود، والمهندس القدير، قراقوش .

 

يشيع بين عوام الناس أنه حاكم ظالم مستبد وضربوا به المثل فى الجدية فقالوا( ولا حكم قراقوش) محرفين معناه من الجدية إلى الظلم والاستبداد، وقد رسخ هذا المفهوم ما تناولته مواد الأعمال الأدبية سواء كانت بهدف الترويح أو التشويه كما سيأتى.

 

اسمه ولقبه

 

هو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي الملقب بهاء الدين ( - 597هـ) كان خادم صلاح الدين الأيوبي وقيل خادم أسد الدين شيركوه، عم صلاح الدين، فأعتقه.

 

لما استقل صلاح الدين بالديار المصرية جعله زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوّض أمورها إليه، واعتمد في تدبير أحوالها عليه. كان رجلاً  حسن المقاصد، وصاحب همة عالية، فآثاره تدل على ذلك كما يتضح من أعماله وجهوده كما سيأتى.

 

وكلمة قراقوش تعنى فى اللغة التركية النسر الأسود( العقاب) وهو أحد قواد صلاح الدين الأيوبي كان من أخلص أعوانه وأقربهم إليه، كان جنديا أمينا، وقائدا مظفرا، وكان مهندسا حربيا منقطع النظير.

 

من سماته

 

كان مثالا كاملا للرجل العسكرى الذى إن تلقى أمرا أطاع بلا معارضة ولا نظر ولا تأخير، وإن أمر أمرا لم يرض من جنوده بغير الطاعة الكاملة، وكان أعجوبة في أمانته، وشدة إخلاصه، وكان محل ثقة.

 

ومما يروى فى تعضيد ذلك أنه لما أحس الفاطميون بقرب زوال ملكهم شرعوا يعبثون بنفائس القصر ويحملون منها كل ما هو نفيس ، وكان القصر مدينة صغيرة كدس فيها الخلفاء الفاطميون(ويقال إنهم ليسوا -على التحقيق - من الفاطميين) خلال قرون من التحف والكنوز والنفائس مالا يحصيه العد، فوكل صلاح الدين القائد قراقوش بحفظ القصر فنظر فإذا أمامه من عقود الجواهر والحلي النادرة والكؤوس والبسط المنسوجة بخيوط الذهب ما لا مثيل له في الدنيا، هذا فضلا عن العرش الفاطمي الذي كان من أرطال الذهب ومن نوادر اليواقيت والجواهر ومن الصنعة العجيبة ما لا يقوم بثمن، وكان في القصر فوق ذلك من ألوان الجمال في المئات والمئات من الجواري المتحدرات من كل أمم الأرض ما يفتن العابد، فلا فتنه الجمال ولا أغواه المال، وفّى الأمانة حقها ولم يأخذ لنفسه شيئا ولم يدع أحدا يأخذ منها شيئا.

 

ومما يروى عنه أيضا لما أخذ صلاح الدين مدينة عكا من الفرنج سلمها إليه، ثم لما عادوا واستولوا عليها وقع أسيرًا في أيديهم، وافتك نفسه منهم بعشرة آلاف دينار في سنة (588هـ)، ففرح به السلطان فرحًا شديدًا، وكان له حقوق كثيرة على السلطان وعلى الإسلام والمسلمين، واستأذن في المسير إلى دمشق ليحصل مال إقطاعه فأذن له.

 

من أعماله

 

* أقام أعظم المنشآت الحربية التي تمت في عهد صلاح الدين فهو الذى بنى السور المحيط بالقاهرة، ومصر وما بينهما، وبنى قلعة الجبل، وبنى القناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام، وعمر بالمقس رباطا، وعلى باب الفتوح بظاهر القاهرة خان سبيل، وله وقف كثير لا يعرف مصرفه.

* كما أقام سور القاهرة وأقام فيه الجامع وحفر البئر العجيبة في القلعة.

* وأصلح الخلاف بين ورثة صلاح.

* وقام على وصاية ابن العزيز الأيوبى وقد كان فى التاسعة من عمره فكان عادلا حازما أمينا أصلح البلاد ورضى عنه خلق كثيرون كما تروى كتب التاريخ.

 

كيف شوهت صورة قراقوش؟

 

عادة حين يعرض الأدب شخصياته، ويعرضها التاريخ فإن الشخصية الأدبية هى التى تبقى محفورة فى ذهن الناس، كما انه عادة حين يعرض الأدب شخصياته فهو لا يلتزم الدقة الكاملة لأبعاد درامية مثلما يعرضها ثقاة المؤرخين  ....ويمكننا أن نستأنس بالاستشهاد ها هنا بشخصية السيد أحمد عاكف المعروف فى روايات نجيب محفوظ ب( سى السيد) يقول نجيب محفوظ عنه أنه كان شخصية حقيقية وكان موظفا بالجامعة وبالتحديد فى إدارة الجامعة وقرأ الرواية بعد صدورها ولم يعرف نفسه، لم يعرف قط أننى استوحيت بطل الرواية منه هو... كان يظن أنه يعرف كل شيء فى مصر، وكان لديه البكالوريا فقط (تشبه الثانوية العامة) ويظن انه جمع علوم الدنيا كلها ، كان أرعن وسطحيا .

 

ورغم ذلك فإن شخصيته الواقعية نُسيت لأن العمل الأدبي يحيلها إلى شيء آخر، بل لا يعرف تاريخيا إلا طبقا لتسجيل الأديب.

 

وهكذا نعرف أن الأدب هو الذى جنى على صاحبنا وقصة ذلك أن كان لصلاح الدين كاتب بارع وأديب طويل اللسان، يسمى ابن مماته، كان موظفا في ديوان صلاح الدين وكان الرؤساء يخشونه ويتملقونه بالود والعطاء ولكن قراقوش طبعت نفسه على مقت الملق وهو لا يعرف المداراة فلم يعبأ به ولم يخش شره، ولم يدر أن سن القلم أقوى من سنان الرمح، وأن طعنة الرمح تجرح الجرح فيشفى أو تقتل المجروح فيموت أمام طعنة القلم فتجرح جرحا لا يشفى ولا يريح من ألمه الموت…فألف ابن مماتي رسالة صغيرة سماها" الفافوش في أحكام قراقوش"

ووضع هذه الحكايات ونسبها إليه...وصدقها الناس...ونسوا التاريخ...ومات قراقوش الحقيقي وبقي قراقوش الفافوش كما مات السيد أحمد عاكف الحقيقى وبقيت شخصية (سى السيد) الأدبية.

 

ملاحظات وخاتمة

ترى بم يقف الظالمون بين يدى ربهم وقد ظلموا تاريخنا؟ أم ترى كيف قال القائلون فى قراقوش ما ليس فيه من ظلم واستبداد؟ كيف استباحوا لأنفسهم الخوض فى عرضه؟ ترى كم من رجال أمتنا وهم مظلومون؟

 

أهالوا التراب على رموز نقية...وأحيوا نماذج تافهة لا ترتقى بسيرتها أمة، وما عيسى العوام ، ومحمد فريد وجدى، ويزيد بن معاوية عنا ببعيد، فى أمة النبى محمد صلى الله عليه وسلم من يجتهد لتصحيح تلك الأغاليط عسى الله أن يفيد بهم الإسلام والمسلمين .

 

سيد يوسف




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home