مقال

 

كيف عاد شي غيفارا إلى أمريكا اللاتينية ؟

محمد نبيل



 كيف عاد غيفاراإلى أمريكا اللاتينية؟

محمد نبيل *

تتحرك العديد من بلدان أمريكا اللاتينية في صمت على المستوى السياسي و الاجتماعي، حيث ينتشر الخطاب اليساري و تزداد الدعوات إلى التغيير و التنمية. ويعد هذا التطور محط اهتمام و مساءلة تدعو إلى القيام بوقفة متأنية لفهم الحركية التي تشهدها هذه البلدان وأبعادها المختلفة. ترى ماذا يحدث في بلدان جنوب القارة الأمريكية و ما معنى عودة الخطاب اليساري اليوم إلى عدد من الدول بعد فترة الحكم العسكري ؟

 

لولا داسيلفا  أو كيف تحول ماسح الأحذية إلى رئيس لدولة البرازيل؟

لم يذرف الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا دموعه كعادته ،بل اكتفى فقط بالتعبير عن سعادته إثر فوزه الساحق بفترة رئاسية ثانية مدتها أربع سنوات ،وذلك بفضل تفويض شعبي سمح للرئيس لولا بانتزاع النصر في دورة انتخابية يخوضها للمرة الخامسة في حياته السياسية. فلولا دا سيلفا حظي بدعم شعبي كبير نظرا لبرنامجه الانتخابي الذي تعهد فيه بتحسين المستوى المعيشي للفقراء من خلال رفع الرواتب وتخفيض الضرائب وخلق المزيد من فرص العمل. لولا المشهور عالميا بكونه أول رئيس للبرازيل قادم من الطبقة العاملة، صرح بأن فوزه في الانتخابات يعد انتصارا لكل البرازيليين بل أضاف قائلا:«سيكون للفقراء الأفضلية في حكومتنا».

 

وحصل لولا الذي بدأ حياته كماسح للأحذية على 60.83 بالمئة من الأصوات في انتخابات يوم التاسع و العشرين من أكتوبر تشرين الأول في حين حصل منافسه جيرالدو الكمين حاكم ساو باولو السابق الذي ينتمي لحزب الديمقراطية الاشتراكية ،على 9 ,39 بالمئة من الأصوات و بالتالي يكون لولا قد توصل بالهدية التي طلبها من أنصاره الذين قدموا يوم السابع و العشرين من أكتوبر تشرين الأول لمقر رئاسته قصد تهنئته بعيد ميلاده الواحد والستين.

 

سيرة هذا الزعيم تختزلها معاناة طفل مسحوق ورجل نجا من بؤس الشمال الشرقي للبرازيل، ، سار كل الطرقات الشائكة، وجابه العراقيل الجمة. رفض الظلم الاجتماعي الذي تعانيه البرازيل، وأصبح عضوا في نقابة العمال، ومن ثم رئيسا لأكبر نقابة أخصائيي التعدين. ترى كيف استطاع لولا الطفل الفقير وماسح الأحذية بضواحي ساو باولو التسلق حتى وصل إلى رئاسة دولة من حجم البرازيل ؟ وما موقع فوزه في انتخابات بلاده من إعراب سياسة أمريكا اللاتينية ؟

 

لولا، الطفل الذي تأثر بأمه!

ولد لويس ايناسيو لولا دا سيلفا يوم السابع و العشرين من أكتوبر تشرين الأول عام  1945 بكارانهونس الواقعة في ولاية برنامبوكو الفقيرة والموجودة شمال شرق البرازيل. ولولا تعني في اللغة البرتغالية الكالمار أوالحبّارة ،وهو نوع من السمك ينتمي إلى الرخويات. وقد تبنى الرئيس هذا الاسم عام 1982 لأسباب انتخابية .

 

ويعد لولا الطفل السابع لعائلته المتكونة من ثمانية أطفال. هاجر أبوه اريستيديس إناثيوداسيلفا إلى مدينة ساوباولو بدعوى البحث عن عمل ،في الوقت الذي كان فيه لولا في بطن أمه  اوريديس فريرا دي ميلو  . وبعد احدى عشر سنة وبالضبط عام 1956 ،قررت الأم اوريديس أن تبيع الأرض و كل ما تملك و تهاجر رفقة أبنائها بحثا عن زوجها بساوباولو وهربا من الفقر . سفر الأم دام 12 يوما على متن حافلة أوصلتها إلى مدينة ساوباولو حيث ستكتشف أن زوجها متزوج من امرأة ثانية و هي ابنة عمها . كان الحدث بمثابة صدمة قلبت حياة الأم رأسا على عقب و تركت آثارا سيئة في نفسية لولا. هذا الأخير تلقى تربيته الأساسية على يد أمه التي كانت تحاول التأثير عليه باستمرار.

 

اوريديس فريرا دي ميلو قررت رفقة أبنائها كراء غرفة توجد داخل حانة  بحي ليبيرانكا الفقير.  فالكثير يعتقد أن المضاعفات الوخيمة لمرحلة انفصال الأم عن أب لولا  اريستيديس ساهمت بشكل كبير في تكوين شخصية الرئيس الذي يحكم دولة تعد القوة الاقتصادية الـ13 على المستوى العالمي، كما يصل تعداد سكانها إلى 180 مليون نسمة. فهو يعترف بعظمة لسانه أنه تعلم الكثير من الدروس من والديه و خاصة من أمه. يقول لولا : «لقد علمتني أمي كيف أمشي مرفوع الرأس ، وكيف أحترم نفسي حتى يحترمني الآخرون».

 

ولولا لا يخجل عندما يتحدث عن ماضي عائلته ، فهو الذي قال خلال حفل عشاء  أقيم بالعاصمة برازيليا  على شرف الرئيس جاك شيراك في شهر مايو المنصرم ،بأنه ينتمي لأبوين ظلا أميين حتى وفاتهما . أب لولا كان يحس بالترف وهو يشتري جريدة ليحتفظ بها طيلة يوم عمله ،بالرغم من أنه لا يستطيع فك رموز أبسط كلماتها.

 

من ماسح الأحذية إلى زعيم نقابي !

المشهد المحزن الذي يظل مرسوما في ذاكرة لولا هو حين احتشد أفراد أسرة لولا و البؤس يكسو ملامحهم، يناقشون حالهم بعد أن هرب والدهم غير المسئول مع فاتنة برازيلية شقراء ظهرت فجأة في حياته. استقر اجتماعهم التاريخي على الرحيل رفقة الأم ولولا الذي لم يكن يتجاوز عمره سبع سنوات للبحث عن الأب الهارب في مدينة ساو باولو بعد أن أكدت آخر التحريات أنه هناك. لكن المفاجأة كانت هي تنكر والدهم لهم ولباقي إخوتهم بل قام بطردهم أمام الجيران.

 

لولا يبدأ دراسته لكنه يتوقف عن التحصيل في مستوى الخامسة من التعليم الأساسي.

و منذ تلك اللحظات العصيبة بدأت مسيرة لولا من ماسح أحذية يأتي بلقمة العيش لأمه وإخوته إلى انتهى به الأمر سيدًا للقصر الرئاسي. حمل لولا ابن السابعة صندوق الأحذية، حيث سيحصل على أول مدخول مادي له من هذه الحرفة ،ثم عمل بعدها صبيا بمحطة بنزين،ثم خراطا، وميكانيكي سيارات. لم تنته معاناة لولا عند هذا الحد بل اشتعل كبائع خضار، وبعدها حاجب في مكتب وعامل بأحد المحلات الخاصة بالصباغة، لينتهي به هذا الحال المتعب كمتخصص في التعدين بعد التحاقه بمعمل فيس ماترا وحصوله على مقعد للتكوين مدته ثلاث سنوات.

 

ونتيجة للأزمة التي حدثت بعد الانقلاب العسكري الذي وقع بالبرازيل عام 1964،غير لولا عمله مرات عديدة . وظل لولا يطوف على كافة طوائف وحرف الأشغال الشاقة حتى خبر كل دروب البرازيل وخاصة عالمها السفلي.وقد دفعته الفاقة إلى التنقل بين عدة مراكز و معامل ،مما سمح له بخلق علاقات مع الفعاليات و الأوساط النقابية بساو باولو . وتقول المصادر أنه في أوائل عشرينياته ،دخل لولا العمل النقابي من باب المشاكسة، لكنه تفوق فيه لتمتعه بخصلتين: الأولى قدرته اللامحدودة على الانصات للآخرين وتفهم مشاكلهم، والثانية قدرته الاستثنائية على التفاوض .وبفضل أخيه خوصي فريرا دي سيلفا والملقب بالأخ شيكو استطاع لولا أن يحتل منصب نائب رئيس  نقابة عمال الحديد جنوب ساوباولو بدلا من أخيه الذي انسحب من منصبه عام 1967. و في عام 1978 انتخب لولا رئيسا للنقابة التي كانت تضم آنذاك 100 ألف عامل ،مؤسسا ـ بكسر السين ـ توجها نقابيا جديدا.

 

ومن داخل نقابته العمالية، سيحقق لولا ثورته السياسية و ذلك بتأسيس أول حزب عمالي في العاشر من فبراير من عام 1980 رفقة العديد من المثقفين و السياسيين الذين يمثلون الحركات الاجتماعية البرازيلية. وفي نفس العام ،سيتم اعتقال لولا إلى جانب عدد من رفاقه النقابيين ،وسيزج به في السجن لمدة شهر  بسبب الإضرابات التي قامت بها النقابة العمالية الذي أسسها لولا  والتي دفعت السلطات الفدرالية إلى التدخل ضد زعمائها و من بينهم الزعيم لولا .

 

لولا الذي لم ينس سنوات الجوع و الأمية !

لم ينس الرئيس البرازيلي سنوات طفولته و الجوع الذي عاشته أسرته وأمه على الخصوص. فبداية المحنة كانت منذ أكثر من خمسين عامًا في أحد أكواخ الشمال البرازيلي الفقير، حين رمى الأب كل العائلة التي عانت من الجوع و الفقر المدقع.  أما عقدة أبويه الأميين ،فمازالت تؤرقه لحد الساعة، بل حفزته على أكثر إلى التصدي إلى هذه الظاهرة .والمبادرة الشجاعة التي أطلقها لمحاربة الجوع بالاشتراك مع المملكة الأسبانية وجمهورية تشيلي ،تعد نقطة هامة في سجل الرئيس السياسي و تستحق كل الاهتمام على المستوى الدولي. فلولا يريد أن يضع حدا للمجاعة التي يسببها الجفاف في مناطق كثيرة في الجنوب و للأمية التي تنخر جسد المجتمع البرازيلي. الرئيس يحمل مسؤولية محاربة الجوع الذي يمس 50 مليون من سكان البرازيل لكل أفراد الشعب.

 

ويعد لولا الرئيس الأكثر نشاطا لمحاربة الجوع عالميا، حيث اقترح تمويل برنامج لمكافحة الفقر من خلال فرض ضريبة على مبيعات الأسلحة في العالم. وبرر الرئيس البرازيلي مقترحه في قمة جنيف المنعقدة في شهر يناير عام 2004، بكون خسائر الجوع لا تقل خطورة عن أسلحة الدمار الشامل. هذا الاقتراح لم يكن مجرد فكرة طرأت فجأة في ذهن لولا ،بل الحكاية تعود إلى حفل رقص فيه لولا وحضره 100 ألف مشارك في المنتدى الاجتماعي في بورتو أليجري. كانوا  يغنون اسمه على طريقة الروك آند رول، وبعدها أعلن الرئيس أمام الحاضرين أنه ذاهب إلى منتدى دافوس ليجالس زعماء بلدان الشمال الغنية . وهناك أطلق لولا فكرة المعاهدة العالمية لمكافحة الجوع. فهذه الأخيرة، تعد محورًا أساسيًا في سياسته الاجتماعية عبر تبنيه لبرنامج حكومي يستغرق أربعة أعوام، ويحمل اسم مشروع "الجوع صفر".

 

لولا يعرف جيدا أن مشاكله الكبرى لن تحل بعصا سحرية خارجية ، لذلك فقد قال لصحيفة لوموند الفرنسية ، بأنه من الضروري أن تحل البرازيل مشاكلها بنفسها اعتمادًا على مواردها الصناعية والزراعية. ففي ظل العولمة لن يعير أحد اهتمامًا بطفل يموت جوعًا في البرازيل أو بملايين العاطلين عن العمل. ويضيف: «هذه مشكلتنا، ويجب علينا أن نطرحها على الطاولة، ولدينا حلول لها».

 

عائلة الرئيس !

لم يكتب للرئيس أن يعيش مع زوجته الأولى ،السيدة ماريا دي لوغت داسيلفا التي أصيبت بفيروس التهاب الكبد ،مما أدى بها إلى الموت رفقة جنينها عام 1970. لولا  يتزوج المرأة الثانية ، ماريزا ليتسيا لولا داسيلفا التي التقاها خلال عمله داخل النقابة . و تعتبر الصحافة و المهتمين بالشؤون البرازيلية ماريزا ليتسيا ،السيدة الأولى في البرازيل التي ظلت ترافق  لولا منذ زواجهما عام 1974 وأنجبا خمسة أبناء ،ماركوس كلاوديو 35 سنة، لوريان 33 سنة، فبيلة لويز 32 سنة، سانترو لويس 27 سنة، وأخيرا لويس كلاوديو 21 سنة.

 

هل يريد لولا بالفعل كسب ود العرب ؟

رغبة الرئيس لولا في توطيد علاقاته مع العالم العربي تظل متميزة بالمقارنة مع سياسة بلده طيلة عقود من الزمن.  فخلال زياراته لبعض البلدان العربية عبر لولا عن إرادته في تأسيس جسر يربط البرازيل والعالم العربي. و كمثال على ذلك، أطلق لولا فكرة عقد قمة برازيليا خلال جولته في الشرق الأوسط في ديسمبر عام 2003 . وحسب العديد من المراقبين يريد الرئيس البرازيلي كسب ود العرب لأسباب عديدة و على رأسها ،شعوره بان العرب ينتمون هم كذلك إلى عالم الجنوب، والجنوب ،سواء في العالم الجديد أو العالم القديم ،هو ميدان لحروب الولايات المتحدة ومغامراتها ومؤامراتها ، هذا إضافة إلى اعتقاده بأن الضحايا يمكن أن يشكلوا قوة تدافع عن مصالحهم في عصر العولمة عن طريق إنشاء منظمة تجارة مشتركة.أما السبب الأخير ، فيتمثل في ملايين العرب الذين هاجروا إلى أمريكا اللاتينية وهم يعيشون في المجتمعات اللاتينية، في وضعية تختلف عن عرب المهجر المقيمين بالولايات المتحدة و باقي البلدان الأوروبية المصنفون كجالية الإرهابيين. ولذلك، أصبح عرب أمريكا اللاتينية يصلون إلى مراكز القرار السياسي كرؤساء ووزراء ونواب في دول مثل الأرجنتين وبيرو.  والأهم من هذا كله هو أنه لا يوجد لوبي صهيوني في عواصم أمريكا اللاتينية بقوة لوبي واشنطن ولا توجد هوليود تشوه صورة العرب والمسلمين ليلاً ونهاراً.

 

لولا يتخذ مواقف واضحة من قضايا العرب و على رأسها أزمة الشرق الأوسط . فقد صرح أكثر من مرة، أن البرازيل تعتبر السلام في الشرق الوسط أمرا ملحا وممكنا. فلولا يساند الجهود الرامية للوصول إلى وفاق الشعوب في الشرق الأوسط, كما يؤيد قيام دولة فلسطينية عن طريق التفاوض وليس بالعنف والإرهاب, ويأمل أن توصل هذه الصيغ إلى تأسيس دولة فلسطينية في أقرب وقت.

 

لولا داهية اقتصادي !

الكثير من التقارير تعتبر الرئيس لولا داهية في مجال الاقتصاد بالرغم من عدم دراسته لهذا العلم. فقد أتبث خلال ولايته الرئاسية الأولى رؤيته الاقتصادية الجديدة. فإلى جانب تصوراته الشخصية ،اختار الرئيس كل من جوسيه بالويس وزيرًا للمالية وهنري بالويس مديرًا للبنك المركزي، المعروفان بأنهما رجال البنك الدولي وصندوق النقد، لكنه عين صديقيه ديريكيو و جونينو باعتبارهما رجال حرب العصابات الجيفارية كمستشارين له.

 

لولا وضع لنفسه برنامجًا يتكون في ثلاث نقاط أساسية:  أولا، إنهاء دعارة الأطفال الذي يصل عددهم إلى 9 ملايين طفل، وثانيا، إنهاء الجوع بعد أن وصل عدد البرازيليين الذين يأكلون وجبة واحدة يوميا إلى 30 مليون برازيلي من مجموع عدد السكان الذي يصل عددهم إلى 175 مليون نسمة ، وأخيرا ،إجراء إصلاح زراعي يستفيد منه 50 مليون برازيلي.

 

طموح لولا أكبر منه ،فهو يريد تسويق تصوره الاقتصادي إلى الغرب الليبرالي ليكون مطلبا غربيا . وفي هذا الإطار اعتبرت واشنطن تايمز في إحدى افتتاحيتها، أن لولا مقدم على لقاء صندوق النقد بجسارة؛ فهو يؤمن بأنه قادر على بيع أشياء ثمينة للغرب مثل أجواء الاستقرار في البرازيل والاستقرار الضريبي والضمان الاجتماعي وقوانين عمل تبعث الطمأنينة في قلوب المستثمرين وجيش من الطبقة الوسطى الواعدة.

 

وبالرغم من كونه يعتز بأفكاره السياسية و الاقتصادية ،فإنه يرفض أن يكون رسولا يحمل أفكار الآخرين. فحينما سألته جريدة لوموند حول لقاءه بالرئيس الأمريكي جورج بوش بواشنطن في العشرين من مايو عام  2003 ،قال لولا بالحرف الواحد: « يجب أن أتعايش مع الرئيس بوش... لا أستطيع أن أقنعه أن يحمل أفكاري، ولكني لن أحمل أفكاره أيضًا».

 

ربطة العنق ومظهر جديد للفوز بالإنتخابات !

ليس من السهل تجاوز المسافة الفاصلة بين النظرية و الواقع. هذه المعادلة ألقت بظلالها على سياسة لولا و جعلته يغير استراتيجيته في التعاطي مع أبناء جلدته . فهزيمته في الانتخابات الرئاسية و لثلاث مرات، دفعت لولا النقابي إلى إعادة النظر في صورته ومظهره أمام الشعب البرازيلي.

 

سلسلة هزائم لولا بدأت في أول مشاركة له في الانتخابات التي أجريت عام 1989 أمام منافسه المرتشي كولور . لعنة الهزيمة ستطارده مرتين وأمام نفس المرشح فرناندو كاردوسو ـ  1994 و 1998 ـ . هذا الفشل الذريع ،بقدر ما زاد لولا عزيمة أكبر للتقدم من أجل الفوز بكرسي الرئاسة ،بقدر ما أدى به إلى مراجعة نفسه .

 

قرر لولا تغيير مظهره. فربطة العنق واللباس الأنيق حلا محل لباس العامل الكادح. هذا التغيير  الجذري يعتبره بعض المراقبين للشأن البرازيلي ، سببا وراء فوز لولا بكرسي الرئاسة لأول مرة  في انتخابات عام 2002 أمام منافسه خوصي سيرا .

 

لولا من الكاريزمية إلى الشعبوية

الكثير من زعماء الحركات الاجتماعية البرازيلية يترددون في دعم الرئيس لولا و يوجهون له النقد بسبب سياسته في مجال الإصلاح الزراعي غير المقنعة. وبالرغم من هذه المعارضة ،استطاع لولا بفضل براغماتيته ،أن يطمئن أوساط رجال الأعمال و الطبقة المتوسطة و طالبهم بالالتفاف حول الفقراء  ،وخاصة بشمال شرق البرازيل التي مازال سكانها يعتبرونه رمزا للتغيير . فالرئيس يظهر بوجع إعلامي متميز، يبكي مع الفقراء و يمسح دموعهم، فهو الذي يقول أمام الجماهير: «من أجل الحكم نحتاج إلى قليل من الذكاء والكثير من القلب. فالشعب ليس عبارة عن رقم ». صورة لولا الشعبوي تظهر كذلك عندما يقول أمام عدسات الكاميرا : « لا أحد يعرف مشاكل الشعب أفضل مني». فهو يطالب في نفس الوقت هذا الشعب بالدفاع عنه ضد هجومات و نقد المعارضة البرازيلية ، فصورة لولا الضحية تخدمه جيدا، وكارزميته تظل ثابتة عندما يمسك بالوتر الحساس للطبقة الفقيرة و يدغدغ أحاسيسها معلنا أنه ضد الجوع و من أجل مصالح المزارعين .

 

و كيفما تكون شعبوية رفيق شي غيفارا  ،فإن لولا  تحدى خصومه داخل و خارج البرازيل و قاوم الدكتاتورية العسكرية ووصل إلى أعلى هرم السلطة في بلاد كانت تعتبر إلى حدود سنوات التسعينات ضمن العالم الثالث فأصبحت اليوم تصدر السيارات إلى الولايات المتحدة.

 

كيف عاد شي غيفارا إلى أمريكا اللاتينية ؟

عاد اليسار إلى أمريكا اللاتينية و انبعث شي غيفارا من جديد بدون سلاح أو حرب عصابات بل بالديموقراطية و صناديق الاقتراع . فرفاق شي غيفارا تسلموا السلطة في أربع دول كبرى جنوب القارة الأمريكية لينضافوا إلى رفيقهم التقليدي كاسترو رئيس كوبا.

 

وتقول مارجريت لوبيز مايا، وهي أكاديمية متخصصة في شؤون أمريكا اللاتينية : « إن جنوب القارة الأمريكية  وصلت المرحلة التي يتعين أن تشهد فيها ثورة اجتماعية». وتعتبر مايا أن الوقت حان من أجل حدوث المساواة الاجتماعية والاقتصادية بين سكان القارة. وتقول بعض التحاليل ،أن زعماء اليسار الجدد في أمريكا اللاتينية يعبرون عن مطالب شعبية تبدو بسيطة، وبصورة عفوية، ويتحدثون عن الفقراء والمهمشين ومظالم التمييز الاجتماعي والدكتاتورية وليس عن الصراع الطبقي كما هو متعارف عليه في الأدبيات اليسارية. إنه صوت الشعب التلقائي ضد الظلم و الاستغلال.

 

 مزارع هندي يحكم بوليفيا

من الأرض الزراعية في مقاطعة قبيلته أيمارا والتي عمل فيها خلال عقد من الزمن، مرورا برفع شعاراته الثلاثة المعروفة لتعبئة الفلاحين و العمال في بوليفيا وهي: لا تكن جبانا، لا تكن منافقا و لا تكن عبدا ،أتى ايفو موراليس ذي الأصول الهندية إلى هرم السلطة ببوليفيا.

 

موراليس مازال لم يتأقلم مع الفضاء السياسي الجديد ، فهو الزعيم الذي يتنقل بين قصور الرؤساء بين باريس وبكين ،مرتديا جاكتته الجلدية العادية و فانيلة صوف ملونة و بنطلون جينز قديم ،بل يتكلم بخجل و يتلعثم في خطاباته . فعدد من التعاليق الصحفية تعتبر الرئيس موراليس كممثل لا يتقن دوره.

 

ذاق موراليس الفائز في الانتخابات الرئاسية ليوم 18 ديسمبر 2005 مرارة الاعتقال في السجون والمنافي والقمع ، فهو النقابي الذي لا يتقن اللعبة السياسة كما يمارسها الوصوليون والسياسيون المحترفون، لكن هذا المزارع الهندي المعجب بالقائد الراحل شي غيفارا انتصر في النهاية.

 

 وعلى خلفية تلك المواقف الشعبوية المعادية لأمريكا والمطالبة بالارتداد عن اقتصاد السوق الذي يخدم فقط فئة قليلة من الأثرياء الموالين للشمال على حساب الملايين من الفقراء، فاز ايفو موراليس في انتخابات الرئاسة في بوليفيا ،ضدا على كل الشتائم القذرة التي كانت تلصق به في وسائل اتصال أميركية و محلية متهمة إياه بتجارة المخدرات و الإرهاب.

 

المرأة الحديدية تفوز بشيلي

وفي شيلي أعلن عن فوز المرأة الحديدية الاشتراكية، ميشال باشلي بالانتخابات الرئاسية ضدا على منافسها الثري و الليبرالي سيبستيان بينرا  صباح يوم الأحد ‏15‏ يناير هذا العام . وقد تم انتخاب الطبيبة المتمردة كما يصفها البعض و الأم بدون زوج كما ينعتها البعض الآخر، بأغلبية‏54 في المئة من الأصوات في بلد يعد أهم دول أمريكا اللاتينية على سواحل المحيط الهادي‏,‏ وشريك الصين الأول في القارة كلها‏.‏

 

ولدت ميشيل باشلي في التاسع و العشرين من سبتمبر من عام 1951 ،ووالدها كان جنرالا مسئولا عن قطاع المواد الغذائية‏,‏ ثم قائد سلاح الطيران أيام حكومة سلفادور أليندي الاشتراكية عام‏1970‏.‏

 

وعندما حدث انقلاب الجنرال بينوشي ضد رئيس شيلي المنتخب يوم‏10‏ سبتمبر‏1973,‏ تم اعتقال الجنرال باشيليه‏,‏ و تعذيبه بقسوة حتى لقي حتفه في مارس‏1974.رئيسة شيلي ذاقت العذاب هي الأخرى في فيلا جريمالدي أو السجن الرهيب كما يطلق عليه‏,‏ و تم ترحيلها إلى المنفى عام‏1975,‏ متنقلة بين استراليا‏‏ و الولايات المتحدة‏,‏ وبعدها الاستقرار في ألمانيا الشرقية‏.‏ وفي المنفى تخرجت ميشيل من كلية الطب بجامعة هومبلدت الشهيرة في برلين حيث تزوجت قبل أن تعود بعد نهاية المنفى إلى شيلي عام‏1979‏ ‏,‏ وتعمل كطبيبة أطفال حتى نهاية عهد ديكتاتورية بينوشيه عام‏1990.

 

و يعود شي غيفارا ثانية إلى شيلي بعينيه الخضراوين و سيجاره الكوبي من خلال الانتخابات الديموقراطية وليس من خلال قعقعة السلاح .  إنه التاريخ يعيد نفسه لكن في حلة مغايرة بهذا البلد، لكن المواجهة تظل متوقعة مع الولايات المتحدة. بالمقابل، تقول بعض التحاليل أن العالم تغير وزعماء أمريكا اللاتينية بمن فيهم زعيمة شيلي لا يؤمنون بالشيوعية ولا بقمع الرأي الحر ،لكنهم أصبحوا يمارسون اللعبة السياسية بطرق جديدة تختلف عن مثيلاتها إبان سنوات الرصاص. أما حكومة واشنطن فقد تغيرت بدورها وقبلت بهم قسرا لا طوعا لأن إرادتهم إلى جانب شعوبهم تظل أقوى في نهاية المطاف.

 

شافيز ثائر من نوع خاص

و من بلد كفنزويلا يخرج ثائر جديد ضد الهيمنة الأمريكية . ونقصد الرئيس هوغو شافيز رئيس الجمهورية والمنتصر في ثورة التحرير الجديدة عام 1998 ،متحديا واشنطن و أعظم الشركات العابرة للقارات التي تعلن صراحة دعوتها للإطاحة به . شافيز يحكم الآن خامس الدول الكبرى المنتجة للبترول‏,‏ ويمد دول أمريكا الجنوبية المستقلة بالبترول بثمن منخفض. هذا،‏ وقد انضمت فنزويلا إلى منظمة ميركوسور لتسهيل عملية مد البترول والغاز من فنزويلا إلى بوليفار  والأرجنتين جنوبا كمحور للاستقلال الاقتصادي للقارة ‏.‏وبالمقابل، تستورد كراكاس الكوادر المتقدمة في مجالات الطب والصيدلة والتكنولوجيا المتقدمة في هذه البلدان بغية تكوين وحدة أمريكا الجنوبية تدريجيا بشكل ميداني فعال‏.‏

 

فالعديد من المراقبين يشهدون لشافيز جرأته في اتخاذ القرارات  الكبرى . وفي هذا الصدد، نظم ثائر أمريكا اللاتينية مؤتمر كاراكاس المعروف و جمع ما سماهم بالبؤساء و المسحوقين مقابل مؤتمر منظمة التجارة العالمية الذي يضم البلدان الغنية ، وهو الذي يدير تكثلات المنتجين و يؤثر في سوق النفط العالمية بمقاومة استغلال الشركات الكبرى و كسر احتكاراتها و توزيع الخيرات على الطبقات العاملة من الشعوب.

 

شافيز يتهم أكثر من مرة الولايات المتحدة رسميا بمحاولة اغتياله . وفي هذا الإطار، كشفت المحامية الأمريكية من أصل فنزويلي إيفا كولينكر عن تورط الاستخبارات الأمريكية في اغتيال شافيز ،في كتابها الذي عنونته ب: السي أي أي بفنزويلا . وللإشارة، فشافيز لا يتوقف عن إعلانه صراحة التحدي ،و أنه بالفعل قائد ثورة بوليفار الثانية ضد الإمبريالية الأمريكية في عموم أمريكا اللاتينية.

 

هل مازالت رياح اليسار ستهب على أمريكا اللاتينية ؟

لقد بدأت رياح اليسار تهب على أمريكا اللاتينية ، لكنها لن تقف عند حدود دول البرازيل ، فنزويلا ، بوليفيا ، الشيلي و كوبا . وتقول المؤشرات ،أن المد اليساري سيكتسح العديد من الدول كالبيرو ،المكسيك والأورغواي من أجل  التخلص من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على مقدرات شعوبها. فإذا أخدنا البيرو ،سنجدها تسير وفق تحرك الضابط المتقاعد أولانتا هومالا وصديق شافيز الحميم ،في اتجاه ثورة جديدة يتوقع أن تغير من ملامح المشهد السياسي لدولة البيرو في الانتخابات المقبلة . أما المكسيك جارة الولايات المتحدة ، فتقول استطلاعات الرأي بأن الرئيس الحالي فنسنت فوكس الموالي لواشنطن لن يتمكن من تجديد ولايته هذا العام ،في الوقت الذي تتصاعد شعبية الزعيم اليساري اندريه أودبرادور المرشح للرئاسة القادمة محل فوكس.

تيار التغيير وصل إلى حدود  البراغواي التي اختار شعبها في أكتوبر‏2004 و لأول مرة، الرئيس الاشتراكي تباري فاسكيز رئيسا لهذا البلد الصغير الذي استنزفت أحزاب اليمين ثرواته طيلة عقد من الزمن. ويجب أن لا نسقط من بالنا، كل من البرازيل و الأرجنتين، هذان البلدان العازمان على تسديد ديونهما المستحقة لصندوق النقد الدولي في أفق توفير فوائد مهمة تصلح لتطوير وبناء البلدين وفك الارتباط بالمؤسسات النقدية الأمريكية.

ويظل العداء ضد حكومة واشنطن ورقة سياسية رابحة بيد العديد من الزعماء بأمريكا اللاتينية . هذا العداء نفسه ،هو  الذي أدى ببلد مثل نيكاراغوا إلى التطلع للتغيير حيث تأمل حركة ساندنستا اليسارية التي يقودها دانييل أورتيغا العودة إلى السلطة مجددا، بعدما تغلب عليه ثوار الكونترا الذين دعمتهم واشنطن بقوة عام 1990 قصد التخلص من النظام الاشتراكي وإقصاء أورتيغا من السلطة.

 

·       صحافي مقيم بألمانيا

falsafa71@hotmail.com

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home