قصة

 

الحصار

شرادي أمينة



 

الحصـــــــــــــــار

 

 

 

   حاصرها الزمن و قوض حياتها و استحالت إلى حفنة صغيرة من العظام. تحولت "فاطمة" الزوجة الشاب إلى سجينة من نوع آخر.رمتها سهام الزمن بين أحضان الملل و النسيان بعدما أشاح عنها زوجها وجهه و تركها تواجه ألسنة الناس القاسية. ا حتمت بحيطان بيتها الإسمنتية و تركت روحها و جسدها في مهب الريح لا تقوى على الصراع.صارت وسادتها الخالية كاتمة أسرارها، ففي كل ليلة تزحف عندها و تحضنها بكل شوق وحب و تحكي و تحكي حتى يستوطنها النوم دون أن تدري.سألت الوسادة:كم من الوقت مر الآن؟أرادت ترتيب أوراقها و لو بجهد جهيد.أعادت السؤال بشكل آخر:كم مر من الوقت على طلاقي؟كانت عاجزة عن محاصرة سنوات عمرها الفائتة التي تسللت من بين أيديها دون أن تشعر.بكت كثيرا و تبللت جفونها الشاحبة ارتمت جثة هامدة على سريرها محاولة البحث في ذاكرتها عن ملجأ يحميها من الماضي.كسرت كل المرايا في البيت إلا واحدة لسبب في نفسها.كرهت أن ترى صورتها في المرآة و ما فعله بها الزمن و الناس.المرآة الوحيدة الموجودة بالبيت، جعلتها وراء حيطان صلبة و أقفلت عليها بالمفتاح.مر من الوقت الكثير، اشتعل الرأس بالشيب و احتلت التجاعيد كل ركن من ملامحها الجميلة و هي منزوية في ركن صامتة.كلما حاولت أن تفكر في ماضيها و تعد الأيام، تخطئ و تعيد العد من جديد.صرخت بألم شديد:"هل يمكنني أن أنسى أيام عمري؟" استقبلت "فاطمة" الحياة في بيت صغير من أحياء المدينة القديمة.أسرة متوسطة، تتكون من ثمانية بنات و أبناء، تعمل الأم أحيانا في البيوت لمساعدة الأب الاسكافي.غالبا ما يقضي يومه كله دون أن يتجاوز بعض الدريهمات.كبرت العائلة و كبرت الطلبات ،فاطمة كانت تطمح أن تكمل دراستها و تعمل و تقضي على الفقر.استيقظت في الصباح لا تستطيع أن تغادر السرير.هالة سوداء احتلت جفونها الناعسة اتجهت إلى الحمام وعادت تحتمي بغطائها ووسادتها.دفنت رأسها و أحكمت إغلاق كل الشقوق.رغم ذلك تدفقت داخل الغرفة أصوات بشرية و ضجيج السيارات، افتكرت يوم كانت تستيقظ باكرا وتمطر كل غرف البيت بأشعة الشمس و هواء الصباح المنعش.و تعد وجبة الفطور وتتناولها معه.كانت خفيفة كنسمة الهواء لا تمل و لا تضجر.قادتها قدميها إلى غرفة المرآة ما إن وصلت قرب الباب حتى تسمرت رجليها ولم تعد تقدران على المشي.عادت أدراجها منحنية الظهر و غائرة العينين.جرس الهاتف يرن،رفعت السماعة،ينقطع الصوت الآتي من الطرف الآخر.لم تفهم فاطمة هذه اللعبة.صارت لها مدة و هي على هذه الحال.صرخت حتى زلزلت أركان البيت و أخذت أذرع الغرفة ذهابا و إيابا. رفضت الزواج من أول وهلة، استعطفت الأب توسلت إلى أمها قائلة:أمهلني حتى اتمم دراستي.كانت العقول صماء قال لها الوالد:الزواج سترة أحسن من أي وظيفة.و قالت الـأم :غدا لن تجدين من يتزوجك..وقالوا كثيرا حتى جلست و قالت لهم:حاضر."يوم ولدت قلت حاضر، يوم زوجوني قلت حاضر، يوم طلقت قلت حاضر و قالوا هم لا، الطلاق لعنة تصيب المرأة ولا حياة لها بعد ذلك. قلت انه هو الذي رفضني، قالوا..."خاطبت روحها الجريحة. يوم طلقت فاطمة رفضت الخروج خوفا من شيء ما في الخارج.استحال بيتها الأنيق و الجميل إلى كهف من الكهوف الغابرة، لا حياة به إلا خيالها المتهالك.عادت إلى غرفتها لا تلوي على شيء، لمحت كتابا على سريرها، احتضنته برفق و هامت معه في الماضي الجميل.دقات خفيفة على باب الغرفة:ما زلت مستيقظة يا فاطمة، لقد لمحت النور في غرفتك.قالت لها أمها بصوت حنون. أخذت الكتاب من بين يديها دون أن تنتظر جوابا.و تابعت:أنت فتاة محظوظة، سترتاحين من الكتب و وجع الرأس.ظل الصمت يستوطن المكان و أردفت: أن خالك صاحب الفضل علينا، لولاه لما استطعنا العيش في مثل هذه البيت، يكرمه الله.جاءنا البارحة يطلبك للزواج لابنه المهاجر.                          

 

تزوجت فاطمة و أقيم عرس كبير رقص فيه الكل و شرب حتى ساعة متأخرة من الليل.عاشت فاطمة تلك اللحظات بين الحلم و اليقظة، حاولت أن تقنع نفسها بالفرح حتى تعيش اللحظة التي يقال عنها بأنها لحظة العمر و لا تتكرر ثانية.مضى كل لحال سبيله وواجهت لوحدها الضجر و الملل.كانت تقضي ساعات طوال أمام التلفاز في انتظار عودته من تجارته الحرة التي حولها إلى مدينته.كلمت نفسها هذا المساء بصوت عالي:"يجب علي أن أعود للدراسة لقد وعدني بذلك"هيأت المكان و الزمان أسكبت عليهما روحا رومانسية و ظلت تنتظر موعد رجوعه بقلق و فرح.عند وصوله للبيت تسارعت دقات قلبها،تغير لون وجهها ،كأنه اللقاء الأول في حياتها.ارتأت فاطمة أن تضيء تلك اللحظة بالشموع و يساعدها ذلك على الكلام بهدوء.جلسا على مائدة الأكل و عيونها كلها انتظار،هل سيثني على مجهودها؟هل سيبتسم و يرسل إليها قبلة حب وهو العائد من البلاد المتحضرة؟كسر الصمت بصوت قوي:ما هذه الإنارة الخافتة؟حاولت فاطمة استعراض كل ما تعرفه عن الشمع ودوره في حياة العاشقين.قاطعها و الأكل مازال في فمه:لا أستطيع أن آكل هكذا.قامت بشكل أوتوماتيكي و كلامه ما يزال يتطاير في الهواء دون أن تسمع شيئا.عادت و جلست و هو لا يكف عن الكلام عن عمله وأرباحه.حاولت أن تقذف بكلامها بين كلماته الكثيرة لكن صوتها يخونها.استغلت لحظة مضغه لأكله و فاتحته في الموضوع.:أحمد، لقد فكرت هذه الأيام في موضوع كنت قد وعدتني به.لم يكف عن المضغ و تابع:بخصوص ماذا؟صار الأمر صعبا بالنسبة إليها، تاهت بعينيها بعيدا عن مائدة الأكل تبحث عن الكلام الضائع.قالت بصوت خافت كأنها تفشي سرا:وعدك لي بإتمام دراستي بعد الزواج.لم يتكلم.حاولت انقاد الموقف تابعت بسرعة:هناك الدراسة عن طريق المراسلة و...قاطعها و قال بتوتر:لو كنت أرغب في الزواج من امرأة موظفة أو لها شهادة لفعلت.رمت الكتاب جانبا و تقوقعت على نفسها.رن الهاتف في الغرفة المجاورة، ثم صمت."ياه، من يا ترى افتكرني؟"أخذت أذرع الغرفة ذهابا و إيابا و هي تحاور نفسها بصوت مرتفع:عائلتي؟لا أظن، لقد اتهموني بالخيانة و عدم الحفاظ على شرف العائلة.و رفضوا سماع حتى دفاعي.صديقاتي؟كلهن خفن من المرأة المطلقة كأن بها مرض معدي.لم تدرك فاطمة كم من الوقت فات و هي تدك أرض الغرفة بقدميها.سقطت كورقة الخريف على سريرها، ابتلعها الصمت و السكون والأغطية التي تحمل ألف حكاية صغيرة و كبيرة.نامت بين أحضان النوم تبحث عن عدم العودة.بكت كثيرا من أجوبته القاسية التي كانت بالأمس عسلا.قام الزوج وولج غرفة الجلوس في انتظار قهوته .أحضرت له قهوته و التجأت لسريرها تشكي له ضجرها.منذ زواجها به، صارت جزءا من جلساته و حكاياته حتى كؤوس الشاي التي تعشقها هجرتها من أجله.في يوم أحضرت كأسين من القهوة وجلست إلى جانبه قالت و الابتسامة تمتلك كل ملامحها:أتدري يا أحمد أنه في مراهقتي كنت أعتقد أن القهوة لا يشربها إلا الرجال.لست أدري كيف أحسست هذا الإحساس.قاطعها و عينيه لا تفارقان التلفاز:أنها حقيقة.النسبة الكبيرة من الرجال هم الذين يشربون القهوة.تابعت شرب قهوتها بتلذذ و قالت:إنني أذكر حادثة وقعت لي وأنا عمري عشر سنوات.كانت أمي قد هيأت القهوة لأبي و عمي.دخلت الغرفة قبل أن يلجها أحد،أخذت أقلد أبي في شرب القهوة.إذ بي أصفع على قفاي بقوة حتى سقطت أرضا، كانت أمي تقول لي و الغضب يتطاير من عينيها:القهوة للرجال.من يومها وأنا أسأل لماذا القهوة للرجال فقط.وضع كأسه جانبا ،أطفأ ما تبقى من سيجارته.ذهب للمرحاض وعاد يعدل من سرواله قال لها و هو يتهيأ للجلوس:احمدي الله إذن، فقد سمحت لك بشرب القهوة.استيقظت فاطمة بفزع، لم تعد تتحكم في الزمن، تمشي على ردهاته دون أن تتوقف، تهرب من قسوة اللحظة إلى الماضي القريب، تحتمي بين أوقاته الهادئة و تبتسم لأصواته العذبة.لم يبق لها سوى الماضي أنيسا.خرجت من البيت هروبا من هواجسها القاتلة، مشت كثيرا تحت المطر، تركته يلامس كل أعضاء جسمها الهالك و يرويه من شدة الضمأ و يحضنها كما يحضن العاشق حبيبته.عادت مبتلة لكن بنفس جديد،فتحت كل نوافذ البيت ،أرادت أن تطرد كل أيام الماضي الحبيسة في كل جنبات البيت.ارتمت في حوض الحمام الساخن مغمضة العينين، سافرت إلى يوم الزفاف.حملت كل نساء العائلة الشموع و أضاءت بها الحمام الشعبي، يمشين بخطى متثاقلة و يزغردن و العروس وسطهن لا تتكلم، لا يكفن عن الزغاريد و الغناء كأنها طقوس إحدى القبائل البدائية.هكذا كانت تراقبهن بعيونها الحزينة و هي تحاول عبثا الهروب من تلك الأصوات التي كسرت صمت الحمام و زاحمت صوت الماء. ناجت نفسها و هي ما زالت تحتمي بماء الحوض" هنا على الأقل أغسل بإرادتي"بكت كثيرا حتى اختلطت الدموع بالماء.تزينت العروس وبدت أجمل كما قيل لها من طرف الجميع.ازدحمت القاعة بالأصوات البشرية و الآلات الموسيقية وفاطمة في مكانها خارج كل هذا الهرج و المرج.لم تمنع عنها زينتها الحساس بالكآبة و الغبن.دقت ساعة النهاية،ولم تعد ترى في كل الرؤوس التي تصاحبها من كل جانب إلا أشباحا ترقص على أنغام ساحرة و ستهديها قربانا ..حاول الاقتراب منها لكنها رفضت و قالت بكل قوة:جسدي ملكي لوحدي.صفعها حتى ارتمت على السرير و بكت بحرقة و قالت :اغتصبوني في كل شيء.سكتت الطبول و الأصوات لما صمتت فاطمة، انسحبت روحها من بين الأجساد المتلاصقة تبحث عن نسمة هواء تعيد إليها الانتعاش الهارب منذ ذكر أنها أنثى.جلست على كرسيها بعدما هيأت لنفسها كأس قهوة، احتضنته بين راحتيها كما يحتضن الحبيب حبيبته و قبلته و همست إليه"و أخيرا أستطيع أن أستمتع بمذاقك بكل حرية."من يومها و فاطمة صامتة تخاف الصفع.استحالت إلى جزء من الأثاث ،لا تبرح الدار و لا الزمان.سبقها هو و ظلت هي في مكانها مترددة و خائفة.في يوم من الأيام المتشابهة، طرق أحدهم الباب كانت كالطفل يوم العيد، قامت تخب في ثيابها و تسأل:من الطارق؟فتحت الباب دون أن تنتظر جوابا، كان أحد الباعة المتجولين، يريد أن يبيع إليها عطرا أو صابونا بنصف الثمن.لماذا هجروني بعد أن طلقت؟سألت وسألت حتى انهارت و احتمت بيت ذكرياتها رافضة الخروج.سقط الكأس من بين يديها و أحدث ضجيجا كسر معه صمت الجدران.أغمضت عينيها تاركة شذرات كأس القهوة تائهة على الأرض و بقايا القهوة تنساب ببطء و تحدث جداول من الأنهار السوداء.  

 

 

 

أمينة شرادي    

***

ك.خ                                      

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home