مقال

 

المعارضة الضعيفة

علي عبد العال



المعارضة الضعيفة

وهموم الإصلاح في مصر

 

بقلم : علي عبدالعال

aly_abdelal@yahoo.com

 

يكاد يجمع الرأي العام العربي على أنه لا يوجد ما يمكن أن يسميه "معارضة" بالمعنى الصحيح، في بلاده، ذلك أن القمع والاستبداد ــ المسلطان على رقاب العباد ــ هما سيدا الموقف على الساحة السياسية، وما من نظام حاكم في هذه الدول إلا وهو ينظر إلى معارضيه نظرة "صاحب الدجاج إلى الثعالب الضالة"، ا لتي لا تستحق سوى القتل أو النفي أو السجن.

 

وإذا كانت مصر هي النموذج ــ في هذا المقام ــ فإن "المعارضة المصرية" مسمى كبير، له رنين، إلا أن البحث في حقيقة وجود هذا المسمى على أرض الواقع، يجعلك تخرج بنتيجة مغايرة تماماً، ذلك أن معظم فصائل وقوى المعارضة في مصر أضعف كثيراً مما يليق بهذا المسمى.

 

وتتشكل الخارطة السياسية في أكبر دولة عربية، من 21 حزباً مرخص لها من قبل النظام ــ أي تحمل لافتة "أحزاب شرعية"، يأتي على رأسها الحزب "الوطني" الحاكم الذي يترأسه الرئيس مبارك، الذي كان قد اعترف ضمناً ــ في عدد من الحوارات الصحفية ــ أن حزبه ضعيف بدون رئاسته له، مبرراً استمراره في رئاسة الحزب بهدف خلق الاستقرار في البلاد, وإحداث نوع من التوازن, على اعتبار أن ضعف الحزب الوطني قد يعني الفوضى، في تصوره.

 

وإلى جانب الحزب الحاكم توجد أحزاب المعارضة الرئيسة "الوفد" و"التجمع" و"الناصري" و"الغد"، وإلى جانب هؤلاء، توجد الأحزاب "المجمدة" كحزب "العمل" و "مصر الفتاة" و"الشعب الديمقراطي" و"العدالة الإجتماعية"، وتوجد أيضاً الأحزاب التي تعمل بلافتة "تحت التأسيس" كـ "الوسط" و"الكرامة" و"الشريعة" و"الشورى".

 

وإلى جانب الشق "الحزبي" من الخارطة السياسية، يوجد شق آخر ، يتمثل في القوى والجماعات والحركات السياسية، غير الحزبية، التي تضم كثير من القوى المغضوب عليها والممنوع عنها "صك الشرعية" كالحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" ــ   وهي تحالف فضفاض من اليساريين والليبراليين وبعض الإسلاميين يعمل تحت شعار "لا للتجديد" "لا للتوريث" ــ و"الحملة الشعبية للتغيير" و"شباب من أجل التغيير" و"جبهة انقاذ مصر" التي تعارض من الخارج، وهناك أيضاً جمعيات أهلية ونقابات مهنية ومنظمات حقوقية، وشخصيات مستقلة (سياسيون ، ومفكرون ، وكتاب ، وصحفيون ، وأكاديميون) ويوجد أيضاً التيار الإسلامي بكافة فصائله وعلى رأسها جماعة "الإخوان المسلمون".

 

وبالرغم من هذا التعدد البادي على خارطة المصريين السياسية، إلا أن تاريخ هذا المجتمع العربي الكبير، لا يعرف أي تبادل للسلطة أو حتى المشاركة فيها ولو من بعيد، وربما كان هذا هو أحد الأسباب التي حملت رئيس الوزراء، أحمد نظيف، على قوله : "المصريون ليسوا ناضجين ديموقراطياً" وذلك في معرض تبريره لنهج الإصلاح البطيء، أو السلحفائي الذي تنتهجه حكومته.

 

ولعل المتأمل في حقيقة ذلك، يلحظ أسباباً عديدة من المؤكد أنها لا تعود إلى عدم نضج هذا الشعب ــ كما رأى السيد نظيف ــ بقدر ما تعود لأسباب أخرى، ربما على رأسها وجود حكومة نظيف نفسه وحكومات من سبقه.. حيث تتفق الأدبيات السياسية المصرية على أن ضعف المعارضة، وتحولها إلى هياكل ورقية، يعود إلى طبيعة السياسات الحكومية الرامية أصلاً إلى اضعاف هذه القوى، وهى سياسات تبدأ من منع الأحزاب من الحصول على الشرعية، حتى محاصرة جميع أنشطتها الحزبية في المقرات، إلى أن تتحول هذه الأحزاب إلى "المعارضة الديكورية" التي تفقدها كل قيمة لها أمام النظام السياسي، ما عدا بقائها كأداة للمزايدة، والتجمل بها أمام العالم و الادعاء بأن في البلاد تعددية وأحزاب.

 

وربما لم تشهد مصر ــ خلال العقود الماضية ــ مثل هذه العلاقة التي باتت تجمع بين النظام السياسي والمعارضة، حيث بات النظام يرى في المعارضة ــ وخاصة الحزبية منها ــ إحدى وسائل الدعاية لممارساته، ما يؤكد على هيمنة النظام الحاكم على كافة مقاليد الأمور بشكلٍ بدت معه المعارضة، كما لو كانت أحد أطراف اللعبة السياسية المقرر لها سلفاً حدود معينة، متفق عليها، في قواعد هذه اللعبة. ذلك إن أزمة المعارضة تعود في جانب كبير منها إلى أن نشأتها كانت "هبة من السلطة" وليست تعبيراً حقيقياً عن "ركيزة اجتماعية" لها ثقلها السياسي في المجتمع المصري، ولذا ولدت رهينة "المزاج السلطوي"، فإن شاء الحاكم وسع لها وأكرمها وإن شاء حجر عليها أو اعتقلها.

 

وبعيدأ عن الممارسات السلطوية التي ساهمت بالهم الأكبر في اضعاف المعارضة المصرية، يعيب هذه القوى وخاصة الحزبية منها عوامل أخرى على رأسها :

ــ نخبويتها، ففي الواقع تدور الأنشطة السياسية في إطار نخبوي، بعيدا عن مشاركة القطاعات الواسعة من المواطنين .

ــ غياب الحوار الداخلي لديها، ما أدى إلى احتدام الصراعات والانقسامات الداخلية .

ــ عدم القدرة على تجديد الخطاب السياسى أو حتى تطوير برامجها لتلائم المتغيرات الداخلية والخارجية، وغياب البرنامج المقنع والعملي البديل .

ــ تفشي أنواع من الفساد وغياب الشفافية في إدارتها .

ــ الدوران في فلك النظام ما جعلها "معارضة مستأنسة" أي من صنع الأنظمة .

ــ الولاء للخارج بهدف الحصول على دعمه (ماليا ، سياسيا ، فكريا) وهو ما أوجد ما بات يعرف في العالم العربي بظاهرة المعارضة التي تأتي محمولة على دبابة المحتل .

ــ تسلط قياداتها على أعضائها.

ــ الصراع بين جيلي الشباب والشيوخ

 

وإزاء ذلك يرى المراقبون أن أحزاب المعارضة المصرية ــ بوجه خاص ولكونها تحمل لافتة الشرعية ــ باتت أشبه بجزر منعزلة، منعزلة عن نفسها ومنعزلة عن مجتمعها، فضلاً عن كونها (هذه الجزر) تفتقر إلى الحياة وإلى الوجود.. فلا هي قادرة على التغيير ــ من خلال مجابهة بناءة مع النظام الحاكم ــ ولا هي متواصلة مع المواطن العادي، ولا هي متلائمة داخلياً فيما بين أعضائها. حيث تعاني الحزبية من أوجه قصور وسلبيات متفاقمة، ما جعل الأحزاب باتت تشهد تراجعاً ملحوظاً في عضويتها وتواجدها بالمنظمات الجماهيرية والشارع العام وانتشارها الجغرافي، وهو ما انعكس بدوره على تأثيرها ونفوذها السياسى فى المجتمع إلى درجة توشك أن تصبح في حكم العدم .

 

وفى ظل هذا الضياع السياسى، يمر المواطن المصرى بمرحلة من التيه، فهو من باب لا أمل لديه في السلطة الحاكم ، ومن باب آخر لا يعبأ بهذه المعارضة التي تحاصرها الأمراض.. وفى جميع الحالات تسير أموره إلى الأسوأ اقتصاديا واجتماعيا وسياسياً ، كما تحاصره عاصفة من التشريعات المصابة بعيب الانحراف التشريعى والتى تعد خصيصاً لتدعيم هذا النظام الشمولى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home