دراسات هامة

 

تلــــقي الشعر عند العرب

د. محمد بنلحسن



تلــــقي الشعر عند  العرب
إرهاصات الرؤية وتجلياتها

الدكتور : محمد بنلحسن *

اهتمت العرب بالتلقي، وأوجدت له في نقدها مرتبة مرموقة شأنها في ذلك شأن من تقدمها من الأمم العريقة التي بصمت تاريخ الأدب ونقده. وإذا تصفحنا ما تركه الأسلاف من تراث في هذا المجال، لوجدنا مادة غزيرة تند عن الحصر، وقد تنوع الاحتفال بالمتلقي وأشكال التلقي بحسب بيئات النقاد ومرجعياتهم.
لقد "اعتنى النقد العربي القديم بالمتلقي سامعا وقارئا، وبلغت العناية أوجها في عصور ازدهار النقد.. وبلغت هذه العناية حدا يدفعنا إلى القول إن النقد العربي وضع المتلقي في منزلة مهمة من منازل الأدب وقصده بخطابه قصدا وحث الشعراء على أن يكون شعرهم متوجها إليه"(1).
والمتأمل في هذا الاعتناء الكبير بالمتلقي في سائر أحوال تلقيه، يلمس إيمان العرب بالتلقي مذهبا ومنطقا لتقويمهم النصوص وتصنيفها من حيث الجودة وحيازة السبق. من هنا "يعسر اعتبار العلاقة المنعقدة بين القارئ والنص في التراث النقدي قائمة على الصدفة أو على هوى مبدع وميله، وإنما هي في الوجه العميق منها تعاقد بين الأطراف المضطلعة بوظيفة التخاطب الأدبي لا يخلو من نوايا مبيتة"(2).
إن المتلقي حاضر باستمرار داخل كل كتابة إبداعية ولا يمكن إطلاقا طرده خارج أسوارها شئنا أم أبينا. هذا المنظور هو جزء من مصير النص الإبداعي.
وإذا كان الشعراء العرب والنقاد من حولهم، كلهم محتفلين بما يقال، متسائلين كيف قيل ولماذا قيل؟ أفلا يكون سلوكهم هذا سباحة في فلك التلقي ومعانقة لشروطه وأحواله؟
إن الجواب بالإيجاب طبعا، والعودة إلى ثنايا شعرنا العربي ونقده، تغنينا عن التخبط في كثرة الاستفهام الذي يمكن أن يصبح ارتيابا.
وقد تنبه الدارسون لهذه المسألة، ونبهوا على وجوب ترك تأكيد نزوع نقدنا العربي نحو التلقي، لأن ذلك من حكم المسلمات التي لا تحتاج إلى إثبات، يقول أحد الباحثين "وعلينا أن نتجنب أن يكون هدفنا إثبات أن الشعرية العربية عرفت وعيا بالتلقي وبوجوده سيكون ذلك من تحصيل الحاصل، ما دام التلقي من مستلزمات العملية الإبداعية فالتلقي ضارب بجذوره في الأدب العربي"(3).
وقد يظن  السامع  لحديثنا  عن التلقي  عند  النقاد  القدامى،  لهاثا وتهافتا،  يروم  تقليد    الدراسـات
الحديثة، ويركب موجة التلقي التي أصبحت تصدح بها الأقلام في أيامنا هذه/ نتيجة التأثر والمثاقفة والسعي الحثيث للحاق بخطاب الغرب  في مجال  الدراسات  النقدية،  ومواكبة  مستجدات  الساحة، والحقيقة أن  اقتحام                            * أستاذ باحث،مبرز في اللغة العربية،مكناس ،المغرب.
مجال التلقي عند القدماء، يهتك القناع عن وعيهم بالتلقي، وإن كان لا يخفي بعض التأثر بما يروج بين الباحثين من موضوعات حديثة، ليس لهاثا لأجل الاتباع والتقليد والزعم، وإنما اقتناعا ويقينا بإسهام نقادنا العرب القدامى في هذا المجال وهذا ما سارع لتأكيده الدكتور محمد المبارك في مقدمة مؤلفه، استقبال  النص عند العرب، حيث يقول: "وما كان اختيارنا لموضوع القراءة والتلقي في النقد العربي استجابة ورد فعل، أو حديث حادث.. لأن مشكلة التلقي توجد حيثما يوجد الأدب، فمن الصعب تصور انصراف الدراسات النقدية العربية عن مفهوم مهم مثل التلقي"(4).
الآن بعدما مهدنا لموضوع التلقي عند العرب ببسط هذه المسلمات المتفق بشأنها، لابد من تفصيل ما جاء مجملا في كلامنا من أحكام، ذلك بأن الإقرار بحضور التلقي في درسنا النقدي العربي، وتمتع المتلقي بتلك المنزلة الخاصة يدفعان الباحث إلى كشف تجليات هذا التلقي وهتك القناع عن صيغ حضور المتلقي.
1-2- التلقي والقوى الغيبية.
أول جسر يأخذنا إلى التلقي لدى العرب، هو مفهوم الإبداع لديهم، ذلك أن العرب أدركت من خلال رؤيتها لطرق الإبداع ومصادره معنى من معاني التلقي.
يقول أحد الباحثين معرفا مفهوم الإلقاء عند العرب: "يضعنا المفهوم الأولي للإبداع الفني في قلب ما يسمى بنظرية الإلهام"(5).
فما الإلهام؟ يزيد صاحب النص السالف الأمر وضوحا بقوله:لعلنا نذكر أن مصطلح الإلهام كان يرادف مصطلح الإلقاء عند العرب. القوى الغيبية تلقي بالشعر إلى الفنان، وهي تلهمه الشعر كذلك، إنهما تعبيران لفكرة واحدة"(6).
إذا الإلهام مرادف للإلقاء عند العرب، والشاعر يتلقى الشعر من القوى الغيبية وتلهمه به.
  وإذا شئنا مزيدا من التوسع، اتجهنا صوب المعنى اللغوي للإلهام لنكشف صلاته بالإلقاء والتلقي.
أتى في اللسان "وألهمه الله خيرا: لقنه إياه، واستلهمه إياه:سأله أن يلهمه إياه. والإلهام: ما يلقى في الروع. الإلهام أن يلقي الله في النفس  أمرا يبعثه على الفعل أو الترك وهو نوع من الوحي"(7).
فالإلهام على نحو ما جاء في اللغة إذا هو نوع من الإلقاء إما في النفس أو الروع على حد تعبير ابن منظور.
لكـن من الذي كان يقـوم بإلقاء الشعـر إلى الشعـراء؟
لقد ظل مصدر الشعر قضية مبهمة غير واضحة بسبب اختلاف الناس في من يمد المبدعين ومن يلهمهم، وهكذا اختلفت التفسيرات بحسب المرجعيات الفلسفية والأدبية.
لقد "بقي الغموض يكتنف إبداع الفنان وشخصيته مدة طويلة، وصار الفلاسفة والنقاد القدامى أمام هذا الغموض وعللوه تعليلات شـتى... وربطه قدماء الـعرب بالشيطان وبوادي عبقر وأن لكل شاعر شيطان"(8).
إن القول بالإلهام  في الشعر يقتضي وجود ملهم يمد الشعراء بالقول الذي يلقيه عليهم. وهذه المسألة ثابتة عند العرب، أفرد لها أبو زيد القرشي في جمهرته بابا حيث نسب الشعر إلى الشياطين والجن التي تلقيه على الشعراء. وفي رواية أن رجلا التقى جانا هو هبيد ولم يكن يعرفه أول الأمر فسأله الرجل "أتروي من أشعار العرب شيئا؟ قال: نعم أروي وأقول قولا فائقا مبرزا. قلت: فأسمعني من قولك ما أحببت، فأنشأ يقول:(9)
طاف الخيـال علينا ليلـة الوادي   مـن آل سلـمى ولم يلملـم بميعاد
أنى اهتديـت لركب طـال ليلهم   في سبسـب ذات دكـداك وأعقـاد"
نلاحظ من خلال هذه الرواية أن الجن كانت تجمع إلى جانب الرواية قول الشعر، وليس أي شعر، بل الفائق منه الذي يأتي على لسان الشعراء المبرزين. فالشعر أعلاه لعبيد بن الأبرص، يقول الرجل المذكور في الرواية السالفة بعد سماعه البيتين "لهذا الشعر أشهر في معد بن عدنان من الفرس الأبلق في الدهم العراب، هذا لعبيد بن الأبرص الأسدي، قال: ومن عبيد لولا هبيد؟ فقلت: ومن هبيد؟  فأنشأ يقول: (10)
أنا ابن الصلادم أدعى الهـبيـد   حبـوت القـوافـي قـرمي أسـد
عـبيـدا حبـوت بمأثــورة   وأنطقـت بشـرا على غيـر كـد
ولاذ بمـدرك رهـط الكـميت   مــلاذا عزيـزا ومجـدا وجـد
منحنـاهم الشعر عـن قـدرة   فهل تشـكـر اليـوم هـذا معـد
ويختتم هذا الحوار بين الجني والإنسي بعرض الأول على الثاني عسا من لبن ظباء، يقول الرجل "فكرهته لزهومته فقلت إليك، فأخذه ثم قال امض... فصاح من خلفي: أما إنك لو كرعت في العس لأصبحت أشعر في قومك"(11).
تكشف لنا هذا الرواية، على الرغم مما قد يعتريها من بعد أسطوري، أن مصدر الإبداع، قوى غيبية وهي الجن والشياطين، كما تبرز لنا أن هذه القوى لا تملك غير الشعر الجيد، فحتى لبنها الذي هو في الأصل لبن ظباء يحتوي طاقة خلاقة من الإبداع جعلت ذلك الرجل يشعر بالندم لامتناعه عن شرب اللبن، وأنشأ يقول أسفا:(12)
أسفت على عـس الهبيد وشـربه   لقــدم حرمتنـيه صـروف المقـادر 
ولو أننـي إذ ذاك كنـت شربتـه           لأضحيت في قومي لهم خيـر شـاعر
ويثير انتباه القارئ المتلقي، ربط الجني بيـن الشراب والشعر، و "هذه التتمة لا يتيسر لنا أن نحسن فهمها ما لم نتذكر مصطلح الإلقاء.. الشعـر يلقي في الفهم لكـن ما يلـقى هنا ليـس الشعر، إنه لبن زهم"(13).
وقد حـرص الشعراء على الإشارة  لعملية الإلقاء والتلقي، هذه التي يتم بينهم وبين الجن، يقول الأعشى: (14)
فما كنـت ذا شعر ولكن حسبتني   إذا مسحـل يسدي لي القـول أنطق
 شريكان فيما بيننـا مـن هوادة   صفـيـان: إنسـي وجن موفـق
يقول الباحث مجدي أحمد توفيق تعليقا على قول الأعشى: "ها هو مفهوم الإلقاء في ظهوره الأول الشاعر خالص لصاحبه الجني مسحل الجني هو الذي يقول ويسدي القول للشاعر"(15)
استنادا على هذه الروايات، نخلص إلى أن العرب كانت تعتقد في هذه القوى الغيبية، وتنسب إليها الشعر الجيد. إن إلهام الجن للشعراء وكذلك الشياطين، حيث كان يقال إن لكل شاعر شيطانه أيضا، يفضي إليه بالقول، لم تكن فكرة يؤمن بها بعض الناس في الجاهلية فحسب، بل تحكي لنا المصادر، أنها كانت مسلمة لا ينازع فيها أحد، وقد امتد الاعتقاد بها حتى بعد العصر الجاهلي، جاء في الموشح عن "ابن منذر، قال : أنشد رجلا الفرزدق شعرا له، قال كيف تراه؟  قال: أرى أن ترده على شيطانك لا يمتن به عليك"(16). وجاء في الموشح عن الأصمعي "قال : عرض رجل على أبيه شعرا، فقال له: يا بني، ما بقي أحد إلا وقد عرض عليه الشيطان هذا الشعر فما قبله أحد غيرك"(17).
هذه أمثلة مختصرة، ولو رجعنا إلى تراثنا العربي، لوجدناه غاصا بالقصص والروايات التي تحكي صلات الجن بالإنس، وبالشعراء خاصة. وقد ارتأينا بسطها لبيان مصدر الشعر كما اعتقدته العرب، ثم لنقف عند أول محطة للتلقي عندهم.
ومن الخلاصات المهمة التي نصل إليها بعد هذا الحديث: إن الجن تشارك في عمليـة التلقي بواسطة ما تقوم به من إلقاء، إنها المرسل والشعراء هم المستقبلون عن هذه القوى الخفية، ثم بعد ذلك يقوم الشعراء بتوصيل شعرهم لعموم المتلقين.
والسامع المتلقي ينظر للشعر بعين الإعجاب والتقدير الكبير، لأنه يعتقد أنه من وحي تلك القوى الخارقة.
نستنتج مما سبق، أن رحلة الشعر تبدأ من الجن لتصل في نهاية المطاف إلى الجن، بمعنى أن هناك نقطة انطلاق ووصول واحدة.
هذا الارتباط بين الشعر والجن أكسبه خصوصية وتميزا، لا سيما و "عالم الجن والشياطين اختلط في الجزيرة العربية بالخير والشر. وأصبح عالم الجن والشياطين عالما متداخلا يعيش في واقع حياة العربي معيشة تامة. وكانت للجن قداستها في حياة العرب"(18).
ونحسب أن مبادرة الشعراء الفحول إلى الكشف عن أصحابهم من الجن في أشعارهم مظهر لهذه القداسة، يقول حسان بن ثابت:(19)
ولي صاحب مـن بني الشيصبان   فطـورا أقـول وطـورا هـوه
وهذا جرير يقول أيضا:(20)
إني ليلقـى علي الشعـر مكتهـل   مـن الشياطيـن إبليس الأباليس
ويعلق الثعالبي في ثمار القلوب على قول جرير هذا بقوله: "كانت الشعراء تزعم أن الشياطين تلقي على أفواهها الشعر، وتلقنها إياه، وتعينها عليه، وتدعي أن لكل فحل منهم شيطانا يقول الشعر على لسانه، فمن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود"(21).
إذا كانت رواية الجمهرة السالف ذكرها، تربط بين شراب لبن الجن والشاعرية استنادا لقول الجني: "أما إنك لو كرعت في العس لأصبحت أشعر في قومك"، فإن هذه القولة للثعالبي تربط بين جودة الشعر، وصنف معين من الجن، وهو الأمرد من هنا نستخلص أن رؤية العرب للجن، ونفوذها على الشعراء، لم تكن تشمل الجن كلهم، ولا الشعراء جميعهم، إن العرب كانت تميز بين الجن وكذلك بين الشعراء، وهذا مظهر من الوعي باختلاف مقامات التلقي انطلاقا من تباين مقالات المبدعين. إن كل قصيدة جيدة تكشف عن نمط القوى الغيبية التي وراءها، وكلما كانت القصيدة آية من التعبير أوحت للمتلقين بعظم مصدرها. إن إحساس المتلقي العربي بجمال القصيدة وانتباهه إلى تباين الأثر الناجم عن سماعه الشعر، كل ذلك جعله يفصل بين الشعراء ويقيم فرقا بين أنواع الجن بقدر ما يفجرونه في الشاعر من طاقات الإبداع.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه ههنا، لماذا عزت العرب الشعر إلى الشياطين؟ يجيبنا الدكتور محمد العمري بقوله: "لقد كان الشعر غريبا في مواتاته وتمنعه، كما هو غريب في أثره الذي لم يجدوا له تفسيرا"(22).
تبدو الأسباب هنا نفسية بالأساس، إن القول بأثر القوى الغيبية في الشعراء من خلال إلهامها لهم، تعبير من عموم المتلقين، عما كانوا يجدونه في أنفسهم من انبهار أمام هذا الكلام الذي يتلى على مسامعهم، انبهار وإن كان يكشف لهم من جهة بعض جوانب الجمال الشعري، فإنه يكشف بالمقابل مظاهر عجزهم عن مضاهاة الشعراء الفحول، أو حتى القدرة على الرد عليهم.
ويربط الدكتور محمد العمري بين فكرة القول بالقوى الغيبية ممثلة في الجن وغرض الهجاء، في قوله: "وربمـا قوى بعض الشعراء الهجائيين هذا الميل إلى ربط الشعر بعالم الجن والشياطين باتخاذهم مجموعة من المظاهر والطقوس الغريبة التي ينتظر منها إحداث أثر في الخصم في مجالات الهجاء"(23).
يبدو من خلال النص، أن المتلقي يأتي في المقام الأول عند العرب لحظة ربطهم بين الجن والشعر. فالشاعر مقصده هو إحداث الأثر في المتلقي، من هنا يكون المهجو أكثر انفعالا للهجاء المقذع الذي يظن أن وراءه ذلك النمط من الجن الذي قيل عنه إنه أمرد كما أتى في تعليق الثعالبي.
لكن، هل الجن والشياطين حقيقية عاشها العرب في الواقع، أو كانت مجرد فكرة تقبع في الخيال؟ إنها أقرب إلى الأسطورة من الحقيقة فهي تندرج ضمن التناول الخرافي حسب الباحث توفيق الزبيدي.
ينطلق هذا الباحث من مرحلة الإبداع التي يرى أن العرب وقفت أمامها مندهشة، ذلك بأنها تبدأ بمعاناة يجدها المبدع في صوغ القصيدة، إن "حالة المعاناة حالة يكتنفها الغموض وهي مليئة بالأسرار مما جعل العرب يحيطونها بالاعتقادات الخرافية. وفي هذا المجال تتنزل ظاهرة شياطين الشعر. فلقد نزل القدامى الشاعر منزلة شخص غير عادي أخرجوه من الظاهرة البشرية ليجعلوه ضمن الجن"(24). يجعل الباحث ربط العرب إبداع الشعر بالجن اعتقادا خرافيا لا أساس له من الواقع. كما أن الباحث نفسه، يذهب إلى عقد أواصر بين عسر العملية الإبداعية وإرجاعها إلى هذه القوى كما رأى من قبل الدكتور محمد العمري، قائلا: "فاستقصاء الأدبية وعدم التمكن من السيطرة عليها، دفع بعضهم إلى تفسيرها عن طريق الخرافة"(25).
ويخالفهم الباحث مجدي أحمد توفيق الرأي، حيث يعتبر أن ما جاء في الروايات المستشهد بها آنفا، ما "يجعلنا نأمل أن يعيد الدارسون النظر فيما يسمونه بفكرة شياطين الشعراء"(26).
ويقف هذا الباحث عند قول الثعالبي الذي أكد فيه زعم الشعراء إلقاء الشياطين على أفواهها الشعر، ونسبة الشعر الجيد إلى ما كان أمرد من الجن، قائلا: "ويشير هذا النص إلى أن العرب لم تستخدم فكرة القوى الغيبية في تفسير مصدر الإبداع فحسب، بل استخدمتها في تفسير الملاحظات النقدية بجودة الشعر ورداءته وبتفاضل الشعراء في معيار الجودة إننا لسنا أمام كلام  في الخرافة لا قيمة له، إننا أمام أفكار نقدية هامة تعالج ظواهر الإبداع الفني"(27).
وإذا تركنا قضية صدق أو كذب هذه الروايات ومدى أسطوريتها جانبا، وتأملنا دلالاتها ومدى صلتها بالتلقي حجر زاوية هذا البحث، اكتشفنا أن نسبة الإبداع عموما والشعر بخاصة إلى هذه القوى الخفية دليل ساطع على وعي وإحساس العرب الكبيرين بالتلقي وصدورهم عن هذه الرؤية التي تربط الشعر بالأثر.
إن العرب لم تجد تفسيرا لفعل الإبداع نظرا لآثاره البالغة في النفوس، وهذا الأثر راجع إلى انفعالها للكلام الشعري دون سائر الكلام الذي كانت تتلقاه في مجالسها وأنديتها.
إن هذه النسبة، وتلك التهمة التي وجهت للشعراء لاستعانتهم بهذه القوى الغيبية، ليسا قدحا في حق الشعراء وليسا انتقاصا من قدر الشعر، بل إن ذلك رفع لمنزلة الشعر والشعراء واعتراف بجلال ما تقوله القصائد وما تجود به القرائح.
إن هذه الظاهرة، وإن لم تصح على أرض الواقع، فهي مسلمة عاشت في ضمائر المتلقين وفي أنفسهم وكانت مصدر إعجاب بالشعر وانبهار أمامه ولا غرو أن يحظى الشعراء باعتبار فائق ربما يصل درجة تقديس هذه القوى الخفية، ألا يستمد منها حسب زعمهم القول؟

- الشعـــر والتلـقي في الجاهلية:
كان للشعر في الجاهلية عند العرب مكانة مرموقة، لذا قال ابن سلام الجمحي: "وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم به، به يأخذون وإليه يصيرون"(28). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه"(29).
وبسبب هذه القيمة السامية جعلوه أعلى درجة من الخطابة هذا على الرغم من خطورة وجلال الخطيب، ولكن سلطان الشعر جعل الخطابة تتوارى، يقول أبو عمر بن العلاء: "كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب، لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم ومن غزاهم، ويهيب من فرسانهم، ويخوف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم"(30).
تتجلى مظاهر التلقي في هذه النصوص، من خلال المكانة الرفيعة التي أعطاها الإنسان العربي للشعر، وذلك باتفاق الجميع، لقد كان الشعر لديهم مصدرا معتمدا، وحكما مقدما، وهذه المنزلة السامية التي تبوأها الشعر تكشف أثر الشعر في نفوسهم وانقيادهم لسلطانه.
إن المهام المتعددة التي اضطلع بها الشعر تفسر أحوال التلقي في هذا العصر، فما دامت العرب ترهبه وتهابه وتسمق به فإن أثره فيها جلي. لقد "كان الناس  يحرصون عليه حرصهم على أعز الأشياء لديهم، وأثمنها في حياتهم، لأن في الشعر تنفيسا عن المكروب وغناء للواله"(31).
لذا، كـان الشعر والشاعر كلاهما من وحي تلك البيئة الجاهلية ينقلان ما تمـور به مـن ألوان الشقاء والسعادة، والحروب والسـلام، إذا "فالشعر.. صورة فنية موازيـة لحيـاة أصحـابه وأفكارهم وبيئتهم"(32).
إن هذه الوظيفة الجليلة، وتلك القيمة الرفيعة هما اللتان جعلتا الجاهلي يصغي لهذا الشعر ويرهبه ويحس في نفسه أحاسيس الافتخار والقوة خلال تلقيه واستقباله. و "الشعر الجاهلي في إطار ذلك صورة للبيئة التي صدر عنها أبناؤها بخصائصها وأشكالها، وقد نقلوها بعفوية مستمدة منها"(33).
إنها بيئة جعلت الشعر سلاحها في الداخل والخارج، وهذا ما جعل التلقي يشغل مساحة واسعة، حيث ينتقل الأثر من أفراد القبيلة إلى أعدائها. ولهذه الأسباب "كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها بذلك.."(34).
بوأت القبيلة الشاعر المرتبة الأسمى، وقد يفوق زعيمها أحيانا، نظرا لحجم وجسامة المهام التي أناطه بها ميثاق القبيلة، وكل هذا يبرز لنا من جهة أخرى منزلة التلقي. فما سر تمجيد الشاعر؟
لأنه "حماية لأعراضهم وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم"(35).
لقد سحب البساط ههنا من فارس الحسام ودانت الرقاب لفارس الكلمة الذي يردي خصومه صرعى بسحر ونفوذ منظوم فاخر، وليس بضربة سيف باتر. ومع هذه المكانة الجليلة للشعر والشاعر، ازدهر التلقي وتوسعت دائرته، لأنه محرك النفوس وباعث انفعالها وحاضها على الخير أو الشر. ووسط هذه الحظوة التي نالها الشعر والشاعر أمست مهمة الشاعر "في المجتمع العربي أخطر من دور العراف والساحر والكاهن.. وتأثير الساحر والكاهن محدود  بعالمها.. أما تأثير الشاعر أوسع وأبعد بكثير، فإن كلمته يتسع تأثيرها ليشمل المجتمع كله"(36).
2-2- المفاضلة بين الشعراء والتلقي:
انتهى الأمر بالعرب في الجاهلية لفرط عنايتهم بالشعر وتنافسهم في إجادة نظمه، وسعيهم لحيازة قصب السبق في إبداع قصائده، إلى عرضه في الأسواق المشهورة على نظر شعراء فحول اتخذوهم حكاما على قصائدهم.
أتى في الموشح، أن النابغة الذبيـاني كانت "تضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها"(37).
هذا الأسلوب الذي نهجته العرب أمام الملإ، زيادة على دلالته على عنايتها الفائقة بالشعر إبداعا، فإنه أبلغ في التعبير عن إيلائها التلقي اهتماما مضاعفا. وهذا برهان على وعي العرب العميق والشديد بعناصر وأبعاد الظاهرة الشعرية. وقد أفضى هذا النهج ولاشك إلى توسيع قاعدة المتلقين، كما أفضى إلى إعلاء شأن الشعر وقائليه، كما شجع على الاحتفاء بالشعر تلقيا وحفظا في الصدور وما ينتج عن ذلك من أثر في النفوس.
وقد ذاع تحكيم الفحول للفصل في شعر الشعراء، وصار تقليدا يلجأ إليه عند عسر القراء والاختيار، مما فسح دائرة التلقي أمام عدد كبير من المتلقين.
ومما يروى في هذا الباب، تنازع امرئ القيس وعلقمة الفحل في الشعر، أيهما أشعر؟ فادعى كل واحد للآخر بأنه أشعر منه، فقال علقمة: "قد رضيت بامرأتك أم جندب حكما بيني وبينك. فحكماها، فقالت أم جندب لهما: قولا شعرا تصفان فيه فرسيكما على قافية واحدة، وروى واحد فقال امرؤ القيس:
خليـلي مرا بي علـى أم جنـدب  نقـض لبانـات الفـؤاد المعـذب(38)
وقال علقمة:
ذهبت من الهجران في غير مذهب   ولم يـك حقـا طول هـذا التجنب"
نلاحظ أن أم جندب حددت للشاعرين شروطا موضوعية قبل إصدار حكمهما، وهذا يدل على وعي العرب منذ الجاهلية بقواعد النقد وضوابط الحكم على القول الشعري، كما تبرز هذه الرواية أن التلقي عند العرب لم يكن نشاطا عشوائيا خاضعا للهوى، ولكنه كان نشاطا مضبوطا يمتثل فيه المتلقون لسنن المعنى والمبنى والشعر عموما، ولا يسمح لهم بالزيغ عنها.
ولما أنشداها القصيدتين، قالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك. قال: وكيف؟  قالت: لأنك قلت:
فللسـوط ألهـوب وللـسـاق درة   وللزجـر منـه وقع أخرج مهذب
فجهدت فرسك بسوطك في زجرك، ومريته فأتبعته بساقك، وقال علقمة:
فـأدركهـا ثانـيـا من عنانـه   يمـر كمـر الرائـح المتحـلب
فأدرك فرسه ثانيا من عنانه، لم يضربه ولم يتعبه"(39).
يتبدى لنا من خلال حكم أم جندب قيام التلقي والنقد على تعليل يقف عند الشاهد في البيت الشعري، وفي هذا تزكية لما ذكر آنفا، من أن التلقي عند العرب صادر عن وعي نقدي وإحساس شعري في الآن نفسه. إن بيت امرئ القيـس لم يحرك نفس متلقـيته أم جنـدب، لأنه يتضـمن إجهادا للفرس وزجرا له، أما بيت علقمة فاستطاع ولوج فؤادها لما أحسته بعد تلقيه من الارتياح نظرا لأسلوب تعامل علقمة مع فرسه.
ولكن زوج أم جندب لم يستسغ هذا الحكم الذي صدر من زوجه فقال: "ما هو بأشعر مني، ولكن له عاشقة فسمي الفحل لذلك"(40).
بناء على هذه الرواية، وغيرها كثير في بطون مصادرنا، يتضح لنا أن العرب كانت مختلفة في تلقيها الشعر، فكل قارئ/سامع له ذوقـه الخاص الذي تكون لديه بالفطرة والتعلم والصقل ومعاشرة النصوص وتلقيها. والتنازع في الأشعر، معيار ينبئ عن تباين تلقينا للنصوص، فما يجده هذا المتلقي في شعر هذا الشاعر من الأثر النفسي والارتياح، قد لا يكون مقتسما مع قارئ آخر، من هنا كان اللجوء إلى تحكيم الفحول المشهود لهم بالتفوق آخر حل يتمسك به الطرفان المتنازعان.
واستقبال النص من لدن الشاعر المحكم، بفتح الكاف وتضعيفه، توسيع لرقعة التلقي وتحريض عليه بإصرار وقصد، الغاية القصوى من ورائه هو رؤية مدى نفوذ القصيدة في وجدان هذا الشاعر الذي عاش تجربة النظم ومعاناته، ودفع إلى مضايقه.
والتماس أم جندب من الشاعرين صياغة شعرهما وفقا لتلك الشروط الدقيقة يمنح تلقيها المعبر عنه في ما صدر عنها من أحكام، مصداقية تنبئ عموم المتلقين وعيها شروط المفاضلة التي تهدف إلى الإنصاف من هنا، نستنتج أن شعراء الجاهلية وانطلاقا من إحساسهم بحقيقة الشعر وقوانينه، وإدراكهم شروط التلقي ومؤهلات المتلقي المتدرب والمتصرف في فنون القول، لم يجازفوا بعرض شعرهم على من لا يحسن تقويمه وتمييز جيده من رديئه.
ولكن، لماذا رضي علقمة بأم جندب حكما/متلقيا بينه وبين امرئ القيس مع وجود قرابة بين الحكم وخصمه؟
وقد أكد حكمها الذي هو نتيجة لتلقيها أن العرب وإن عرفت عنهم عصبيتهم وانقيادهم للهوى في مواطن عديدة، إلا أننا نصادف في أم جندب شخصية فذة، لم تأسرها عاطفتها ولم تقعد بها أصرتها الأسرية عن الانسياق صوب الجودة التي ارتضتها، فجاء رأيها صراحا، وقالت دون مواربة  لامرئ القيس إن علقمة أشعر منك.
وهنا ثارت ثائرة امرئ القيس، والتمس لحكمها تعليلا، فلما تفوهت به، لم يتمالك مشاعره واتهمها بعشق علقمة.
إن العربي في الجاهلية، أحس أثر الكلمة في النفس وسحر الشعر في القلوب، لذا نراه يتجرد من كل الروابط القبلية والأسرية، ليعانق حقيقة نفسه التي نبض بها وجدانه، لكن، لماذا رد امرؤ القيس بقوله، له عاشقة.
إذا حملنا قوله لها والذي أتى رد فعل زمن تلقى الحكم، يغلب عليه كثير من الانفعال، ألفيناه مجانبا للصواب، ولكن إذا بحثنا مفهومه ألا نكتشف فيه حقيقة لابد من إبانتها ههنا؟
فأي عشق هذا؟ إنه عشق مغاير، ومن لون آخر لن  يكون بمقدورنا المثول بحضرته إذا لم تنطلق من بعد التلقي، فأم جندب لم تعشق علقمة، بل عشقت تعبيره وشعره لجماليته وانسجامه مع حقائق الأمور وهذا العشق ثمرة الكلمة ونفوذها لا يلام عليها العاشق/المتلقي، لا سيما إذا بسط أمامه تعليلا يعضده.
إن الإنسان "العربي مرهف الحس شاعري النفس فيه أريحة ونجدة، سريع الغضب، شديد الطرب فيه ذكاء وفيه بديهة وارتجال، ومن كان هذا شأنه لم يلبث إذا  جاش صدره بالمعنى أن يرسله قولا، ويصوغه شعرا"(41)
ومما يؤكد صلات أحكام التقويم النقدي أعلاه بالتلقي، صدوره عن مفاهيم بيئة المتلقين، وأعرافهم الاجتماعية، إن "المتقبل يصدر في تعليله لجودة النص من محيطه، فكلما كان النص الأدبي وفيا لعادات القوم كان وقعه أشد. وهذا أمر طبيعي في مجتمع يعتبر الشعر ديوانا"(42).

- الشعر والشاعر والتلقي في العصر الإسلامي.
إن المرجعية نوعان، مرجعية ظاهرة تكشف عن نفسها وتفصح عن مظانها، ومرجعية مضمرة، على الباحث الاستناد إلى قرائنها وأماراتها من خلال المنطوق أحيانا وعبر المفهوم في أحيان كثيرة.
وإذا كانت المرجعية العربية تحيلنا على العصر الجاهلي مباشرة نظرا لعامل الزمن طبعا، فإنها توحي بالعصر الإسلامي أيضا.
وقد زكى هذا الحكم قول حازم في منهاجه مرتين استنادا على قول ابن سينا عن العرب "إنهم كانوا ينزلون الشاعر منزلة النبي فينقادون لحكمه ويصدقون بكهانته"(43).
وإذا كان لقول ابن سينا ظلال في زمن الجاهلية، فإن له في الإسلام حضورا قويا.
لقد كان الشاعر في حياة الجاهلي رمزا للنبوغ والعبقرية فهو المقدم والمفضل لسموق موهبته وعلو كعبه، كان ينظر إليه بنوع من الإجلال وكثير من الإعجاب، لاسيما بعد تداول الناس خبر اتصاله بقوى خارقة يستمد منها سحر الكلام، أما عندما أطل الإسلام وأحدث انقلابا شاملا و "جاء النبي بدين جديد، ولكنه جاء ببينة على ما يقوله وهي معجزة نبوية أي القرآن الكريم، وكان عليهم أن يأخذوه بجدية لأنه جاءهم بكلمة وعليهم أن يفسروا (من هو؟) إن رفضوا نبوته"(44).
وقد عاشوا فترة تخبط شديد وارتباك صور القرآن الكريم بعض مشاهده لحظة تلقيهم نبأ الرسول ( المبعوث والوحي.
يقول تعالى- (بل قـالوا أضغـاث أحـلام بل افتراه بل هو شاعر)(45)
 - (ويقـولون أئنا لتاركـوا آلهتـنا لشـاعر مجنـون)(46)
 - (أم يقولـون شاعـر نتـربـص به ريـب المـنون)(47)
فإذا كان قول ابن سينا الآنف الذي استشهد به حازم، يبين نظرة العرب للشاعر، وأنه بمثابة نبي، فمن خلال هذه الآيات أعلاه يتضح لنا أن العرب قد جعلت النبي ( شاعرا في بادئ الأمر، زمن الجاهلية. وأمام اندهاش العرب وانجذابها للشاعر، وعجزها عن تفسير إبداعه وعوامله، نسبته لقوى خارقة وجعلته مثل النبي تقديرا وتقديسا. وفي العصر الإسلامي حين أحست العرب بالدهشة أمام وحي السماء، ولم تقدر إيجاد جواب لإعجاز القرآن الكريم، زعمت العرب أن محمدا شاعر، لماذا؟ لأنهم لما "تحيروا فيما يصفون به الرسول، وأي مطعن يوجهونه إلى القرآن، فقالوا هو شاعر، لما في قلوبهم من هيبة الشعر وفخامته"(48). لا نظن أن هذا الزعم، جعل الشاعر نبيا والني شاعرا من لدن العرب، محض صدفة، بل نابع من شعور حقيقي كان يخالج نفوس العرب اتجاه الشاعر أولا، واتجاه النبي ثانيا. إن العرب حين ووجهت بسؤال الوحي، فوجئت ولم تدري أين تصنف الرسول(، لقد كان "عليهم أن يضعوه مع أولئك الرجال الذين ارتبطوا في أذهانهم بقوى ما وراء الطبيعة وهم المجنون والساحر والكاهن والشاعر"(49).
وفعلا، نعتت العرب النبي( بأنه ساحر، مصداقا لقوله عز وجل: (وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين)(50). يتضح من خلال ما سلف، أن العرب اعتبرت النبي (ص) شاعرا ثم ساحرا، ويكشف لنا هذا الزعم، أن الشعر عند العرب نوع من السحر لما يخلفه في النفوس من أثر. ولم تكن هذه نظرة العرب في الجاهلية فقط، بل كانت نظرة الرسول (ص)  أيضا، يروى أن الرسول (ص)  سأل عمرو بن الأهتم عن الزبير بن بدر، فقال: "إنه لمانع لحوزته، مطاع في أدنيه" وقال الزبرقان: "إنه يا رسول الله ليعلم مني أكثر مما قال، ولكنه حسدني شرفي، فقصر بي".
قال عمرو: "هو والله زمر المروءة، ضيق العطن، لئيم الخال". فنظر النبي( في عينيه فقال: "يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وعضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الآخرة. فقال رسول الله (: "إن من البيان لسحرا"(51). إن ربط الرسول( بين البيان والسحر إشارة لبعد التلقي الموجود في البيان.
إن أداء السحر وظيفته في المتلقي رهين بحسن استخدامه من لدن الشاعر، لأن "المتأمل في البنية اللغوية لهذا الحكم يلاحظ ترابطا متينا بين النص ومفعوله وذلك واضح أساسا في التركيب الحرفي من البيان.. فليس كل بيان سحرا بل منه ما هو سحر"(52).
    ولإيضاح مفعول السحر من خلال البيان، أي الشعر، لابد من تحديد ماهية السحر، فما السحر؟
أتى في المصباح المنير في مادة سحر "قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحق ويقال هو الخديعة و(سحره) بكلامه استماله برقته وحسن تركيبه. قال الإمام فخر الدين في التفسير ولفظ (السحر) في عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقة ويجري مجرى التمويه والخداع"(53).
وقال الأزهري: "وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره فكأن الساحر لما رأى الباطل في صورة الحق وخيل الشيء على غير حقيقته فقد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه"(54).
يستخلص مما أتى في شروح مادة سحر أن مدار سحر في المعجم على التمويه والخداع والحيلة من لدن الساحر للمسحور، أو لنقل من الملقي على المتلقي.
هكذا، يضعنا مفهوم السحر كما بسط معانيه أهل اللغة في حضرة التلقي. ولكن السؤال الذي يتبادر ههنا، هل السحر كما عرف في الجاهلية هو السحر الذي أشار إليه الرسول( ؟
إننا كما نعلم، فالسحر الجاهلي مذموم لقوله تعالى: (لا يفلح الساحر حيث أتى)(55) وقوله: (وقال الكافرون هذا ساحر كذاب)(56) وقوله (كـذلك ما أتى الذين من قبلـهم من رسول إلا قالوا ساحر او مجنون)(57). تؤكد هذه الآيات أن للسحر قوة ونفوذا في التعبير عن حقائق الأشياء وقلبها ولكن يغلب على هذه الأمثلة القلب السلبي للأشياء فإذا السحر كما ورد في هذه الأمثلة خداع وكذب وتضليل وقدرة تصرف في الشر والنفاق"(58).
       بناء على ما سلـف فالسحر الجاهلي مذموم، لأنه يتصل بالشيـطان، وهو عمله المفضل،
لهذا حرص الفيومي على بيان اختلاف معنى "سحر" باختلاف حال ورودها، يقول: "وإذا أطلق ذم فاعله، وقد يستعمل مقيدا فيما يمدح ويحمد نحو قوله عليه الصلاة والسلام "إن من البيان لسحرا".. لما كان في البيان من إبداع التركيب وغرابة التأليف ما يجذب السامع.. شبه بالسحر الحقيقي وقيل هو السحر الحلال"(59).
إن مفهوم العرب في الجاهلية للشعر وربطه بقوى خفية خارقة، منسجم مع ادعائها بأن الشاعر ساحر، لأنها لما اعتقدت أن الشعر من وحي الجن والشياطين صار الشعر مرادفا عندها للسحر باعتبار هذه القوى تقول الشعر كما تفضل السحر، وينسب إليها.
ولما ادعت العرب أن الرسول (ص)  شاعر ثم ساحر، فقد رأته امتدادا لما عهدته في الشعراء باتصالهم بتلك المصادر غير المرئية.
ولما جاء الإسلام نسخ هذه المعتقدات، ومنح السحر معنى جماليا يتصل بالتلقي خاصة وفصل بين عمل الشيطان وعمل  الإنسان المبدع.
نلاحظ بعد هذا العرض، أن العرب نزلت الشاعر منزلة النبي في الجاهلية، وأنها قلبت الصورة فنزلت النبي منزلة الشاعر والساحر. كما نستنتج أن تصورات العرب في الإسلام امتداد للجاهلية.وحين نقول إن رؤى العربي في الإسلام كانت امتدادا لأفكاره الجاهلية، لا نعني أن الدين الجديد أخفق في تصحيح المفاهيم وتسديد العقول، بل إننا نصف أجواء الاحتكاك التي تم في بادئ الأمر، قبل حصول الاقتناع بتصورات الإسلام.
 
هوامش

1- استقبال النص عند العرب،للدكتور محمد المبارك،91،المؤسسة العربية للدراسات والنشر  بيروت،ط1/1999.
2 -  جمالية الألفة(النص ومتقبله في التراث النقدي)،لشكري المبخوت، 13،الحكمة قرطاج المجمع التونسي للعلوم والاداب والفنون،1993.
3 - التلقي في النقد العربي القديم، رشيد يحياوي، مجلةعلامات،247،ج19،المجلد 5،مارس 1996
4-  استقبال النص عند العرب، 10.
5- مفهوم الإبداع الفني في النقد العربي القديم،لاحمد توفيق،64،الهياة المصرية العامة 1993.
6- نفسه.
7-  مادة لهم في لسان العرب.
8- مناهج الدراسات الأدبية الحديثة، د. عمر الطالب، 59، مطبعة النجاح الجديدة، ط 1/1988.
9- جمرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام لأبي زيد القرشي، تحقيق الدكتور محمد علي الهاشمي، ط 2/ دار القلم دمشق، 1/166.
10- نفسه، 1/167.
11- نفسه، 1/168.
12-نفسه.
13- مفهوم الإبداع الفني، 57.
14- جمهرة أشعار العرب، 1/184.
15  -مفهوم الإبداع الفني في النقد العربي القديم، 101.
16-الموشح في مأخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر للمرزباني، 447 تحقيق علي محمد البجاوي،دار الفكر العربي.
17 - نفسه، 451.
18- الأسطورة والشعر العربي.. المكونات الأولى، لأحمد شمس الدين الحجاجي، مجلةفصول، م 4، ع 2/ 1984،  45.
19- ديوان حسان بن ثابت تحقيق الدكتور وليد عرفات، دار صادر، بيروت، 1/520.
20- المستدرك على دواوين شعراء العرب المطبوعة، للدكتور رضوان محمد حسين النجار، 315، معهد المخطوطات، نقلا عن نصوص المصطلح النقدي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين، للدكتور الشاهد البوشيخي، 173، ط.1 / 1413هـ - 1993، مطبوعات النجاح الجديدة الدار البيضاء.
21-  تمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي، 70، تحقيق  محمد أبو الفضل إبراهيم، دار نهضة مصر ، القاهرة 1965.
22- البلاغة العربيةأصولها وامتداداتها،د.محمدالعمري،48،افريقياالشرق 1999.      
23 - نفسه.
24 - مفهوم الأدبية في التراث النقدي إلى نهاية القرن الرابع، توفيق الزبيدي، 55، النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط 2، 1987. 25 - نفسه، 59.
26 - مفهوم الإبداع الفني، 56.
27 - منهاج البلغاء وسراج الادباء،لحازم القرطاجني،تح محمد الحبيب بن الخوجة،56،دار الغرب الاسلامي ،بيروت لبنان ط3/1986..
28 - طبقات فحول الشعراء، لابن سلام الجمحي، قرأه وشرحه محمود محمد شاكر، دار المدني بجدة، 1/24.
29 - نفسه، 1/24.
30 - البيان والتبيين للجاحظ،تح ع السلام هارون 1/241،مكتبة الخانجي القاهرة./241.
31 -  تاريخ الشعر العربي حتى أواخر القرن الثالث الهجري، لنجيب محمد البهبيتي، دار الفكر، 48.
32  -البيئة الطبيعية في الشعر الجاهلي للدكتور حسين جمعة، مجلة عالم الفكر، م 25، ع 3. مارس 1997،  262.
33 - نفسه، 262.
34 -  العمدة في محاسن الشعر وادابه،لابن رشيق القيرواني،1/153 ،تح د.محمد قرقزان، دار المعرفة ،بيروت لبنان ،ط1/1988.                    
35 - نفسه.
36 -  الأسطورة والشعر العربي، 48.
37 - الموشح، 77.
38 - نفسه، 35، 36.
39 - الموشح، 35، 36.
40 - نفسه.
41 - حسان بن ثابت، للدكتور طاهر درويش، 68،  دار المعارف بمصر، ط.
42 - مفهوم الأدبية، 15.
43 - نفسه.
44 - الأسطورة والشعر العربي، 48.
45 - الأنبياء، 5.
46 - الصافات، 36.
47 - الطور، 28.
48 - حسان بن ثابت، 35.
49- الأسطورة والشعر العربي، 48.
50- سبأ، 43.
51- البيان والتبيين، 3/349.
52- النص ومفعول النص، نور الهدى باديس، مجلة علامات في النقد: ج 19، المجلد 5، مارس 1996، 231.
53- المصباح المنير مادة سحر..
54- لسان العرب، مادة سحر.
55 -  طه، 68.
56 - ص، 4.
57 - الذاريات، 52.
58 - النص ومفعول النص، 241
59 - المصباح المنير، للفيومي ، سحر.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home