قصة

 

القاضي وكلبه

محمد المهدي السقال



قصة قصيرة

القاضي وكلبه

محمد المهدي السقال

سمع الناس بموت كلب القاضي , فهبُّوا يعزُّون الرجل , حاملين إليه طقوس العزاء أكياساً بلاستيكية سوداء , مثقلة بقوالب السكر , استقبلهم صاحب الفقيد بوجه بشوش لم يروه به قط في جلسات المحكمة , وكان الناس فريقين , منهم أولئك الذين يفسح لهم الباب للمشاركة في حفل التأبين , و منهم هؤلاء الذين تقبل قوالبهم , ليعودوا أدراجهم من حيث أتوا , استوقفه الصغير للسؤال : و من أين أتوا ؟ لم يجد الأب مناصاً من الاستجابة , غير أنه وجد نفسه يفكر مليا , تصور لحظة , أن الجواب يمكن أن يجرَّ إلى ما يستدعيه من استفسارات , حول سبب التمييز بين من يشتركون في العزاء , ونسي أن يذكر لهم في الحكاية ما حمله الذين سمح لهم بالدخول , من هدايا بعضها في أظرفة وبعضها في علب متفاوتة الأحجام , فذكرهم ثم عاد إلى الصغير : أتوا من الضواحي و الأطراف , يسكنون خيمات القصب الطينية, و يردون مع دوابهم من ماء الوادي الموسمي , و إنما جاؤوا إلى القاضي لتعزيته في كلبه , تقرُّباً إليه من أجل إنصافهم في نزاعهم مع المخزن , ولم ينتظر الأب هذه المرة أن يستوقفه أحد , ليستدرك بشرح المخزن الذي يتحدث عنه , كانت وزارة الفلاحة قد هددتهم بالخروج من الأرض بالقوة , لكنها بعد فشلها في طرد السكان , لجأت إلى المحكمة , من أجل تبرير استعمال القوة اللازمة , حتى لو أدى الأمر إلى تحريك قوات البر والجو , ثم طلب منهم ألا يقاطعوه قبل إتمام الحكاية , فرح القاضي بالحاضرين ممن فسح لهم الباب , و زاد سروره أكثر , حين تقدم أصحاب الكلمات يمجدون في الراحل بذكر ما عرفوه ولم يعرفوه من حسنات خصاله , وختم أحدهم كلمته قائلا : وهذا إن دل على شيء , فإنما يدل على حرص السيد القاضي , على أن يكون ما في الكلب الميت بمثل حسنات خصاله , ثم أخذت الكؤوس تعرف طريقها إلى الحناجر, ليتحول العزاء إلى مجلس توزع مجموعات متفرقة , تتبادل فيما بينها لغو الحديث في الحلال والحرام , مابين العشاء والفجر , و لم يمر على الاحتفال غير بضعة أيام , حتى سقط القاضي مريضا بالزكام , وسمع الناس بما نزل به , فهبوا إلى البيت للتعبير عن حزنهم عليه والدعاء له بعاجل الشفاء , وكانوا أيضا فريقين , لم يجد الأب حاجة للتفصيل فيما بدا أنه واضح للعيان , فانتقل إلى تتمة الحكاية , وذات يوم , بينما كان القاضي راكبا حصانه المسمى "بيصرة " , اندفعت إليه امرأة تمسك بأقدام الحصان المدكوك كالحمار , تشكوه ظلم " الشيخ " الذي يراودها عن نفسها بالوعيد والتهديد , وما هي إلا برهة , حتى وجد القاضي نفسه ملقى على الأرض , تتناوب عليه حوافر متقنة التصفيح بالخالص من الحديد المستورد , ولم يدركه العابرون إلى الرصيف الأيسر إلا بعدما فارقته الحياة , شاع في البلاد موت القاضي الذي لحق بكلبه , قاطعه ابنه الصغير : وهب إليه الناس و .. , لم يتركه يتابع , لا يا ولدي , مات القاضي , ولم يأت بيته أحد

. *************

محمد المهدي السقال المغرب

 

 ****

ك.خ

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home