مقال

 

فى الذكرى الثانية : الحريرى وجعجع وجنبلاط .

زياد ابوشاويش



في الذكرى الثانية :الحريري وجعجع وجنبلاط .

 بقلم : زياد أبوشاويش

 لعلنا جميعاً تابعنا المهرجان الحاشد الذي اجتهدت السلطة اللبنانية الممثلة لفريق الرابع عشر من آذار في إبرازه كدليل على شرعيتها الشعبية للتعويض عن الشرعية الدستورية المنتقصة في غياب طائفة رئيسية عن هذه الحكومة وهو ما يفقدها شرعيتها بالنص الدستوري الملتبس منذ نشأة الكيان اللبناني وتركيبته الطائفية المتميزة ، الذي يثبت مفهوم العيش المشترك وبمعنى مشاركة الجميع في السلطة بغض النظر عن الأغلبية البرلمانية ، التي تحدد معالم الحكومة ونسبة القوى المشاركة، لكنها لا تكسبها الشرعية في حال غياب طائفة رئيسية عنها الأمر الحاصل بعد استقالة وزراء حزب الله وحركة أمل . ولعل الحديث عن كلمات أقطاب السلطة اللبنانية لابد أن يسبقه إلقاء نظرة متفحصة على مجريات الأمور على الساحة اللبنانية ارتباطاً بكل السياق المتوتر الحاصل في المنطقة .

وليس من باب الصدفة أن يبرز هذا الحجم من التناقض بين كلمة السيد سعد الحريري صاحب المناسبة ( والذي يفترض أنه الأعلى صوتاً ونبرة في المطالبة بدم أبيه والأكثر حرصاً على توجيه الاتهام أو اللوم الى جهات المعارضة ومن يدعمها والذي يقود حتماً وكالعادة لاتهام الشقيقة سوريا بدم الحريري وغيره ممن اغتيلوا عشية الخروج السوري من لبنان وغداته) ، وبين قطبي الحرب الأهلية المشهورين وشريكي الحريري الأقربين في السلطة وفى المواجهة التي تجرى على الساحة اللبنانية منذ اغتيال رفيق الحريري وخروج القوات السورية من لبنان قبل عامين تقريباً ، هذه المواجهة التي كانت تجرى قبل هذا التاريخ، لكن من وراء الستار، الذي تم إزاحته بالتدخل الامريكى، أو ما سمي بالدولي للجم النفوذ السوري ، الذي تضرر كثيراً جراء عملية الاغتيال المدانة والتي راح ضحيتها رجل لبنان القوى والحليف الأوثق للنظام السوري رفيق الحريري .

 لقد سبق هذا المهرجان جملة من التطورات السياسية والميدانية بدءاً من نتائج حرب تموز العدوانية على لبنان وحتى الصدام الدامي الذي جرى في الجامعة العربية وحولها بين الطلاب من كلا الاتجاهين المتنافسين، هذا الصدام الذي يمكن أن نطلق عليه الحد الفاصل بين التهدئة وإبقاء مستوى الاشتباك في حدوده المرسومة أو التوغل باتجاه حرب أهلية مؤكدة تجر في أتونها العديد من الجهات المحلية والإقليمية وربما الدولية، الأمر الذي لا ترغب فيه كافة الجهات المنغمسة في هذا الصراع بأبعاده المتنوعة وحساسيته المعروفة ، وفى ذات الوقت أوصلت هذه التطورات الى استقطاب حاد على الساحة اللبنانية جعل من أي تسوية لاحقة، عملية في غاية الصعوبة والتعقيد .

وحتى تتضح رؤيتنا لسياقات هذا الصراع ومترتباتها ، فقد أشرنا سابقاً وتحت عنوان نظرة للمستقبل بأن هذا الصراع سينتهي بلا غالب ولا مغلوب على الأرجح ، الأمر الذي ما زلنا نضعه في مقدمة الاحتمالات المفترضة لنهاية هذا الكباش اللبناني الكلاسيكي المتكرر على مدار ما يزيد على قرن من الزمن . ومن اللافت في كلمة السيد جعجع تأكيده على مفهوم المقاومة من زاويته الخاصة، والتي وضع فيها كل الجهات التي يراها حليفة له في دائرة قوى المقاومة، والذي يعنى أنه لا فضل لأحد على أحد في هذا المجال مستنداً في إشارته هذه الى دور الجيش اللبناني الذي تصدى قبل أيام من المهرجان لتقدم إسرائيلي محدود باتجاه الاراضى اللبنانية عبر جرافة وبعض الآليات ، مما أكسبه احترام وثقة الجمهور اللبناني بكل أطيافه السياسية والتي أثنت جميعها عليه، وعلى سلوكه المنسجم مع روحية الدور المفترض للجيش دفاعاً عن أرضه ، كما لم يفت السيد جعجع الإشارة الى ضرورة أن يسلم حزب الله سلاحه تحت يافطة أن لا شرعية لأي سلاح سوى سلاح الجيش اللبناني ، وأنه أي الجيش يقوم بحماية الحدود كما أراده حزب الله أن يفعل ، وبالتالي لا مبرر لبقاء هذا السلاح بيد حزب الله ، ولم يكتف بذلك بل قام كالعادة بالهجوم على رئيس الدولة ، ووجه له بعض العبارات القاذعة وغير اللائقة من نوع " سنلقيه في مزبلة التاريخ " وغيرها من الكلمات والتعابير الجافة ، على الرغم من أن الرئيس لحود هو الذي وقع مرسوم الإفراج عنه ولولا ذلك ما حظي جعجع بحريته .

كما لم يوفر سوريا من نقده وتهجمه، الأمر الذي لم يشكل أي جديد على موقفه المعروف ، ولعل الشيء المميز في إطلالة سمير جعجع الإعلامية تكرار لهجته المتحدية لكل الخصوم بمن فيهم سوريا، ولهجته الواثقة من أن كل ما تقوم به المعارضة لن يؤدى الى أي نتيجة تغير الواقع الراهن أو تمس سيطرة الأغلبية البرلمانية على السلطة، وأنهم لن يذعنوا تحت أي صنف من صنوف الضغط للحل الوسط الذي يسمح بمشاركة كل الكتل البرلمانية في الوزارة التي ينادى بها فريق المعارضة اللبنانية باعتبارها حكومة وحدة وطنية يتطلبها الظرف اللبناني ونتائج حرب تموز العدوانية عليه ، كما الظروف الإقليمية المحيطة والتي تشير بمجملها لحجم لا يستهان به من الأخطار وفى طليعتها خطر الفتنة الطائفية والمذهبية التي تثيرها سلوكيات الإدارة الأمريكية واستراتيجيتها الجديدة في العراق ومجمل المنطقة .

هذا الخطر ومع وجود الدولة العبرية على الحدود وتهديداتها المستمرة بالرد على إخفاق تموز والتدخل المستمر لسفراء بعض الدول في الشأن اللبناني الداخلي ، جعل من دعاوي قوى المعارضة حول ضرورة الوحدة الوطنية حداً لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال ، بل إن الدعوة لانتخابات برلمانية جديدة كنتيجة لإسقاط الحكومة أو سقوطها التلقائي بفعل الضغط في الشارع أصبح مطلباً تصعيدياً للمعارضة الوطنية والإسلامية في تكتيك مرن يخدم الهدف المشار له، ولا يؤدى لإشعال فتيل مواجهة دموية، لا يستطيع أي فريق أن يضبط إيقاعاتها . وفى تفسير ثقة جعجع ، فان المرء لا يملك سوى أمرين : الأول هو وجود جهات خارجية نافذة تقدم له الدعم كما المعلومات ، وهو ما يعنى وجود ضمانة حاسمة لعدم سقوط الحكومة الحالية الأمر الذي أشارت له صراحة وزيرة خارجية أمريكا وبعض حلفائها الغربيين . أو أن الرجل يقوم بالتهويش عل وعسى .

 أما القطب الثاني في قوى الرابع عشر من آذار السيد جنبلاط فقد رأى في الهجوم الأمريكي على سوريا والضغط باتجاه حرمان سوريا من أي مشاركة أو إنجاز على صعيد أزمات المنطقة سواء في العراق أو فلسطين ، فرصة للهجوم السافر وغير المسبوق عليها وعلى رئيسها الشاب، ومع تهديدات مباشرة بالويل وبحكم الإعدام نتيجة المحكمة الدولية المزمع إنشاءها للنظر في اغتيال الحريري وجملة الاغتيالات اللاحقة وربما السابقة ، وقد كان أمراً يدعو للأسف أن يصل جنبلاط الى هذا المستوى من السفه في الهجوم على سوريا ونظامها ورئيسها، تماماً مثل الاستخفاف والتعريض بحزب الله وقائده ، الأمر الذي يحار المرء أحياناً في تفسيره ، وفى تناقض واضح ً هذه المرة مع اللهجة الهادئة والتصالحية التي تحدث بها السيد سعد الحريري والتي خلت تماماً من أي هجوم على سوريا أو رئيسها كما على الفريق الخصم داخلياً ، بل الأكثر هو دعوته لمشاركة الجميع في الحكومة بشرط الموافقة على المحكمة الدولية كمقدمة لذلك، وهو الشرط الذي توافق عليه قوى المعارضة مع بعض التعديلات التي ربما تكون ممكنة في ظل أجواء ثقة يعاد بناؤها مع حزب الله والمحيط العربي وتحديداً سوريا ، وقد تلعب العربية السعودية دوراً على هذا الصعيد .

إن هجوم وليد جنبلاط بهذه الطريقة يمكن تفسيره على أكثر من وجه ، فهو من جهة يعبر عن أزمة حقيقية يعيشها الرجل وتياره في ظل الحديث عن تسوية للخلاف الشيعي السني الأمر الذي سيكون حتماً على حسابه وهو بهذا يشترك مع جعجع في هكذا حسبة سياسية . وفى الوجهة الأخرى يمكن تفسيره على خلفية الدور الذي أوكلته إليه الإدارة الأمريكية والاحتضان الملحوظ منها للرجل، الأمر الذي جعل ثقته بنفسه تصل الى حدود نرجسية خطيرة وغير موزونة .

 والاحتمال الأخير هو شعوره بأنه توغل كثيراً في العداء لسوريا حكومة وشعباً ولم يبق أمامه سوى الهروب للأمام عسى أن تكون المصالحة مع النظام السوري ممكنة في ظل أي تفاهم سوري أمريكي لاحق وبشروط أفضل له داخلياً ، ولا ينتقص من هذا الاحتمال أحاديثه المتكررة عن استحالة المصالحة مع سوريا ، فالجميع يعرف الطبيعة المتقلبة للرجل وإمكانياته الهائلة على هذا الصعيد ، وربما لم تشهد الساحة اللبنانية ولا العربية رجلاً سياسياً ليس له أي ثوابت مثل السيد جنبلاط . والآن وفى ظل الوضع الراهن ووقوف الفرقاء عند حافة الهاوية والحديث المعاد عن مبادرات عربية لحلحلة العقد وإنجاز تسوية مقبولة لكلا الطرفين ، أين يمكن وضع الكلمات التي ألقيت في مهرجان تأبين الحريري الراحل بذكراه الثانية ؟ أعتقد أن الكلمات الثلاث التي استمعنا إليها في المهرجان تشير بوضوح لتباين سياسي بين الحريري من جهة وبين كل من جعجع وجنبلاط من جهة أخرى ، وربما يكون ذلك من باب تنسيق الأدوار أو التكتيك السياسي الذكي والمفهوم ، لكن الفارق كان شديد الدلالة ، وحجم الاختلاف وليس الخلاف كان بالشكل الذي يوحى بأن وراء الأمر تسوية من نوع ما يجرى طبخها على نار هادئة ربما نراها قبل حلول هذا الصيف، أو أن هناك قناة خلفية لا يعرفها جنبلاط وجعجع تجرى من خلالها بعض التفاهمات بين الحريري وحزب الله . إن الاحتمال الآخر للدور والوضع الذي ربما توخاه أقطاب الرابع عشر من آذار يأتي على خلفية ذلك الشعور لديهم بأن الظروف المحيطة ليست مواتية وأن الأمريكيين غارقون في مستنقع العراق الدامي بدرجة لا تمكنهم من مد اليد لهم بشكل جدي وأن صبر حزب الله وحلفائه عليهم بدأ ينفذ وبالتالي لابد من رمى العصا أمام الراعي كما تقول أمثالنا العربية ، فمن جهة التهديد والوعيد والشتائم والاستخفاف ، ومن الأخرى اليد الممدودة للتصالح والاتفاق تحت عنوان مصلحة الوطن والحفاظ على السلم الأهلي . إن مصلحة الحريري واستثماراته المالية والسياسية ومعه مجموعة كبيرة من كتلته النيابية تقود الى لهجة تصالحية وموقف مرن تجاه الخصوم الحاليين والحلفاء السابقين لوالده الراحل بخلاف السيدين جنبلاط وجعجع واللذان تعودا على الزعامة بالفتونة وفى سياق الحرب الأهلية وتحت ظلالها .

كما أنه يدرك ككل من أطل ولو بشكل بسيط على تاريخ هذه المنطقة بأن لبنان لا يمكنه العيش بسلام أو براحة في ظل العداء للشقيقة سوريا ، بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم فيها ، وبغض النظر عن قوة هذا النظام أو ضعفه . أما إذا نظرنا لمجمل الأوضاع في المنطقة العربية وما يجرى على الساحتين الفلسطينية والعراقية ، فسنجد كلمتي جنبلاط وجعجع خارج سياق الحالة الراهنة وفى تضاد معها إن أحسنا الظن بهما وتجيئا في سياق الخطة الأمريكية ولخدمتها إن أسأناه ، أما كلمة السيد سعد الحريري فتأ تي في سياق فهم أفضل للوضع العربي وأزماته المنظورة ، وبواقعية تبقى كل الأبواب مشرعة أمام خروج لبنان من أزمته الحالية على طريق انفلاته المأمول من أي نتائج سلبية لنتائج وسياقات الصراع الدائر في المنطقة . وفى ختام تناولنا لما جرى في ميدان الشهداء ببيروت تبقى عيوننا شاخصة لردة فعل الفريق الآخر ، وخصوصاً حزب الله الذي جرى على لسان بعض قادته تقييم للكلمات التي ألقيت ولم تخرج في مجملها عن ما أوردناه ، غير أننا جميعاً لابد وأن نتساءل عن الجانب العملي لهذا الرد.....كيف سيكون؟.... وأين... ومتى ؟

زياد أبوشاويش Zead51@hotmail.com




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home