مقال

 

العم ضرغام فى اجتياز حقل الألغام .

م. زياد صيدم



ليس شرطا أن يكون العم هو أخ الأب فقد يكبرنا شخص ما فى العمر ، فنصبغ عليه لفظ العم من باب الأدب والاحترام، وقد يكون الشخص متمتعا بهيبة وفرتها له بعض الامتيازات فى المال الوفير أو الوجاهة أو ناجم عن منصب حكومى رفيع يتقلده، فيكون لفظ العم أيضا من باب الاحترام والتبجيل له... حديثنا اليوم عن العم ضرغام الذى اكتسب كثيرا من الصفات سالفة الذكر و لطالما تعرض لكثير من الأحداث فى حياته مما اكسبته خبرة لا تقارن بكثير ممن يحملون شهادات عليا وقليلى الخبرة بالناس والمجتمع...فالعم ضرغام واكب عن قرب وجوه متعددة ممن حكموا البلاد وكذلك ربطته علاقات متينة مع من قبضوا على مفاتيح الثروة والمال وحكموا البلاد أيضا من وراء الكواليس !! وها هو اليوم يجد نفسه حكما بين فرقاء اختلفوا فتعاركوا وتنازعوا فيما بينهم فكادت أن تذهب ريحهم، وذلك على قطعة أرض أصغر من مارس (حقل) مزروع بالقمح فى ولاية أريزونا الأمريكية، على الرغم من تواجدهم فى بقعة جغرافية لا تكاد ترى على الخريطة الكونية المدرسية، تكثر فيها الأفواه والقوارض البشرية ( أعمارهم أقل من 12 عام ) التى تستهلك من الطحين ما تستهلكه مجموعة من دول الخليج العربية مجتمعة !! ومن الفقر ما زاد عن مجموعة دول افريقية مجتمعة !!...حتى أن شياطين الجن تلبسوا فى كثير منهم فخرج مزيج من عينات (طفرة) شيطانية القلب والعقل !! حتى أن البحر الذى هو أحد حدودها من المفترض أن يكون فيه الخير الوفير، أضحى مقفهرا كصحراء خالية إلا من طحالب مائية تخرج بين الحين والآخر على الشاطىء فقد هجرته الأسماك والبحريات بأنواعها، ولوثت مياهه أنهارا آسنة من مخلفات بنى البشر ومع هذا كله فقد تناحر وتجادل وتقاتل الأشقاء ؟؟!!. وجد العم ضرغام نفسه حكما وقاضيا فى خضم هذا التناقض العجيب والمستهجن ...وبينما هو مع الفرقاء يستمع إلى حواراتهم وجدلهم ونمقهم للكلام بكل ما فيه من زخرفات وفواصل ونقاط وعلامات تعجب و استفهام دخل عليهم رجل شاحب الوجه زائغ العينين وقد حمل هموم الأرض كلها فى ورقتين أخرجهما من جيبه فطلب منه العم ضرغام بتسليمه الأوراق فقال الرجل ويكاد صوته يخرج من حنجرته التى أرهقها النواح والبكاء وقال هاكم أولادى الاثنان كما أسفرت عنه ساحات المواجهة المفتوحة بين الأشقاء الأعداء فتقدم الفريقان وأمعنا النظر فيهما ولاذا بصمت غريب وحياء رهيب، وتصبب العرق من كلاهما وتراجعا كل فى مكانه بهدوء فتقدم العم ضرغام فتبين له حقيقة الموقف الجلل بعد أن تفحص الورقة الأولى وشعارها " كتائب الأقصى" والثانية وشعارها " كتائب القسام " فنظر إلى الأب فرد عليه المفجوع بهز رأسه ودموعه قد تساقطت قطرات ملتهبة على الأرض، وبدأ بالانصراف حاملا فلذات كبده فى أوراق وفاة بيده وهو يتمتم بكلمات...و قبل أن يغادر باب القاعة التفت للجمع بنظرة واحدة فيها ملخص لكل المآساة التى بأيديهم يصنعون....ثم انصرف جارا قدماه بتثاقل شديد ورأسه متجها نحو السماء...... أما المجتمعين لم ينتظروا العم ضرغام من التعقيب أو الكلام فقد أجهش الجمع فى بكاء بل نحيب، سمعت أصواته من خارج القاعة وما هى إلا لحظات حتى تعانق أصحاب الأرض الواحدة والدم الواحد والمصير الواحد والهدف الواحد والدين الواحد ونظرا إلى العم ضرغام فلم يجدوه فقد اختفى وشوهد خارج القاعة مبتسما وعيناه شاخصتان إلى السماء يناجى ربه متضرعا، شاكرا، حامدا له قائلا... الآن بدئوا طريقهم الطويلة والشاقة إنها طريق السلامة والنجاة والخلاص وتحرير الأرض والقدس والمقدسات كلها ،طريق البناء والأمل والكرامة، طريق التقدم والازدهار والرخاء. وفى الطريق الوحيدة أمام القاعة التى سيبدئون منها العودة إلى ديارهم زرع ضرغام يافطة (إشارة طريق) مع شارة سهم باتجاه واحد أسفلها مكتوب عليها طريق الوحدة الوطنية الفلسطينية. إلى اللقاء. ====== حكاية الشقيقين القتيلين من فتح وحماس حقيقية لأسرة من شمال القطاع والأب أعرفه جيدا بحكم الزمالة القديمة حيث ما زال يعمل فى إحدى الوزارات. اللهم ما اجعلها آخر الأحزان والفواجع على هذا الشعب العظيم المجاهد آمين...آمين .




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home