قصة

 

الحصة الاولى

فارس السردار



حصة الأولى

قصة قصيرة          

                                                            فارس السردار

 

 

 

 

 

 

 

رن الجرس. أطفأ السيجارة، اخرج جدول الحصص الذي تفحصه أكثر من مرة. جمع أوراقه ونهض ، فاجأته المرآة، تطلع فيها . لم ير وجهه. كان ثمة أشباح تتوزع في عمق المرآة. مسح بيده صفحتها ، كان الطلاء متآكلا بعض الشيء.لكن ثمة حركة  خفية تحاول أن تنقلها تلك الزجاجة البلهاء. اقترب منها ، ليست غريبة عليه، المفردات المتشكلة في العمق كأنما كانت تستوطن أعماقه. لكن هذه الصورة السبحية لا زالت تحجب عنه الفهم.التفت هاربا بعينيه اللتين ضجتا بألسؤال، كان جميع المدرسيين قد خرجوا إلى حصصهم. و أقفر المكان ، أعاد النظر:

 

هذا ملجأنا في الفاو..!

 

وهذا موضع الجلكانات..وتلك مشاجب السلاح، وجولتنا الحقيرة ذات السخام.إبريق الشاي ، والأقداح المترعة دوما.

 

الفانوس بزجاجته المتسخة.وصور كاترين دينوف ..استيفاني وتلك صورة فيروز صغيرة اتخذت وضعا مائلا.

 

أز الباب

 

التفت . فاجأه صوت المدير ..( حصتك يا أستاذ)

 

أراد أن يدعو المدير. ليعرفة بالمكان الذي جاء منه ، لكن نبرات صوته التي خفتت فيها روح المجاملة جعلته يتراجع. أحس بإصبعه المطبقة على الأوراق غارقة بالعرق.أشاح بوجهه نحو الصف ، استقبلته أعين الطلبة النهمة، كعيون قطط صغيرة . تطلعوا فيه ، تفحصوه رسموا له في رؤوسهم صورا شتى ، وربما اهتدى أحدهم إلى نعت يلصقه به ليرافقه طيلة رحلته في التعليم.بدا له المشهد قابل للسيطرة.إلا انه نسي أن يدعوهم للجلوس. ولم ينتبه لتعلق أحدهم ( انه لا يحمل عصى )كانت عيناه تجولان بعيدا ترسم خطوطا مستقيمة لترا صفهم ،حيث فصيله الذي ترك منذ أيام والذي عاش معه سنين الحرب. تململ البعض. عند ذاك قال:جلوس

 

جلس الجميع ، ألقى بأوراقه على المنضدة. وبحثت أصابعه الدبقة على الطبشور.أراد أن ينحي الدرس ، درسه الأول ، ويمضي بهم ليحدثهم عن عالمه ذاك ، لكنه حار في الوسيلة. تمنى لو يسأله احدهم، تفحصهم لكن أحدا لم يوح له بالرغبة. خط على الصبورة اسم الموضوع. ولا إراديا وجد نفسه يكتب على الطرف الأيسر عبارات أثارت استغراب الطلبة :

 

الكلي/

 

المتفرقة/

 

الحاضر/

 

لم يفهم أحد منهم ماذا تعني هذه الكلمات إلا انه أحس بحرج شديد وبحث عن الممحاة و أزالها بسرعة. لكن هذه الكلمات كانت قد انطبعت في رؤوس الصغار. هكذا قدر وأدرك أن هذا اليوم الذي خطط له طويلا وحلم به قد فسد. ود لو يرن الجرس.

 

تذكر مقولة لنابليون بونابرت(إن دخول معركة أمر هين ، مقارنة مع دخول قاعة امتحان).

 

طير هذه الفكرة المميتة من ذهنه. وتوجه نحو السبورة . هربا من العيون التي باتت تلتهمه..قائلا: سألقي عليكم محاضرات الفيزياء لهذه السنة. انتم تعلمون أن الفيزياء علم ذو أهمية خاصة في حياتنا اليومية ، فهو يحمل في طياته القدرة على التفسير لأغلب الظواهر التي تشحن الذهن بالتساؤلات..

 

حين رن الجرس انتبه، وكمن أفاق من حلم كان التلاميذ هادئين،وقد استسلموا له بالكامل.وقد أعطوه كل ما يطلب من هدوء وإصغاء .وقدر أن درسه هذا كان نموذجيا. وان كل تحذيرات المدير هي محض افتراء على هؤلاء التلاميذ.فليس هناك شيء يمكن أن يعطل الدرس، من شغب أو محاولات الخروج عن الموضوع،أو للأحاديث الجانبية، جمع أوراقه وهم بالخروج، لكن أحد التلاميذ بادره وهو يهم بفتح الباب:

 

أستاذ: هل هجم العدو عليكم بالليلة التالية لأزاحتهم عن ارض الوطن؟.

 

ووجد نفسه يقول بحماس.

كلا..لأننا قذفنا بهم بعيدا وراء الشط.

***

ك.خ




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home