دراسات هامة

 

الأدب التمثيلي في بلاد الرافدين / حوارية السيد والعبد نموذجا

حسام سفان



الأدب التمثيلي

في بلاد الرافدين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد

حوارية السيد والعبد نموذجاً 

حسام سفان

 

  منذ أن بدأنا نرضع حليب الأدب ، ونحن نجترّ معلومة باتت تسري في دمائنا ؛ الا وهي أن قصب السبق في الفن التمثيلي / المسرح يعود إلى الإغريق بلا منازع ، ويعدّ كل ّ من سوفوكليس ويوربيدس " القرن الخامس" درفتي الباب الذي تسرب منه المسرح إلى الآداب العالمية ، فاليونان منبع المسرح وربيبته .

 

  النص الذي بين أيدينا يعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد وهو مكتوب في بابل ، وبالتأكيد سيصعق كل من يقرأه ، لأنه لا يعد جذراً من جذور المسرح ، بل يمكن عدّه مسرحية  بكل ما تحمله الكلمة  من معنى .

 

النص :

حوارية السيد والعبد

 

- السيد:       اسمعني أيها العبد.
- العبد :       أجل يا سيدي، هاأنذا مصغٍ إليكَ .
- السيد:       هيىء لي عربتي واحضرها، أريد أن أذهب إلى القصر
- العبد :       اذهب يا سيدي اذهب! فانك ستحقق كل رغباتك وستنال الحظوة والرعاية عند  

                  الملك .
- السيد:       لا أيها العبد لن أذهب الى القصر
- العبد:        لا، لا تذهب يا سيدي، فأن الملك سيبعث بك في مهمة وستؤسر في أرض غريبة  

                 لا تعرفها وستلازمك المتاعب ليل نهار .
- السيد:      اسمعني أيها العبد         .
- العبد :       هاأنذا مصغٍ إليكَ يا سيدي  .
- السيد:       احضر لي في الحال ماء لأغسل يدي فانني أريد أن آكل               .
- العبد :       كُلْ يا سيدي كل. فالأكل بانتظام يشرح القلب، وإلى الطعام الذي يؤكل وبيدين    

                  نظيفتين يحضر الإله " شمش" .
- السيد:       لا، أيها العبد، لن آكل             . 
- العبد:        لا تأكل ياسيدي لا تأكل! فان الجوع من بعد الأكل والظمأ من بعد الشرب يأتي   

                 لكل إنسان .                 

- السيد:       أطعني أيها العبد اطعني          
- العبد :       نعم يا سيدي، ها انذا في طوعك     
- السيد:       عزمتُ على أن أقوم بعصيان( ثورة       .(
- العبد :       افعل ذلك يا سيدي، فماذا سيحل بجوهركَ ومن ذا الذي سيعطيك لتملأ معدتك؟ - السيد:       لا يا عبد لن اقوم بالثورة
 - العبد :      لا تفعل يا سيدي لا تفعل! فأن من يقوم بالثورة والعصيان يعذب ويشوه جسمه          

                  ويودع في السجن .

- السيد:       أطعني أيها العبد اطعني                .
- العبد :       هاأنذا في طوعك َ يا سيدي           .

- السيد:       أريد أن أحب امرأة  .
- العبد :       أحبب يا سيدي أحب، فان من أحبّ امرأة نسي الألم والتعب    .
- السيد:       لا يا عبد لن أحبَّ         .
العبد:           لا تحبب يا سيدي، لا تحبب .  فالمرأة بئر، المرأة خنجر من حديد يقطع عنق المرء
- السيد:       أريد أن أساعد بلادي .
- العبد :       افعل ذلك يا سيدي ، فأن من يساعد بلاده توضع حسناته في كف الاله               

                  " مردوخ" .
- السيد:        لا يا عبد لن افعل ما يساعد بلادي.                                                          - العبد:         لا تفعل يا سيدي لا تفعل! أعلُ فوق الأطلال القديمة وتمشَ فوقها وانظر إلى

                  جماجم الماضين ، فأيهم الاشرار ، وأيهم الصالحون ؟! .

  - السيد :       أطعني يا عبد أطعني                                                                   -العبد :       أجل يا سيدي، أجل .                                                                             
- السيد:       والآن أيّ شيء حسنٌ في الدنيا! سأدقّ عنقكَ وعنقي أو نرمي بنفسينا في الماء.     

                    وهذا هو الشيء الحسن .

                  "وهنا بدّل السيد رأيه وقال لعبده"

- السيد:       لا ايها العبد أقتلك وحدكَ وادعكَ تسبقني            !
                  " فيجيبه "

     - العبد:        هل يرغب سيدي أن يعيش من بعدي حتى لو كان ذلك مدة ثلاثة أيام  ؟!...

 

أضواء على لغة النص :

إن عبارات من مثل :

-       إن الجوع من بعد الأكل ، والظمأ من بعد الشرب يأتي لكل إنسان .

-       من ذا الذي سيعطيك لتملأ معدتك؟

-       المرأة بئر ، المرأة خنجر من حديد يقطع عنق المرء .

-   اعلُ فوق الأطلال القديمة وتمشَّ فوقها ، وانظر إلى جماجم الماضين والمتأخرين ، فأيهم الأشرار ، وأيهم الصالحون ؟

 

    تدل على أن النص مفعم بالحكمة ، فهذه الحكم أو الأمثال يمكن أن تتداول في أي عصر أو زمان . إذاً لم يكن النص مقيداً بزمن أو مكان ما ، لذا فإن الكاتب لم يحدد مكاناً تجري فيه الأحداث " أو الحوار على وجه الدقة " . كما لم يشر إلى زمان معين إضافة إلى أنه لم يمنح شخوصه أسماء محددة ، فما يريده الكاتب هو حكمة تتعدى حدود الزمان والمكان والاشخاص وهذا دليل آخر على أن الكاتب لهذا النص لم يرد من ورائه تسجيل حوارية ما جرت بين شخصين كائنين بالفعل ، وإنما كتبها وهو يعلم ان ما يدونه هو أدب بالفعل وإلا لكان حرياً به أن يدون اسمي الشخصين .

 

سمات الشخصيتين  في النص :

السيد :

 رجل ثري يعيش حالة من الملل والقلق والاضطراب ، متسرع ومتردد فما إن يقبل على فعل شيء ما حتى يتراجع ، فتارة يودّ الذهاب إلى القصر ، وتارة يتراجع عن قراره دون وجود سبب محدد ، وتارة ثالثة يقرر القيام بعصيان ، وأخرى يتراجع عن عصيانه ، فنجده يقرر في النص القيام بستة أفعال يتراجع عنها جميعاً ، لينتهي النص كما بدأ كما أن شيئاً لم يكن .

العبد :

- عبد مطيع يرغب بتنفيذ كل ما يؤمر به .

- حكيم ؛ فجميع الحكم والأمثال الموجودة في النص جاءت على لسانه .

- مراوغ ؛ فهو يمتلك القدرة على الإقناع بوجوب عمل شيء ما، وعمل ضدّه في الوقت  ذاته .

- ذكي ؛ فهو يدافع عن نفسه عندما يود السيد قتله بأن السيد سيموت بعده بثلاثة أيام ، ليمنع السيد من تنفيذ قراره ؛ وهذه فكرة شاعت في الأدب الشعبي ، ربما كان مصدرها  هذه الحوارية .

    

 

 

أضواء على بنية  النص :

  النص مكتوب بشكل قصدي ، فهو ليس مجرد حوار قدر له أن يكتبه صاحبه ، فمن كتبه هو شخص واحد لقصة متخيلة لا لحادثة وقعت بالفعل ، فالسيد لا يمكن أن يستشير عبده، بل يأمره " على أرض الواقع " لكن الكاتب هاهنا لم يستحضر شخصيتين ، بل طبقتين ؛ هما : طبقة السادة ، وطبقة العبيد اللتان لا يمكن أن تستغني إحداهما عن الأخرى " في المجتمع الآشوري " .  كما أنه نص مكتوب ، أصلاً ، ليقرأه الآخرون ، أو ليمثَّل . والدليل على ذلك وجود عبارات ؛ من مثل : " وهنا بدل السيد رأيه " وبالرغم من أن الحوار يدل على أن السيد غير رأيه قام الكاتب بتدوين هذه العبارة ، ونظن أنه كان يقصد من ورائها أن ثمة تغيرات بدت ، أو يجب أن تبدو على ملامح السيد في تلك اللحظة ، وهو ما يسميه كتاب الدراما/ الأدب التمثيلي اليوم باسم " السيناريو " ؛ وهي وصف لحركات الممثل المرافقة لحواره .

مما يثبت أن فرضيتنا بأن هذا النص كتب كنص أدبي ليمثل .  ثم أن قراءة تحليلية لفكر النص توضح أنه طرح ست أفكار ؛ وهي " السلطة ، المتعة ، الثورة ، الحب ، الخير ، الموت " .

فما نفع السلطة والمتعة والحب والخير والمجد المتحصل من الثورة إذا ما كان كل ذلك سيواجَه بالموت ؟ ! .

ثم إن كلاً من تلك الأفكار الست ستواجه بنقيضها أو عدم كمالها أي أنها دائماً في حالة صراع دائم مع نقيضها لتشكل ازدواجيات ، والازدواجيات هي :

1- السلطة = الشعب

2- المتعة = الانقضاء                     الطعام = الجوع                  الشراب = الظمأ

3- الخير = الشر

4- الثورة = العذاب والسجن والتشويه

5- الحب = الانصياع والذل أوالهلاك

6- ثم سيأتي الموت ، نقيض الحياة ، على كل حال .

 

   فهذا النص الحواري يناقش قضية فلسفية ؛ هي : ماهي حكمة وجودنا ، مادام الموت هو نهايتنا المحتومة ، بل ماهي قيمة أفعالنا مهما صغرت أو عظمت ، مادام الموت والفناء هو نهايتها ؟

    إن الفكرة التي طرحها الكاتب الآشوري ، هي بالذات مايطرحها مسرح العبث / اللامعقول الذي يعتبر من أحدث مدارس المسرح ، وقد كان سبب نشوئه فوضوية العالم وما عاناه كتابه الأوائل من مشاكل التأقلم مع العالم الجديد بعد الدمار والفوضى اللذين خلفتهما الحرب العالمية الثانية . هذا الواقع الذي ، ربما ، لايختلف عن الواقع الذي كان يعيشه الكاتب الآشوري في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، فالفوضى والخراب اللذين حاقا بسورية والعراق من قبل الحوريين والميتانيين وشعوب البحرجعلت هذا الكاتب الآشوري ينتمي إلى مدرسة العبث قبل نشوئها بأكثر من ثلاثة آلاف عام .

 

    إن ما تحمله مسرحية " حوارية العبد والسيد"  من فكر فلسفي يشابه - رغم الفاصل الزمني الكبير - ماكتبه ويكتبه اليوم كتاب ؛ أمثال : صموئيل بيكيت ، وهارولد بنتر ؛ فموازنة بسيطة بينها  وبين " في انتظار غوردو" ، أو "النظام العالمي الجديد" سواء على صعيد المبنى أو المعنى سوف تذهل المرء .

 

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home